islamaumaroc

رسالة الدولة العلوية من البدء ضمان حرية الوطن واستقرار البلاد وانتصار دين الله

  دعوة الحق

135 العدد

 إذن لا خوف على هذه الأمة، وروادها ينفذون مخططا مدروسا، ومبادئ محددة، وبرامج مبينة؟.
لا أتحدث عما قامت به جمهرة الملوك العلويين من تطهير البلاد من الفساد والمفسدين، كما لا أتحدث عما قاموا به من جهود مضنية في أحياء ربوعه الاقتصادية بعد أن وجدوه هيكلا عظيما أخنى عليه الدهر!! كما لا أتحدث عن عدوين نحسين من الصعوبة التغلب عليهما، هما الفوضى والانحلال، وخراب الاقتصاد، والعدو الأجنبي المحتل للشواطئ.
 بل اكتفى بتسطير بعض المواقف رحالات هذه الدولة العظيمة، في (ميدان الانتصار لدين الله ولغة القرآن) إذ رسالة هذه الدولة هي البناء والتشييد وتطهير الثغور من المحتل، وتنظيم الحياة الروحية للدولة المغربية منذ عهد الحسن الداخل ومولاي علي الشريف والذرية الطاهرة. أحفاد النبي الكريم، إلى عصرنا الحاضر وإلى ما شاء الله ..
 فهذا المولى الرشيد : يشجع العلماء. ويعظم شعائر الإسلام، ويهتم بطبقات الطلاب ويؤسس الخزائن العلمية، يحبس عليها نفائس الكتب، وينظم شؤون الأوقاف الإسلامية، ولقد أبدع في وصفه من قال :
ثم جاء المولى الرشيد بن الشريف : فأعلى منار العلم، وأوضح نهاره، وأكرم العلماء إكراما لم يعهد. وأعطاهم ما لم يعد .. ويعمله الجليل هذا، فضح من فيله، وأتعب من بعده، ولو طالت أيام حياته لتواردت عليه طوائف العلماء من كل الأنحاء.
وهذه المولى إسماعيل البطل : نجده في زحمة إصلاحاته المتعددة، ومنجزاته المتكاثرة، وفتوحاته المدهشة، ومنشئاته الخالدة يبدي كامل اعتنائه بالعلم والعلماء بتعظيم الخالدة يبدي بالاعتناء بطلابه، بالأحباس الإسلامية، بافتداء الأسرى : وموقفه يوم الانطلاقة الكبرى في تنظيم جيش البخاري لتحرير أطراف المغرب من الغاصبين يحدثنا التاريخ أنه، قدس الله سره، جمع حوله قادة الجيش العظيم وقال :
« أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرعه المجموع في هذا الكتاب، « يعني صحيح البخاري» فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه، عليه نقاتل، وفي سبيله نستميت، أنها نفحة النبوة تفوح مسكا وعنبرا، دامت ذكراك العطرة يا إسماعيل، فلقد تجاوز حزم هذا الملك في ميدان الحفاظ على العلم والدين والتفكير في تعظيم شعائر الإسلام، حزمه في تنظيم الجيوش للجهاد في إعلاء كلمة الإسلام، والدعوة بأطراف المعمور للملوك والأمراء بالانخراط في سلك جماعة المسلمين.
 وهذا المولى محمد بن عبد الله : لجانب النماذج التاريخية في الحضارة والعمران والديبلوماسية والرخاء والأمن والطمأنينة، وتنمية الاقتصاد الوطني، نجده يقتفي أثر جده اسماعيل حيث يشرع في   الأسرى، ويجود بالمساعدات، بالمال والعتاد لدولة آل عمران نصرة لدين الله؟
أما الاعتناء والعلماء وبالطلاب والبعثات للخارج والعمل على جلب الكتب النادرة، وتأسيس الخزائن العلمية بكل أنحاء البلاد فشيء عز نظيره.
