islamaumaroc

وقافلة الأمة تسير

  دعوة الحق

135 العدد

 ذكروا أن الحسن البصري – رضي الله عنه – لاحظ من فتى في مجالسه دائم الصمت، فأراد أن يختبر دخيله أمره، فالتفت إليه ذات يوم وقال له: «يا فتى، لقد ذهب القوم على افراس وتركونا على حمر دبرة» .. فرد عليه الفتى بقوله : « ما أسرع لحوقنا بهم إن كنا على الطريق ..!». هذه عظة صوفية تساق تحريضا على مواصلة العمل، وهي مما يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: « أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وكثيرا ما كان الأوربيون عندما يتحدثون عن النهضة والتقدم يقولون: إنها خطوات وليدة ولكنها راسخة متجهة نحو القصد والغرض.
 لكن غضارة الشباب، والطموح إلى العلى، وتأجج الحماس الوطني كل أولئك يحمل الناشئين على الرغبة في زيادة السرعة زيادة لا تحدها حدود، ذاهلين عن القوانين الصارمة، التي علمنا الله إياها في خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتقدير أقواتها في أربعة أيام، والزمان عامل من عوامل البناء، وعنصر أساسي في التطور والانتقال، ولو طلبنا من مقاول ماهر يملك سائر أدوات التسخير، أن يبني لنا دارا كبيرة في أسبوع واحد، وعرضنا عليه مقابل ذلك عشرة أضعاف ثمن البناية، لاعتذر بأن القدرة لا تتعلق بالمحال. وواجبنا جميعا أن نقف برهة وجيزة بعد كل فترة زمانية، لننظر ما خلفاه وراء ظهورنا من مراحل قطعناها، ثم ننظر أمامنا لنعرف أننا في منتصف الطريق. قطعنا منها حصة وأمامنا أماد لا نهاية لها، ليكون سيرنا مفهم ما فيه انه سير أبدي لا راحة معه، ولذلك فإنه لن يكون سيرا لا يبقي ظهرا، لأنه لن يقطع مسافات أرضية، ذلك لآن الطاقات لها حد محدود، والمهم هو مواصلة السعي. والسير في طريق التقدم إنما له حدان لا وسط بينهما : فإما سير إلى الأمام، وإما تقهقر إلى الوراء. وليس هناك وقوف، لا تقدم فيه ولا تأخر.
 وعند تفكيرنا في السير علينا أن نعتد بقانون المد والجزر، وبعد العمليتين نقيس الفرق بين المد والجزر، فما كان الفرق، فإنه إن كان موجبا فهو ربح. وإن كان سابلا فهو نقصان وخسارة. لكن الشبان يحتجون بأن الملام يتجه على أن في وسعنا أن نسرع أكثر دون جهد ثم نقصر إلى حد يكاد يقرب من الإهمال.
 هذه في عمومها قوانين السير، في ظاهرها، والعبرة إنما بالفكرة التي نحملها في أدمغتنا، ونقدرها في أفكارنا: ومن الآفات التي تصيب السالكين من الصوفية، الاطمئنان إلى مقام من مقامات السير. فهذه هي النكبة التي يصعب علاجها. وفي مجتمعنا يحصل نفس الشيء في بعض الحالات، فبينما الآمة في جمهورها تتكبد الشظف والتقشف وبذل كل الجهود للوصول إلى غاية يسعد فيها جميع أفراد الأمة، إذا بالمبكرين الذين وقفوا على بواكر معركة التجنيد التي كرست لها الأمة المغربية سائر طاقاتها المالية، والبشرية، والفكرية، والروحية، فغالوا في الركون إلى ظاهرة الترف، ظاهرة هي فجر كاذب وليست بفجر صادق، لأنها في حدود ضيقة، في حين أن الرفاهية الصحيحة الصادقة هي التي يرقع فيها الشعب كله، في مستوى مريح من الحياة الشريفة، ووضعية العالم السعيد، إما رجال لمسو بوادر النتائج الأولى للمجهود الجماعي، فجروا ناره إلى قربهم، وقالوا أموالنا نفعل فيها ما نشاء، متناسيين قصة قارون الذي امتحن مال الأمة وقال أوتيته على علم من عندي. وكان الفرق شاسعا بين قارون وبين أفراد أمته حتى قالوا « يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون انه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقاها إلا الصابرون، فخسفنا به وبداره الأرض».
