islamaumaroc

العصر العلوي في كتاب الاستقصا

  دعوة الحق

135 العدد

  كان من الممكن أن تكون هذه الدراسة شاملة لكتاب «الاستقصا»، ولكن أهمية هذا المصدر تتجلى بوجه خاص في كون مؤلفه عاصر شطرا غير قليل من تاريخ الدولة العلوية وعاش في خضم أحداثها بوصفه موظفا ساميا في البلاط العلوي والجهاز الإداري لهذه الدولة، وإذا سنرى ما هي الطريقة العامة التي سلكها في كتابه حتى نتأكد مما إذ كان المؤلف قد أتى بشيء جديد عن العصر الذي نحن بصدده.
 إن الناصري لم يسلك طريق العرض الأحداث السنوية، كما فعل ابن الأثير في الكامل مثلا، بل رتب كتابه حسب الترتيب الزمني للدولة، مع عرض أهم الأحداث السياسية التي تقع كل سنة، وفي نهاية عرضه لتاريخ الدولة يشير بإيجاز إلى أهم الأحداث الخاصة، كوفاة عالم أو ولي، واشتداد أزمة اقتصادية أو وقوع كارثة طبيعية، وما إلى ذلك، وهو هنا شبيه بمؤرخين آخرين كصالح بن عبد الحليم في روض القرطاس مثلا.
 وإذا كان الناصري يمتاز برجوعه إلى المصادر المعاصرة لكل دولة، فهو في تاريخه لعصره لا يكتفي بالمراجع المؤلفة في هذه الحقبة، بل يعود إلى التقاليد المخزية في القصور الملكية ونظارات الأحباس ومختلف مرافق الدولة، بالإضافة إلى كونه تلقى الكثير من المعلومات ممن كانوا شهود عيان فيما يرجع إلى الفترة التي عاش فيها مباشرة؛ فمصادر الناصر والحالة هذه:
1) مراجع عربية ألفت قبله كنزهة الحادي لليفراني، والجيش العرموم لأكنوس ونشر المثاني للقادري.
2) مراجع أجنبية ككتاب متويل القشتالي عن المغرب وكتاب ماري لويز كذلك، ومعلوم أن الأجنبي قد يرى من الأحداث جوانب هامة لا يلتفت إليها المواطن.
3) وثائق مخزنية وإدارية أشير إلى مصادرها آنفا، وهي عادة تشتمل على معلومات نفيسة كبعض الكتب والمراسم السلطانية.
4) معلومات أخذت مشافهة عن وزراء وموظفن سامين في الدولة.
وهكذا فميزة دراسة الناصري للعصر العلوي تتجلى في كونه قدم عددا كبيرا من المعلومات الموثوق بها، والتي لا يتطرق إليها الشك، كما تمتاز بالدقة وعرض تفاصيل شيقة. ومن جهة ثانية فالمجلد الخاص بالعصر العلوي غني بالنصوص والوثائق التي نقلها المؤلف بكامل محتواها، وفي الواقع نجد هذه الطريقة عامة لدى معظم المؤرخين الإسلاميين، وإن كان الناصري قد تميز كبعض هؤلاء بنقل نصوص طويلة المحتوى أحيانا، والواقع أن المعلومات الواردة عن العصر العلوي تمدنا بفوائد كثيرة ومتنوعة، فنحن مثلا نأخذ منها جملة لا بأس بها من المصطلحات العسكرية والبحرية المتعارفة في هذه الفترة، ونعلم أن نشاط القراصنة قد استمر إلى زمن متأخر، وإن كان من حقنا أن نسمي القرصنة بالنسبة للمغرب في هذا العصر مقاومة وطنية بحرية، ولذلك نجد ملوك العلويين يتبنون هذه المقاومة بأنفسهم ويكرمون زعماءها الشعبيين، ونرى السلطان سيدي محمد بن عبد الله - وهو يومئذ خليفة بمراكش - يشترى" إقامة المراكب القرصانية من صواري ونطاقات وقمن ومخاطيف وحبال وقلوع وبتاني وغير ذلك" .
 ونرى السلطان المذكور يتخذ من جملة وزرائه أبا عبد الله محمد العربي قادوس « وأصله من أعلاج الاصبنيول، وكان شعلة من الذكاء والفطنة، وركنا شديدا من أركان الدولة المحمدية في حسن التدبير والحزم الذي لا يعزب عنه من أمور الحضرة قليل ولا كثير»