  لقد عرف المغرب في عهد هذا الملك المصلح نهوضا بالعلم والمعرفة، وازدهارا في الآداب والحضارة الفكرية الإسلامية، إنه العالم المشار له بالبنان، والمجتهد البارع الذي لا يجارى ولا يبارى، كما يقول حقه أبو القاسم الزياني، ولا أدل على صدق قوله من مساهمته في الخزائن الإسلامية بعدة مؤلفات فريدة من نوعها : « كتاب الفتوحات الالاهية في أحاديث خير البرية»، « كتاب الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد»، « كتاب مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان» ..
 إن كتبه ومؤلفاته والأنظمة الإسلامية المتكاملة للدراسة بكلية القرويين أقدم جامعة إسلامية عرفتها اللغة العربية في عهودها، وتشريعاته القضائية وتقنيناته للأحوال الشخصية الكل مستنبط من الكتاب والسنة ومواقفه لعصر التطور والنهضة الحديثة المطلة.
دامت العبقرية في شخصيتك، ودام رضوان الله عليك يا محمد ابن عبد الله.
وهذا المولى سليمان سلطان العلماء :
 فلجانب ورعه وتقواه، وزهده وغيرته وحماسته لتطهير المغرب العزيز من دنس المغيرين، إلى جانب الرفق بالرعية وبالضعفاء والمساكين، إلى وفرة عقل، وميزة حياء من الله، إلى العمل على إسقاط « المكس» الذي يشوه سمعة التعاليم الإسلامية بالدولة. والاستغناء عنه باعشار الزكاة؟ وفيها الكفاية فعهده رضوان الله عليه مبارك ميمون، ازدهرت فيه العلوم والآداب، وراجت أسواق العلم وكثر طلابه، واللنساخ والمؤلفون، وامتلأت رحاب القرويين، والعديد من المدارس والمساجد بحلقات العلم والعرفان.
وحري بنا أن نسجل لهذا الملك التقي روح السلفية التي سادت عصره الذهبي، روح التحرر الفكري الذي استحوذت على روحه الطاهرة، فعاش المغرب في أيامه أياما جميلة وعهودا خالدة في ظل « العدالة الاجتماعية» و « الأخوة الإسلامية الصافية»
وهذا المولى محمد بن عبد الرحمن (1): الذي يعد بحق من رواد النهضة والعاملين عن تطور أنظمة الدولة ومسايرة العصر؟ فلقد أرسل البعثات العديدة للخارج يقصد تنظيم الأطر الحية للسير بالمغرب قدما كما فتح الأبواب على إبراز المطبعة(2) وأمور الميكانيات المختلفة الأشكال والألوان، وجلب كل ما من شأنه تقدم المغرب ورفع مكانته، بالعلم والعلماء ونشر الوية التربية الإسلامية، بسائر الأوساط المغربية، وهو بحق مخطط مبادئ النهضة، والمشرع الأول للأخذ بالعلوم (3) الحديثة  لجانب التمسك بجوهر الإسلام الذي يقول كتابه المقدس لتنبيه المشرع « وقل ري زدني علما» أنه الملك الذي اهتدى بهدي القرآن فشيد المساجد وأصلح منها المفتقرة للإصلاح. وساهم بطبع الحضارة المغربية بميسم التجديد، حيث جلب أدوات علمية مستحدثة من ساعات فلكية ومجاهر علمية، وأضفى على البلاد طابعا جديدا استخرجه من الأحداث الجسام (4) التي توالت على البلاد! فقد لقيته أزمتان عظيمتان، « أزمة أيسلس(5)» ثم «أزمة تطوان(6)» وضاق نطاق المغرب ولا إيمان هذا المسلم الحازم الذي استفاد من الأحداث! وخطط الذي استفاد من الأحداث! وخطط طرق النجدة لبلاده من هاتين الورطتين فأحدث الأنظمة الجديدة للجيش (7) وللحكومة(8)، ولسائر مظاهر(9)
العمران في دائرة الحفاظ على (10) شريعة الإسلام ومميزاته ومفاخره رحمه الله ورضي عنه.
