islamaumaroc

ملامح عن المغرب العربي وقيام الدولة العلوية -1-

  دعوة الحق

135 العدد

 عرفت أقطار المغرب العربي في النصف الثاني من القرن الهجري الحادي عشر (القرن 17 للميلاد) بداية عهد من الاستقرار السياسي والتنظيم الاجتماعي، بعد فترات الاضطراب غير القصيرة التي عاشها تبعا لتطور الأحداث الداخلية والخارجية، ففي المغرب الأقصى تمركزت الدولة العلوية بعد أن قضت على أمراء الزوايا معيدة بذلك للبلاد الوحدة المفتقدة طوال عقود من السنين، وفي الأقطار الشقيقة تأقلمت السلطات التركية المستقرة فيها، فقامت دول محلية لم يعد لها كبير علاقة بالباب العالي.

في ليبيا:
بعد أن قضت البلاد الليبية زهاء قرن تحت السيطرة العثمانية أخذت تظهر فيها بوادر التبرم من هذه التبعية، وكان من بين الناقمين على الوضع عدد من الأتراك الذين تجري في شرايينهم الدماء التركية ـ الليبية، فأخذوا يتجاهلون سلطة إسطمبول البعيدة عنهم ويعملون جاهدين على التخلص منها. وساعد على تفكك عرى الاتصال:
 (1ضعف العثمانيين أنفسهم، فقد تعاقب على كرسي الخلافة في القرن 17 عشرة من السلاطين لم يدم بعضهم في الملك إلا بضع سنوات أو بضعة أشهر (مثلا مصطفى خان الأول 1617 عزل بعد 3 أشهر ثم أعيد سنة 1622 ليحكم 16 شهرا) وحتى السلاطين الذين طالت مدة حكمهم كأحمد خان الأول ـ 14 سنة ـ ( 1603ـ1617)ومراد خان الرابع ـ 16  سنة (1623  ـ 1638) ومحمد خان الرابع ـ 41 سنة ـ (1648 ـ 1688)لم تكن لهم كفاية خلفاء القرنين السابقين ولا حماسهم، ولم يقوموا بعمل إيجابي حاسم في الداخل أو الخارج لوقف تيار الانحلال الذي أخذ يجرف على مهل الامبراطورية العثمانية إلى الاضطراب والعجز والتفكك.
(2 استغناء ولاة ليبيا واستخدامهم قوات برية وبحرية كافية لتثبيت نفوذهم في الداخل ومدافعة مناوئيهم من الخارج، بالإضافة إلى العادات التي اكتسبها الجند ورؤساؤه ـ مع تعاقب الأجيال ـ بتنفيذ أوامر الوالي المحلي واعتباره المصدر الوحيد للسلطة في البلاد، أو بالتشغيب والتصرف حسبما تقتضيه الظروف والأهواء عندما تنتقل السلطة إلى يد حاكم عاجز.
وقد اكتسبت ليبيا أهميتها في هذا العصر بسبب عاملين أحدهما قديم وهو موقعها الستراتيجي على طرق تجارية بحرية وبرية. فمن طرابلس يذهب طريق بحري قصير إلى أوربا مارا بجزيرتي مالقة وصقلية. وتتفرع منها ثلاث طرق برية للقوافل الصحراوية تتجه أولا جنوبا عبر واحة قزان إلى بحيرة تشاد، والثانية تتجه إلى الجنوب الغربي لتصل إلى تمبكتو، والثالثة إلى الجنوب الشرقي لتفضي إلى السودان.
هذا الملتقى الهام جعل من ليبيا وعاصمتها طرابلس مركزا تجاريا هاما يتلقى ذهب السودان ورقيقه ويمد أوربا بما تحتاج منه لينقل كذلك المصنوعات الأوربية إلى داخل إفريقيا.
والعامل الثاني حديث وهو تكاثر أسطول الجهاد أو القرنصة، خصوصا وأن ليبيا يمتد ساحلها البحري على مسافة حوالي ألف ميل من خليج السلوم بالحدود المصرية إلى قرب جزيرة جربة جنوبي تونس. وقد تفاقم أمر القرنصة الليبية في القرن 17 وأصبحت سيفا مصلتا على السفن التجارية الأوربية وبخاصة الإسبانية والإنجليزية. فكم من قوافل بحرية اعترضها قراصنة ليبيا واستولوا على بضائعها ورجالها فاسترقوهم وبلعوهم في أسواق النخاسة المشهورة بطرابلس. فكانت الثروات التي يحصل عليها الأسطول القرصي خيالية تفوق في الترف والبذخ كل من الولاة وأعوانهم ورجال الحرية والوسطاء من التجار.