ويذكرنا وجود هذه الشخصية بنظراء لها أيام المنصور الذهبي كمحمود باشا وأخيه ولعبا دورا كبيرا في حرب السودان.
 ويلتفت الناصري بشكل خاص إلى الكوارث الوطنية التي يحلو له أن يصفها أو ينقل بدقة ما وصفها به غيره من المؤرخين، وهكذا ينقل عن ماري لويز صاحب المثاني أن الزلزال هدم جل مكناسة وزرهون ومات فيه خلق كثير، بحيث أحصي من العبيد وحدهم نحو خمسة آلاف، وقال نقلا عن المؤرخ الإفرنجي المذكور« إن الزلزلة مكثت ربع ساعة وتشققت الأرض منها واضطرب البحر وفاض حتى ارتفع ماؤه على سور الجديدة وفرغ فيها، ولما رجع البحر إلى مقره ترك عددا كبيرا من السمك بالبلد، وفاض على مسارحهم ومزارعهم وأشباراتهم (؟) فنسف ذلك كله نسفا واضطربت المراكب والفلك بالمرسى، فتكسرت كلها، وفر نصارى البلد إلى الكنيسة وتركوا ديارهم منفتحة، ومع ذلك لم يفقد منها شيء لاشتغال الناس بأنفسهم».
 ومن الواجب أن نقول مع ذلك إن الناصري لا يختلف في كثير عن عامة المؤرخين الإسلاميين الذين عالجوا تاريخ الدول والملوك فوجهوا همهم للأحداث السياسية تاركين جانبا مسائل التاريخ الأخرى من وصف للحياة الاجتماعية وعرض لنشاط الدولة والأمة في خدمة الحضارة والفكر والعمران، وقد تمر هذه المسائل عفوا وعلى سبيل الإيجاز غير مقصودة لذاتها وإنما كمجرد تتميم للنشاط السياسي. ولحسن الحظ فإن المجلد الخاص بالعصر العلوي يعالج جوانب قيمة من أنظمة الدولة وأحوالها المختلفة، وبصفة خاصة التنظيم العسكري الذي أبدع فيه وأجاد، مستفيدا مما أفاد به سابقوه كاليفرني وأكسوس.
  ونلمس بين آن وآخر تدخلات مباشرة وغير مباشرة من لدن المؤلف في بعض القضايا الوطنية العليا، وحينئذ يلجأ إلى نقل آراء المحبذين لفكرة معينة، فنستشف من ذلك مشايعته لهم، كما قد يبدي رأيه علانية في بعض الأحداث، وهكذا نراه في مسألة أحداث  مكس الأبواب ينقل فتوى فقهاء الوقت كالشيخ التاودي بن سوده وعبد الرحمن المنجرة وعبد القادر بوخريص، ثم يضيف إلى ذلك رأي الغزالي كما جاء في «شفاء الغليل»، ونراه يعالج بكثير من الصراحة والإخلاص قضية البطل عبد القادر الجزائري والموقف المشرف الذي وقفه المغرب ضد فرنسا من أجله حتى كانت هزيمته في وقعة إيسلي التي أبانت عن حاجة المغرب يومئذ إلى إعادة النظر في خططه العسكرية، الشيء الذي عمل على تحقيق شوط هام منه فيما بعد السلطان الحسن الأول، كذلك أظهرت هذه الواقعة للجيش الفرنسي موطن الضعف من المغرب فتجرأت فرنسا على التدخل شيئا فشيئا في شؤونه، وكان الناصري حكيما في إبداء موقفه من هذه المسألة، فأظهر عطفه على القضية الجزائرية ونوه بالمساعدات المادية والمعنوية التي زود بها المغرب البطل عبد القادر، وإن صدرت منه تعليقات حول تنقلات هذا الأخير فيما بين مناطق المغرب الشرقية، وهي تؤكد أن تحولا ما قد طرأ في خطط الأمير عبد القادر.
 ويؤيد الناصري الموقف الذي اتخذه السلطان المولى عبد الرحمن في مواصلة عدم الاهتمام بالأسطول البحري نظرا للتقنينات الضيقة التي فرضتها الدول الكبرى يومئذ خصوصا إنجلترا، وفي الواقع كان حوض البحر الأبيض المتوسط موزعا بين دولتين رئيسيتين هما إنجلترا وتركيا، وهذه بدأت تترك مكانها لإنجلترا تدريجيا وبسرعة منذ أن تخلت عن الجزائر مكرهة، ففقدت موقعا استراتيجيا لمراقبة نشاط الأساطيل الأجنبية غرب المتوسط.