وهذا المولى الحسن الأول: الذي عرف بميزة اعتباره، ملكه فوق فرسه، وعرشه على صهوة جواده يقطع السهل والجبل لنشر الوية الأمن والطمأنينة، ونشر اعلم والمعرفة والنهضة إلى حل أو ارتحل؟ وعضره بعد بحق نموذجا حيا يساير التقدم والعمران، وهيبة الدولة وتمتين الجهاز الإداري والقضائي بكل أرجائه وجوانبه، الملك الذي اهتم بإرسال بعثات علمية للخارج لتكوين «أطر الدولة» في مختلف الميادين، والاتصال بالدول الناهضة للاستفادة من الحياة الجديدة المنبعثة باوربا، كما بادر بإنشاء وشراء المدافع وآلة السلاح لتزويد جيش المغرب بالأنواع الجديدة منه، وأعد لذلك المكينة الشهيرة بفاس.
 واستجلب الخبراء لتدريب جيش المغرب وتكوينه.
كل هذا إلى الجانب الورع، والتقوى والتفاني في خدمة الإسلام في التشريع والتقنين وجلب العلماء واتخاذ طائفة من خيرتهم للاستشارة والرأي، كما عرف هذا العبقرية بعد الفكر، وحسن النظر، والاستقامة والسلوك الجميل مع ربه، ومع شعبه، حتى عد عصر من أزهى عصور الدولة العلوية المجيدة.
وهذا محمد الخامس المحرر الأكبر :
وماذا عساني أن أسجل له من مناقب ومزايا : وقد التزمت ف كلمتي الاكتفاء بتحرير بعض مواقف رجالات هذه الدولة العظيمة في « ميدان» الانتصار لدين الله ولغة القرآن :
ورغم تمسكي بالمبدأ، لا أرى بدأ من المرور مر الكرام على بعض مزايا الفوج الأخير، أي منذ عهد المولى محمد بن عبد الرحمن، الذي ابتلى عره بضربتين قاتلتين لولا لطف الله بالمغرب.
ولقد وجد هذا الملك الهمام البلاد المغربية مكبلة ومسلسلة بأوضاع الحماية البغيضة !
وجد المغرب في أزمة خانقة، والشعب المغربي في ضيق وحرج، رغم ما بذله المغاربة الأحرار منذ ظهور بنود الحماية من الدفاع المستميت، والثورات المسلحة بكل أنحائه! والتضحية بكل عزيز وغالي في سبيل تحريره وإعزازه، كانت الثورة عارمة شعارها : الانتصار على الاستعمار أو الموت؟ القبائل المغربية والمثقفون المغاربة، العلماء والطلبة، وكل فئات الشعب تعلن رفضها المطلق للوجود الأجنبي؟ تربع على عرش أسلافه وخطب فقال : أن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرة. لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لتكفل له الانتفاع من تطور فكري يكون متلائما مع احترام عقيدته. وهكذا افتتح خطواته الأولى، بإصلاح أمور الدين وصيانة علومه، وتشريعه، وقوانينه، فوضح نظاما محكما أساسيا لكلية القرويين، والمعاهد الدينية بالمغرب، وأنشأ المساجد وأصلحها وكفاه مفخرة وعظمة، المسجد المحمدي بالبيضاء، بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه، العمل على تطهير التعاليم الإسلامية  وبالأخص في المواسيم والأعياد، حيث نظف وظهر البلاد من تلك الرعونة المشوهة التي كانت تسود البلاد، وتسيطر عليها من لدن المشعودين والجهلة الطغام، مؤازرته العلنية لكل المشاريع العمرانية وبصفة خاصة منها الأدبية والعلمية، ثم اخذ الطريق السوي لتحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي روحيا، وماديا. وفك رقبة البلاد من أغلال العبودية والهمجية، وبهذا طغت محبته على الأوساط المغربية.
