islamaumaroc

من مآثر مولاي الحسن الأول: رسالة في التجديد الإسلامي بالمغرب

  دعوة الحق

135 العدد

 عندما يقترن تاريخ التجديدي الإسلامي، بعلم من أعلام الفكر .. أو بمدرسة من المدارس التي تكونت هنا وهناك..  فإن بعاد رسالة التجديد الإسلامي، والظروف التي أملتها، والملابسات التي احتفت بها، والمظاهر التي ظهرت بها، تعطينا الدليل القاطع .. الذي ليس له من دافع .. غنى أن التجديد بمعنى التطور البناء.. والاصلاح المنشود .. والتدبيرالمحكم .. هو شيئ ذاتي . وجوهري في التفكير الإسلامي الصحيح..!
ولم يختلف قادة المسلمين سواء كانوا من رجال العلم والتفكير .. أو من رجال الحكم والتدبير .. أن رسالتهم الإساسية في المجتمع المسلم هي تجديد ما يلي!.. وتقويم ما اعوج !.. وهداية من ضل!.. وإحاطة الكيان المادي، والمعنوي، بسياج من الحصانة، التي تحول دون تفتيت الوحدة!..  وتضييع العزة !.. والانحراف عن الجادة..!
وإذا كانت الدعوة إلى التجديد الإسلامي عند طائفة من الناس، قد أخذت مظهرا عاطفيا .. يأخذ حيزا شكليا .. لمسايرة التيارات والتطورات  ..فإن الراسخين في العلم .. والناضجين في الفكر!.. والسابقين في الفهم !.. يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أخبر أمته، وهو الصادق الأمين .. في حديثه الذي رواه أبو داود..  حيث قال عليه السلام:
" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"
ومن دون أن نذخل في تفاصيل المراد بالأمة..
والمراد بالمجدد .. فإننا نعطي لرسالة التجديد الإسلامي اعتبارهاالحقيقي، وإطارها الذي يجب أن توضع فيه.. موضوعيا لا عاطفيا..!وأساسيا لا شكليا!..
فالتجديد يعني تجديد العشرة!..  وتكوين الوسائل المادية والمعنوية للمحافظة على هذه العزة .. وتحت ذلك تذخل شتى المفاهيم .. والأفكار.. والأعمال!..
ومنذ تسعين سنة خلت شاهد المغرب محاولة جادة لتحقيق رسالة التجديد الإسلامي بالمفهوم الصحيح الذي أشرنا إليه آنفا.. !
فالرواجف !.. والراودف !.. التي تلاحقت بالبلاد .. وعوامل الشك التشكيك.. ومظاهر الجمود والخمول .. كلها جعلت المفكرين الجادين، والمصلحين الحقيقيين يراجعون رصيدهم من رسالة التجديد الإسلامي علهم يوقفون تيار الانحدار.. وسبول التردي والانحلال..!
ومن الإنصاف للحقيقة .. والإخلاص للموضوعية .. أن نقول: أن هناك علمين من أعلام المغرب كانا في مطلع القرن الهجري الحالي يعملان جادين لبعث رسالة التجديد الإسلامي في المغرب بعد اقتناعهما أن بعث هذه الرسالة يجب أن يسير متكاملا متآزرا بين نضج في .التفكير .. وحزم في التدبير وهكذا سجل تاريخ المغرب تلك المشاريع الإصلاحية وتلك المحاولات التجديدية التي كان الملك المرحوم مولاي الحسن الأول يدعو إليها .. ويعمل جادا لإنجازها .. كما شاهد تلك الأفكار والآراء التي حمل لواء الدعوة إليها العالم المصلح سيدي عبد الله السنوسي..
وكان الرجلان على موعد مع التاريخ!!..  في بداية هذا القرن . وكان كل منهما يعرف حق المعرفة ما ينتظر المغرب إن استمر الحال على ما كان عليه .. من جمود، وانخذال، وانغماس في الانحلال والتهاون..فإذا نحن درسنا بإمعان تلك الرسالة "التجديدية" التي احتفظ لنا بنصها الكانل المؤرخ مولاي عبد الرحمن ابن زيدان رحمه الله في كتابه "أتحاف أعلام الناس "(1) والتي أمر بإنشائها وإذاعتها في الأوساط المغربية، بداية وحاضرة، والملك المرحوم مولاي الحسن الأول .. علمنا كيف بدأت السطور الأولى من رسالة التجديد الإسلامي في المغرب الحديث .. وكيف كانت الحكمة تأخذ طريقها بتؤدة واتزان لمحاولة إصلاح ما أفسدته الأجيال..!