أما أسلوب الناصري على العموم فيقتبس بقدر من أسلوب ابن خلدون الذي يحق أن يعتبر فذا في بابه، وهو يرقى حتى عن أسلوب عامة الأدباء. ومن اقتباسات الناصري قوله: « لم يزالوا يفتلون له الذروة والغارب حتى شرهت نفسه . ج8 ر 73» « سكنت الهيعة . ج 8 ر 74» « استجاش عليه . 82» «أغنى غناء جميلا . 96» الخ ...
على أنه يلجأ أحيانا واضطرارا إلى بعض الألفاظ العامية أو المستعملة في اللغات الأجنبية أصلا، لأنه لا يجد لها مقابلا في الفصحى، من ذلك مثلا قوله: «ورقة الباصبورط» « تبعهم العدو يرمي الكور والضوبلى من غير فترة ».
ومن عادته أن ينقل أحيانا نصا كاملا لرواية مؤرخ حول حادث تاريخي معين كنقوله عن محاضرات اليوسي والنزهة لليفرني وغيرهما. ولكنه قد يمر بأحداث مهمة جدا من غير أن يعطيها حقها من التفصيل، مثال ذلك:
1) بناء مكناسة لم يذكر أسبابه ولا نتائجه السياسية والاقتصادية.
2) الأثر العلمي والسياسي للزاوية الدلائية.
3) ثورة الجيلالي الركي وظروفها ومراحلها وما كان لها من آثار اجتماعية وسياسية، وما كان للانتصار الملكي عليها من آثار أيضا.
ولكن الناصري كما سلف، قد التفت إلى كثير من مسائل التاريخ فأشار إليها أحيانا بدقة وأحيانا إشارة خفيفة. وليس من شك في أن الناصري قد أعوزته معلومات كثيرة عن العصر العلوي بما في ذلك خفايا السياسة الدولية، كما كان يعالجها على الأقل المبعوثون الدبلوماسيون والأجانب الذين دونوا مذكراتهم عن أحداث المغرب. وهكذا نفتقد مثلا جملة من التفاصيل والملاحظات الدقيقة عن الاتفاقيات والمناورات الدولية لاحتلال المغرب أو التدخل في شؤونه، ولكن لا يخلو الكتاب في هذا الموضوع من إشارات هنا وهناك لا تغني في كثير المستكشف لوجهة النظر المغربية وطريقة علاجها من قبل الدولة وخبرائها.
 وفي كل ما أدلى به الناصري من معلومات كان يتحرى الصدق وينسب القول إلى قائله والخبر إلى روايه، حتى أن ما يقارب ثلثي المجلد الخاص بالدولة العلوية يعترف بأنه استقى معظمه من كتاب الجيش العرمرم لأكنوس: « واعلم أن هذه الأخبار التي سردناها من أول هذه الدولة العلوية السعيدة إلى هنا تبعنا في جلها أكنسوس، وقد ساقها رحمه الله مجردة عن التاريخ الذي هو المقصود بالذات من الفن. ونحن لما لم نعثر في الوقت على ما يحقق لنا تواريخها، رتبناها بحسب ما أدى إليه الفكر والروية، وأثبتناها لئلا تذهب فائدتها بالكلية الخ ...
 هكذا يشكل كتاب الاستقصا ونزهة الحادي والجيش العرموم والإتحاف للمرحوم ابن زيدان مجموعة متكاملة من المراجع العربية عن العصر العلوي، والتي أغنت التاريخ المغربي السياسي على الأخص بمعلومات وافرة. وليس من شك في أن هذه الحقبة حظيت بالعديد من الدراسات والتراجم والوثائق بالعربية والفرنسية والإنجليزية ولغات أخرى، وفي الواقع لا تزال جوانب كثيرة من الفترة المذكورة بحاجة إلى استقصاء وتركيز، وبالتالي أصبحت الدراسات التاريخية الحديثة تتطلبها.
 
                                                                  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here