 فمحمد الخامس جلس على سدة العرش ليعيد أمجاد أجداده العظماء لا ليستكين للاحتلال الأجنبي ! ويرضى لبلاده عبودية الاستعمار فإذا كانت الدولة العلوية إنما قامت باسم العلم والدين وطرد الغاصبين. وإعلان الوحدة الوطنية، فقد قيد الجليل للأمة من ينتشلها وما خيب ظن المواطنين فيما اعتقدوه في هذا الملك الهمام، فمنذ سنة 1930 م شرعت الثورة الوطنية الروحية فقيادة محمد الخامس، وبسلاح الدين الصادق البتار، فالثورة الجامحة أسست بالمجسد، وللدفاع عن كرامة التشريع والعقيدة الإسلاميتين؟ والفيالق الأولى للدفاع عن الكرامة اتجهت إلى المساجد، ومنه انطلقت وتتابعت الهجمات. ومحمد الخامس يضفي عليها عطفه، ويبارك كل حركة تنفض صدور المستعمرين، وتشرح صدور المواطنين.
 ولا بدع أن يتجاوب العرش والشعب، فتقوم النخبة الواعية من الأمة بالنداء للقيام باحتفالات عظيمة بعيد العرش السعيد، قامت بعملها عن طواعية واختيار وإعلان منها عن الحب الكمين للجالس على العرش، وتتابعت الهزات النفسية في الوسط المغربي وسيد البلاد : القائد المحنك ، يبارك ويواسي ويرمم ويبني ويجدد، فهذه المدارس الحرة تنشأ باسمه، واسم الأسرة الكريمة حماية لها، محمدية، حسنية، عبدلوية، عائشية، والقصد من ايجادها واضح ...
فالمستعمر الغشوم شرع يكون من ناشئة مغربنا جيلا أو فئة بعيدة كل البعد عن لغتها ودينها، ومحمد الخامس الملك المسلم العربي، يعلم علم اليقين أن النشئ إذا تربى تربية ما، بعيدا عن لغته، وتعاليم دينه، فتلك هي الهوة السحيقة لدولة وكيانها ومميزاتها وأخلاقها ! وهذا ما حدا به رحمه الله للمبادرة بتأسيس المدارس الحرة على النمط الذي يحفظ لغة القرآن، وتعاليم القرآن، فكم احتفال، وكم تكريم أقامه، وكم مهرجانات شرفها بنفسه، وبالنجباء أولاده وبناته، اعلانا منه أعزه الله على تمسك الأمة المغربية داخل نهضتها باللغة العربية والتعاليم الإسلامية أضفى عليها من حبه، من عطفه، وماله، وجاهه، ما أصلح حالها، وشد أزرها، ومهد لها النجاح والفلاح في طريقها.
 فأعطت في أقرب الآجال الثمار اليانعة : إذ السلاح المتخذ من لدن جلالته. سلاح بتار، ومنعش ومفيد. وها هو طيب الله ضريحه يؤسس المعهد المولوي كنموذج لما ينبغي أن تؤسس عليه المعاهد والمدارس. وما قدم فلذات كبده، وأحب الناس إلى قبله، حتى كانوا على جانب كبير من المعرفة بالقرآن الكريم، حفظا ومعرفة وسلوكا، مصداقا لقوله عليه السلام : تركت فيكم شيئين لن تضلما ما تمسكتم بهما : كتاب الله، وسنتي، فعليكم بهما نبراسا وهاجا، وفي هذا السبيل مهد للفتاة المغربية سبيل الرشاد، فأنقدها من الجهل والغباوة التي كانت مسيطرة على المرأة والفتاة!
لنستمع إلى نجواه سنة 1940، وهو داخل كلية القرويين.