ومن أهم ولاة هذه الفترة محمد باشا الساكزلي(1042 ـ 1059 / 1632 ـ 1649) وهو رومي الأصل، أسلم وخدم في أسطول الجزائر قبل أن يلتحق بطرابلس ويتولى قيادة قواتها البحرية، وقد اقره السلطان مراد خان الرابع وبعث إليه بالفرمان "فنهض بأعباء لأيالة وبعث العمال وبسط في الناس العدل ودانت له القاصبة" ـ تاريخ النائب الأنصاري ـ ولم يشتك الناس في عهده إلا من الضرائب التي فرضها على أشجار الزيتون والنخيل والرسوم الجمركية على البضائع المستوردة والمصدرة، فكثرت مداخيله ونظم الجيش البري ونشر الأمن في البلاد وقضى على الثوار المستبدين بالأطراف ولاسيما حكام فزان. حاربهم مرارا وأرغمهم على الفرار إلى السودان، وأخيرا تنازل الأمير محمد بن جهيم وطلب الدخول في الجماعة فاقره محمد باشا عاملا على إقليم فزان. وقد اختار الليبيون بعد ذلك عثمان باشا الساكزلي الذي ستطول ولايته زهاء ربع قرن (1059 ـ 1083 / 1649 ـ 1672) والذي سأتيه فرمان السلطان محمد خان الرابع بعد سنة من توليته وسيكتفي عثمان باشا بالغنائم البحرية والأعشار الاعتيادية فيبطل الضرائب والرسوم الجمركية التي كان فرضها سلفه، ويرتب للقضاء أجورا بدلا من المبالغ التي كانوا يتقاضونها بنسبة معينة من التركات.ويؤسس مسجدا ومدرسة للعلوم يوقف عليها أوقافا جمة للإنفاق على الطلبة. وبلغ عدد الأساطيل الجهادية في عهده 24 على درجة كبيرة من الإتقان والسلح، كانت لها الهيمنة المطلقة في الحوض الغربي للبحر المتوسط. وفي أواخر عهد عثمان باشا اشتد حرصه على الدنيا أخذ يتبع طرقا شاذة لاكتناز الأموال فيفرض على التجار شراء البضائع المغنومة بأثمان غالية نجعل صفقاتهم خاسرة، ويلزم الناس بأداء ضرائب مرتفعة. ساعيا بذلك إلى حتفه بظلفه. وسيختار الليبيون بدله محمد باشا شايب العين 1098 ـ 1112 /1687 ـ 1700) ويقره السلطان محمد خان الرابع فيتصرف إلى إعادة الأمن إلى نصابه والضرب على أيدي الباغين من العمال قبل أن ينظر في المصالح العمرانية فيشيد المسجد الكبير بطرابلس وسوق الترك المتصلة به ويستصلح الأسوار والحصون والقلاع ويعيد تنظيم الجيش في البر والبحر، فتعود الغنائم تترى على مرسى طرابلس.
ورغم الحزم الذي أبداه محمد باشا طوال حكمه والكفاية السياسية والحربية التي كانت له فقد اختلف عليه الجند في النهاية وأسروه ثم أمنوه على أن يغادر طرابلس فسار إلى القسطنطينية معزولا، وسيكون طرد الوالي بهذه الصفة إلى القسطنطينية بالذات وانعدام أي رد فعل من الباب العالي بداية النهاية لانفصال ليبيا التام عن سلطة الخلافة العثمانية، فقد أسفرت ثورة على القرماتلي عام 1123/1711 ، التي ساندها كل من أقربائه الكولوغيين والأهالي الليبيين عن تأسيس الدولة القرمالية التي ستحكم البلاد الليبية طوال 125 سنة.