 ويجب أن ننظر إلى فصول هذه الرسالة بمنظار العقلية التي كانت تسود المغرب منذ تسعين سنة .. لا بمنظار العقلية التي تكونت بعد تخطي المراحل والابعاد والسير في ركاب التقدم والانعتاق..!
وإذا درسنا ما بقي لنا من أخبار سيدي عبد الله السنوسي بعد رجوعه من رحلاته في المشرق.  وما كان يدعو إليه جهارا من أفكار .. وما كان يحضره من مجالس.. وما كان الناس يتناقلون عنه !.. وما كانت دعوته تناله من سخط الساخطين!.. ورضا الراضين !.. وما كتب علماء العصر حوله !.. علمنا إذ ذاك كيف كانت رسالة التجديد تأخذ طريقها الضيق الصعب الشائك .. في محاولة جادة للذيوع والانتشار  وكسب الأنصار والمؤيدين..!
واتصال السنوسي الوثيق بمولاي الحسن الأول كان واضحا للعيان، جعل التجديد يتبلور من جهة  !.. كما جعل السنوسي في شبه حماية من المترصدين لدعوته.. الحاقدين على اتجاهاته وأفكاره .. التي أذاعها في عدة مجالس علمية، عقدت بكل من مراكش وفاس.. وحضرها جلة العلماء..!
فنقطة البداية في الرسالة التي احتفظ لنا بنصها المؤرخ ابن زيدان .. كانت مجرد اساس لإقامة صرح للتجديد الشامل العام الذي كان المغرب على أبوابه في مطلع هذا القرن!..
ونقطة البداية فيما نجده في تلك الصفحات التي كتبت حول السنوسي.. وجلها كانت بأقلام ضدا عليه !!..هي أيضا مجرد أساس كان لابد منه للخروج من عقلية إلى أخرى!.. ولتوديع عصر واستقبال آخر..!
ومن المألوف المعروف أن ينال السنوسي حظه في التهم والمطاعن والحملات القلمية واللسانية!.. وأن يتواصى الناس (بالتحذير  (منه!.. والتخوف من أفكاره..! وأن يقال ويكتب عنه: أنه ََ(معتزلي !..( أو(خارجي) أو) ظاهري!.. ( وما إلى ذلك من، لدوافع شتى..!
ومن المألوف المعروف أن يجابه السنوسي خصومه بكل ما يملك من وسائل!.. فكان يجد معهم أحيانا إلى درجة الحدة والهيجان..  وكان يهزل أحيانا إلى درجة الدعابة والاستخفاف ..
وتنقل السنوسي في إقامته بين فاس، ومراكش، والجديدة !.. وأخذ الناس عنه علما كثيرا !.. لكن المعترفين بهذا الأخذ قليلون !! .. وأقل منهم من كتبوا ذلك!..(2).
وأعاد السنوسي الرحلة إلى المشرق!.. واشتهر شأنه في مصر والشام والقسطنطينية!..
وشاءت الأقدار أن تفقد رسالة التجديد ركنها الركين بوفاة مولاي الحسن الأول سنة 1311 هـ.. ويعود السنوسي ليجد الجو غير الذي يعهده!.. لكنه وجد في الملك الشاب مولاي عبد العزيز مبرة وإحسانا وتقديرا ..استصحابا لما كان والده يعامل به هذا الرجل..  الذي غبن حيا  وميتا!.. وتنكر له معاصروه !..  ومن بعدهم!..
وتجرع السنوسي كما تجرع غيره من أنصار رسالة التجديد في المغرب آلام الغصص !.. يوم دبت الأحداث بخيلها ورجلها تدوس المشاريع الإصلاحية التي خططها الحسن الأول.. وتحطم الآمال التي كانت معلقة على إنجازها ..وحال الجريض دون القريض.. !!
ولعل سؤالا يتبادر إلى الذهن.. هل كانت هناك برامج..؟ وهل كانت أهداف معينة..؟
لهذه الرسالة التجديدية التي كان الحسن الأول رحمه الله يعمل على تحقيقها.. وكان السنوسي رحمه الله يؤازرها ويدعو إليها بكل ما يملك من الوسائل.. ويتحمل في ذلك كل ضروب العناد.. والتنكر.. والتهجم!!..
والجواب ليس بيسير!..  فإن الباحث لا يجد نصوصا مكتوبة..  ولا برامج مسطرة.. وإنما يلمس في كثير من التصرفات والمشاريع والقضايا والأحداث ما يعطيه أن هناك عزائم قوية تحركها رسالة التجديد .. وتقودها إلى الإصلاح والتطور واليقظة والخروج من حماة الجمود والانحلال..
وتلك مأثرة لا ينساها تاريخ المغرب الحافل بسير العظماء والأبطال المعروفين والمجهولين !..

  
1- أنظر الجزء الثاني، ص 218  
2-أنظر معجم رياض الجنة. ج 2 ص 81  وما بعدها 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here