 أول ما وفقنا الله تعالى إليه بعد صعودنا على عرش أسلافنا المقدسين : اهتماما بإحياء وسائل ديننا الزكي الطاهر، ولما علمنا أن العلم هو الوسيلة العظمى لإدراك المقصد الأسمى، ثم يقول: في كلمة ثانية : تعلمون كم أسس سلفنا الصالح مكن المشاريع التي يحق للإسلام أن يفتخر بها بين الأديان.
ولمدنيتنا أن تصول بها في تاريخ بني الإنسان، فالقرآن بين أظهرنا منير مزدهر، وحديث خير البرية جلي منتشر » ثم يقول : هناك أمر آخر نهمتم به كل الاهتمام، وهو تعليم بناتنا وتثقيفهن لينشأن على سنن الهدى ويهدي بما ينبغي أن تتصف به المرأة المسلمة.
وعاد محمد الخامس من المنفى بعدما قاسى في سبيل نصرة المغرب المسلم العربي، كل الأهوال، فقال: وهكذا انقلب الكدر الذي صاحبنا يوم الفراق، إلى صفاء واغتباط يوم التراقي : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور»
ويموت محمد الخامس يوم 26 يبراير 1961 فيغمض عينيه، راضيا مضيا .. ثم قرير العين سيدي، فإنك في كنف الله ورعايته، بما قدمت لوطنك ودينك من خدمات، وبعد أن طهرت البلاد من
الاستعمارين : الروحي، والمادي، وحققت لامتك ما يسجل لسدتك بمداد الفخر ولإعجاب، دامت لكم المكرمات في عرصات القيامة يا محمد الخامس.
 وهذا مولانا الحسن الثاني المتربع على العرش المغربي، وماذا عساني أتحدث عنه في هذه المناسبة المشرفة والمشرقة، وبالأخص في الناحية الروحية التي التزمت بها أول كلمتي، نعم .. فالحدث عما قام ويقوم به الحسن الثاني من الناحية الروحية شيء يجل عن الحصر! ولكنني أسجل بكل فخر واعتزاز ما اهتديت إليه، فهذه دار الحديث الحسنية، وهي مفخرة لا تقاس بغيرها، لما لها من الأثر البعيد والقريب، داخل المغرب المسلم وخارجية، وهي فوق هذا وذاك سند قوي لكية القرويين بفروعها الثلاث : كلية الشريعة، كلية اللغة العربية، كلية أصول الدين »، وقد أثمرت واينعت، وأخذت طريقها السوي، وأنجبت لمغربنا المسلم، طائفة من متخرجيها يرفعون الرأس عاليا، في ميدان علم الحديث والتفسير، والدروس الحديثية الرمضانية التي يشرفها جلالته بالإحياء والتلقيح. تظهر تلك الحفلات العلمية السنية مزدهرة بعلماء من العالم الإسلامي بجانب المغاربة البررة يرفعها عمادها بثاقب فكره، ويزين مظهرها بما يظفيه عليها من حلة فنية» ترفع قدر العلم والعلماء، ويساهم في نسمات الرحمن في ميدان، فيبدي الأفكار النيرة بين العلماء الأعيان، ملكنا المسلم العالم»
ولا بدع فمجهودات والده البار محمد الخامس تؤثي أكلها غضا طريا .. وهذا احتفال واحتفاء بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن يرفع فيها ملكنا قدر المغرب المسلم، فيستدعي للمشاركة في الاحتفالات بذكراه جما غفيرا من حملة الشريعة الإسلامية، ورجالات الفكر العباقرة، ويترأس الحفل الرسمي، ويبدي أعزه الله من أسرار الذكرى الخالدة ما قرت به العيون، ورفعت اسم الدولة العلوية الشريفة للمغرب العربي المسلم إلى قمة المجد الإسلامي والسؤدد الخالد.