في تونس:
بعد الطاعون الجارف (وباء بوريشة) الذي اجتاح تونس في أوائل القرن الهجري الحادي عشر (القرن 17 للميلاد) حتى اقفرت البلاد وخلت المدن والقرى، جاءت الجالية الأندلسية الكبرى على إثر قرار الطرد النهائي الذي اتخذه في حقهم فيليب الثالث (1016 ـ 1018 /1607 ـ1609)، فأحسن عثمان داي وفادتهم وحث التونسيين على إكرامهم، وأقطعهم ما اختاروا من الأراضي ـ وكان أكثرها خاليا على إثر الوباء الأخير ـ فجدد الأندلسيون معالم العاصمة وبنوا فيها حيهم المعروف (بحومة الأندلس) وجامعها الكبير وشيدوا المدرسة الأندلسية قرب ضريح سيدي يونس، وأخذ علماؤهم يشتغلون فيها التدريس، ومنهم الشيخ شعبان الأندلسي الذي تخرج على يده كثير من الفقهاء التونسيين والاندلسيين. وأسس الأندلسيون مدنا جديدة عمروها، منها سليمان، وبلي، ونيانو وقرنبالية، والجديدة وزغوان، وقرسيش الواد، ومجاز الباب، وتستور، والسلوقية، والعالية.. وقد شجع الأندلسيون ما لاقوه من التونسيين وحاكمهم فراحوا يعملون بنشاط في مختلف الميادين الزراعية والصناعية والتجارية والبحرية، وقد مهدوا طرقا بين المدن لمرور العربات (عجلات الكريطة)  التي أخذوا يصنعونها ويستعملونها في تنقلاتهم، وشجعهم عثمان داي على الاشتغال بصناعة (الشاشية) التي كانت تصدر إلى بلدان كثيرة، ونظم شيخ الأندلس في جملة الأعيان بالديوان، ولم يمض وقت قصير حتى اندمج هذا العنصر النشيط في الحياة العامة وعوض البلاد ما فقدته من رجال وأموال في نكباتها السابقة.
وقد خلف عثمان داي صهره يوسف داي (1019 ـ 1047 / 1610 ـ 1637) وكان مثله حزما وعزما بالإضافة إلى مزيد من التمسك بالدين حتى وصفوه بالولاية وقضى عهده الطويل في الحكم في تشييد المعالم العمرانية ذات الصبغة الاجتماعية فأسس الجامع اليوسفي سنة 1021 / 1612 ، والمدرسة اليوسفية وما حولهما من الأسواق انتدب علماء للتدريس فيهما ورتب لهم أجورا وللطلبة أرزاقا تساعدهم على الدراسة، وبنى القناطر والثكنات للجند والحصن العظيم في بنزرت وحصونا بغيرها. وسعى إلى تكثير عدد الجنود والزيادة في أرزاقهم عندما تحسنت الجباية بالضرائب والمغانم، واسترجع جزيرة جربة من يد الطرابلسيين وبذلك استقرت الحدود الجنوبية لتونس، ودافع حاكم الجزائر الذي كان يتوسع في الحدود الغربية.
وقد اختار يوسف داي لقيادة جيوشه رجلا شجاعا حازما كورسيكي الأصل، أسلم صغيرا ونشأ نشأة عسكرية، هو مراد باي، فأظهر من الحزم والشجاعة ما حببه إلى قلوب الجميع وكان الشخصية الثانية في البلاد بعد يوسف داي، ثم وافاه من الخليفة العثماني مرسوم تعيينه باشا تونس فتنازل عن رئاسة الجيش لابنه حمودة، ولم تطل مدة قيامه بالباشوية إذ توفي سنة 1041 /1631 وقد تجمعت في يد حمودة باي كل السلطات إذ كان المشرف على الجيش وجباية المال زيادة على القيام بأعباء الباشوية التي كانت لأبيه، ثم ازداد نفوذه بعد وفاة يوسف داي سنة 1047 /1637 ، ولم يعد للدايات معه نفوذ وأصبحوا من جملة مساعديه بالرغم من الثورات والمكائد التي دبرها بعضهم، ثم أتاه سنة 1068 / 1658 مرسوم للخليفة يثبته في الولاية ويخاطبه بالباشا بن الباشا. فوزع حمودة المناصب العليا على أولاده جاعلا قيادة الجيش لأكبرهم مراد باي، وولاية القيروان وسوسة والمنستير وصفاقس لمحمد الحفصي، وولاية باجة لحسن باي فاستكمل مظاهر الملك وجعل الحكم وراثيا في بنيه. وبذلك تأسست الدولة المرادية بتونس 1047 ـ 1114 /  1637 ـ1702 ).
عرفت تونس في أيام حمودة باي التي طالت زهاء 30 سنة عهدا متميزا بالاستقرار والرخاء حيث ثم انصهار الجالية الأندلسية النازحة وانتشرت صناعاتهم وعاداتهم وثقافتهم في أرجاء البلاد وتكاثر عدد العلماء والطلبة في المدارس والمساجد، وانتشر العمران بإقبال الناس على البناء والغراسة في الحواضر والبوادي، وأنشأ حمودة باشا عددا من المرافق العمومية كالجامع المعروف باسمه في العاصمة، ومارستان المرضى بحومة العزافين، والمباني الضخمة لتوزيع شبكة المياه في كثير من المدن، إلى تشجيعه العلماء ووقفه العقارات الكثيرة لمصالح عامة مختلفة.
وقد خلف مراد باي أباه حمودة في الحكم (1076 ـ 1086 /1666 ـ 1675 ) بتقديم منه، وكان مثله شجاعا وضبطا للأمور وضربا على أيدي العمال المستبدين، وقد سار في الضغط على الدايات والحد من سلطتهم أكثر مما سار أبوه، فسجن بعضهم وعزل البعض حتى رضخوا لسلطته وصرف عنايته لجيش الانكشارية وحمله على الطاعة والامتثال وقضى نهائيا على فرقة كانت تسكن فندقا غربي جامع الزيتونة وهدم الفندق وبني مكانه المدرسة المرادية وله غير ذلك آثار عمرانية في مختلف أنحاء البلاد التونسية كقنطرة مجاز الباب وجامع مدينة قابس، وقنطرة التلة في طريق القيروان وغيرها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here