 وهذا تحقيق الحلم الذي ترقبه المسلحون في شتى الأزمنة والعصور ! وكتب فيه وعنه الكتاب والشعراء ما يكاد يعد من قبيل الخيال ! يحققه الحسن الثاني. فينادي : هلم أيها الملوك والرؤساء الملمون إلى بلدكم المغرب المسلم العربي الحبيب لنعقد اجتماع  بقصد تبادل وجهات النظر، فيما يجب على الأمة الإسلامية أن تسلكه من الطرق والوسائل لتطهير البيت المقدس من دنس اللؤماء الصهاينة الأنذال ! يفتر ثغر هذا البلد الأمين، وينتشيء فرحا وبشرا بهذا اللقاء الأول من نوعه، والذي يسجنه التاريخ صفحة أدبية ذهبية في عصر الملك المسلم الغيور « الحسن الثاني» سدد الله خطاه، وتحمد عاقبته الملوك والرؤساء، ويرفع من قدر الأمة الإسلامية في القرن العشرين، ويعد معجزة الدهر، ومفخرة العصر، وطريق الرشاد، وسبيل الأنقاد، وهنيئا لك يا حسن، بهذا الفوز المبين، الاحتفال والاحتفاء بقدر الإسلام والمسلمين، وهذه خطوات نترى بالنهضة الروحية في هذا البلد- فالكتاب القرآني النموذجي، لولي عهدك سنة أبيك محمد الخامس اقتبستها واقتديت بها .. ومن يشابه أباه فما ظلم، وأنعم بها وأكرم من سنة أحيث الآمال، وشدت من أزر الكتاتيب القرآنية وحركت فيها دبيب الحياة ونفخت بها روحانية الإسلام، وهي يا مولاي لا تزال تطالب وتترجى عطفكم بالاهتمام بها أكثر، والسير بها قدما خطوات حتى تستطيع أن تغرس في أفئدة الناشئة المغربية،  حب القرآن، وتعاليم القرآن، وهداية القرآن، ولسدتكم أجر ذلك عند الله مضاعفا، وهذا مؤتمر الجامعات الإسلامية يعقد بكلية القرويين بفاس تحت نظركم السديد. بعدما مهد والدكم المقدس لتلك الجامعة الإسلامية الأولى في العالم للاحتفال بالذكرى الحادية عشرة لإنشائها وإيجادها طيلة هذه القرون المتتابعة وهي تؤدي رسالتها الخالدة. هذه الكلية لا تزال رجاء .. كلها آمال .. في الرفع من قدرها، والعناية بطلابها وتسهيل « موردها وروافدها» التي يكاد الزيغ أن يستهين بها ! ويقطع سبيلها لا قدر الله .. أية حسنا؟ أجيالها المتتالية، وعلماؤها في كل العصور، ينتظرون عطفة ذرية النبي الكريم، وربيب التربية الإسلامية ليعيدها سيرتها الأولى، لتستمر في أداء رسالتها الخالدة.
وهذه المساجد تشيد وتتجدد، ويرفع منارها بكلمة «الله أكبر» حي على الصلاة حي على الفلاح، الله أكبر، تشيد بكل أرجاء البلاد المغربية وفي كل الجوانب تشهد لكم بين يدي الله، يوم نجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 هذه وفود الحجيج تنظم، تسير وتجيء، وتتابع السير كلما حل الموعد المقدس. وجلالتكم راعيها الأمين، وخادمها المطيع. البقع الطاهرة لا تنساكم، وما موقفكم يا مولاي في أداء النسك بها في زيارتكم التاريخية، إلا نموذجا حيا لحالة المسلم الوفي، وكأني بكم يا مولاي تلبون وتحمدون حوالي الكعبة. وبين الصفا والمروة تكسوكم رعاية الله، وترعاكم عنايته، وفي قبر المصطفى جدكم الأمين، عين الرحمن تحوطكم، والروضة الطاهرة ترحب بكم، وساكنها عليه السلام يضفي عليكم رحمات الله، وقدسية النبوة.
 العناية بشهر الصيام والقيام وترتيل آي القرآن، وتقديس الشعائر، تجد فيكم الحر النبيل عناية ورعاية، وقياما بالواجب كمسلم، يوجد الله، وبمجد العقيدة، ويصون الأمجاد على تعاقب الأزمان، وكل ما تؤمله في الجناب الشريف ونرجوه، هو تجيد عهود الدعوة الإسلامية بالحفاظ على المقدسات وتلقين التعاليم الإسلامية بشتى الطرق والأساليب، والعمل على تجديد وتلقيح « التعليم الأصلي» بما يشد أزره، ويصون سره. ويعلي شأنه، وليست هذه بأول بركاتكم يا آل محمد.
إن رسالة الدولة العلوية منذ عهد الحسن الداخل ومولاي علي الشريف، هي البناء والتشييد، والعمل على صون المقدسات ودوام سيرها، وحري بآل النبي وأحفاد هؤلاء الأشاوس، أن يعملوا باستمرار على : الانتصار لدين الله ولغة القرآن.
ودامت لسدتكم العافية والتوفيق يا حسن : وذكرى مجيدة تتجدد وتتوالى.
 

1 ) ناهيك به من ملك تخرج من مدرسة الهندسة التي أسسها والده المولى عبد الرحمن داخل القصور الملكية بفاس سنة 1844 تخرج منها هذا الملك العبقري، عالما بارعا في الحساب والتعديل والهندسة والنجوم.
2) ففي عهده بدأت التهضة العلمية، وحركة التأليف والنشر بل والطبع على أول مطبعة حجرية أسسها سنة 1865 م سهر بنفسه على استيرادها وتخطيط أهدافها وعملها، وتنظيم ميزانيتها القارة العاملين بها، والإطارات المتدربة لشغل الأماكن التي قد تشغر أو تحدث كعمل توسعي.
3) لقد فتح هذا الملك العبقري بنفسه حركة التصنيع الحديث بالبلاد، فكون مصانع القطن، والبارود، ومصانع السكر، التي كانت ثورة في عالم الصناعة الغذائية المغربية، وتابع عمله في ميدان التصنيع والتنمية الاقتصادية فأسس الرحى، التي جاء بها لطنجة لطحن الحبوب على الطريقة الحديثة ومنها مصنع القطن الذي أمر بتركيبه في الرباط سنة 1279 هـ ودا « مابريكة» السكر بأكدال بمراكش وما إلى ذلك.
4) لقد قاوم رحمه الله الإمتيازات والتداخلات ووقف في وجه الرابضين بالشرق والتحفزين في الشمال من الأعداء المستعمرين، وحمى البلاد من كل خطر بل وبنى أمة بناء عصريا وبسرعة متقطعة النظير حتى يمكن في مدة وجيزة من أن يجعل منها دولة ترقى إلى مصاف الدول العصرية.
5) فلقد جرت وقعت « اسلي» مع الفرنسيين عقب احتلال الجزائر ثم « وجدة» المغربية وهو إذ ذلك ولي عهد المملكة وكان المتحمل المسؤول عن الدفاع عن الدولة والوطن المفدى فكانت لهذه الوقعة بمثابة « اشعارة» لها مدلولها العميق فيما يستقبل المغرب من أحداث وجديد.
6) وقعة تطوان. فاحتلالها جرى في عهد ملكه الشامخ والاسبان باستيلائهم على تطوان وما حولها يضاهون بذلك الفرنسيين بوجدة، ويجددون « الاشعارة» بما ينتظر المغرب من أحداث وجديد، فكان جميع ذلك مبراا حاسما، وعاجلا لخلق جيش عصري مسلح بأسلحة الوقت ومجهز بكل آلات الحرب والدفاع.
7) صاحب الترجمة أول من نظم الجيش واتخذ العسكر على الطرق الحديثة بالمغرب، وكان ابتداء ذلك أيام خلافته عن أبيه عقب وقعة « أيسني» وذلك يدل على أصالة رأيه، ورجحان عقله رحمه الله.
8) كانت حرب تطوان متممة للدروس المستخلصة من حرب «أيسلي» ودافعا ثوريا وحافزا حاسما لقلب تاكتيك « الجيش والتنظيم السياسي والإداري للمغرب» .
وهكذا ظهر أول وزير للبحر في المغرب على عهده، وهو الوزير الذي يمثل المغرب في الخارج، ويباشر الإتصالات والعلاقات مع نواب الأجناس وسفرائها فهو وزير الخارجية في عصرنا المعايش : وهو المتلقي لتعليمات الملك في كل ما يتعلق بالأجناس، ومشاكل المغرب الخارجية، كما ظهرت تنظيمات وزارية تلائم ما وصل إليه العصر من تخصص وتفرغ للمهام، والوظائف والأعمال : فقد كان له وزراؤه المساعدون وحجابه وقواد مشورته الأكفاء، وكتابه القدرة، وسفراؤه الذين يتقنون « اللغات الأجنبية» ونوابه وقضاته، ونظارة ومحتسبون، وعماله، وقواده، وأمناؤه إلى جانب ما ينبع المذكورين من مساعدين ورؤساء أقسام، ومنفذين تقريبا لم يكن أكثر من التقريب كما هي عليه إدارة اليوم.
9) وفي عهده سنت تشريعات حظ الأوقاف والأحباس وحصر أملاكها ومداخلها وريعها وحصر صرفها في مواجبها الخ ..
وفي عهده صدر الكبح لمواجبات الغلاء التي تنقص عادة على الدول المتخلفة بفعل تهجمات السلع الأجنبية الاخ ..
وفي عهده رضي الله عنه نظمت طريقة العمل في المراسي والشواطئ والموانئ وخصص للأمناء والعاملين بها أجور ثابتة كافية، مع تنظيم الصادرات والواردات والضرائب المستخلصة الخ ..
وفي عهده، أيضا، صدور أول تنظيم مالي معاصر لميزانية الدولة سواء في ذلك حصر مداخيلها أو مصاريفها التي كانت معروفة آنذاك بالصير. وكما يقول المؤرخ- اكنسوس- أجربت الأنهار، وفجرت العيون، وأصلحت القنوات، وغرست عدة جهات بالمغرب، بعد أن كان القحط وقلة-
= الماء يؤذيان بإفلاسها ودمارها، كما عالج البرك مخزن المياه بعد أن كانت معطلة، وأصلحها وأجرى إليها وفيها المياه بطرق وأخرى بعناية ورعاية، كما جلب اختصاصيها فلاحيا فرنسيا إلى مراكش وكلفه بجلب آلات فلاحية وأدوات علمية فوصلت= دراسة يجرها أربعة أفراس، وكان رحمه الله يشرف على ذلك بنفسه، على تركيب أجهزتها وبذلك ساهم هذا الملك الهمام في طبع الحضارة المغربية بميم جديد جلب أدوات علمية مستحدثة من ساعات فلكية، ومجاهر علمية، وكان مظهره قدس الله سره مظهرا حيا للأناقة يلبس والجوارب والزي الأوربي، كما كان ملما باللغة الفرنسية.
10) كانت هذه الثقافة العصرية بجانب التدين وحب العلم، وبذل الغالي والنفيس في سبيل نشره، واذاعته بين الناس، لجانب اقتفائه أثر الجدين المولى اسماعيل، والمولى محمد بن عبد الله، في السيرة وتقديس الدين ورجاله، والعلم وعمالقته والوعي ودعاته، صفحات مشرقة في حياة المغرب العزيز، هذه تلك  هي أساس الركين في تجديده دوالب وأنظمة الدولة والجيش، حتى أصبحت الدولة في عهده في مصاف الدولة العصرية المواكبة.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here