 إن المغرب في حاجة إلى توعية ومفتقر إلى ابتهاج أساليب الذين عرفوا كيف يتملصون من نشوة الحصول على الثمرات الأولى لجهود الجماهير. ولقد كان من الأسباب التي ساعدت على تكامل نشأة « الولايات المتحدة الأمريكية» أن النظريات الفلسفية في الاجتماع وفي الاقتصاد كانت رائجة شائعة،بحيث عرف الرأسماليون الكبار كيف ينقذون الموقف دون أن يجتروا شيئا إلا أنهم أحسنوا التصرف في توظيف أموالهم، فاستعملوها في المنشآت الكبار وإحياء المزارع الساشعة، وإقامة المعامل المفيدة، فأوجدوا العمل للأمة، وأحسنوا إلى الأيدي العاملة، ولم يأنف الرأسمالي الكبير أن يشترك في العمل مع العامل البسيط والفلاح الصغير، دون أن يعتصموا بالقصور المشيدة والصروح الممردة، والمراكب الفارهة، بل نزلوا إلى معترك الحياة لم يغادروه، ولم يجعلوا لنفسهم أبراجا عاجية تجعل من أبناء جلدتهم من يقول « يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون أنه لذو حظ عظيم»، وبنوا من أموالهم المدارس والملاجئ، ودرس أبناؤهم جنبا إلى جنب مع أبناء الصانعين والمباشرين للأشغال الشاقة.
 إن المغرب يجتاز معركته الحاسمة في سبيل الخلاص من التخلف والتبعية الثقافية والاقتصادية، قصد خروجه من العبودية التي فرضها على نفسهم اللامبالون، وانكب فيها على وجوههم الذين استعجلوا طيباتهم، وحسبوا أنهم سوف يتمتعون بالرفاهية وحدهم وسط شعب يتصبب عرقا وينزف دما للحصول على أقل من كفاف العيش، ونسوا أن الاستمتاع البشري إنما يصح وسط أمة كلها تعيش في مستوى من مستويات الرفاهية، ليبقى للناجحين الكبار أعلى مستويات، في حين يشغل أفراد الناس المستويات الثانوية الأخرى. أما حرمان كامل من جهة، ورفاه إلى حد التخم من جهة ثانية فظاهرة القرض جيلها، وإنما لها فلول في وسط هذا العالم الشرقي الذي كان انحطاطه ثمرة لقارونية تضع الخيرات كلها في يد حفنة ممن الناس، بينما تبقى الجماهير في بؤس ما عليه من مزيد. ولعل من حسن نظر المترفين الجدد، والذين فتحت لهم بركات الأرض ببركة الاستقلال وتكافؤ الفرص، لعل من الأفضل لهم أن يوظفوا أموالهم في مؤسسات تعمل فيها الأيدي العاملة، ثم لا يستنكفون أن يركبوا الجرار للحرث، ولا أن يقضوا بين زبر حديد المعامل الأيام والليالي، حتى يراهم العامل الصغير يكدحون كما يكدح، ويتأملون كما يتألم، ويشهدون مبلغ عناء العمل بنفسهم، ليشفقوا على العاملين، ويعملوا على التوسعة عليهم في احتياجاتهم الخاصة والعامة. وبهذا نبني أمة موحدة متماسكة، على أي أسس أردناه دون ما حاجة تدفع البؤساء إلى الارتماء في الأحضان الهدامة للدين والدنيا، ودون ما حاجة إلى خلق طبقات متباغضة من أمة واحدة. وليضيرنا النظام الديمقراطي أو الرأسمالي في شيء، فإن الله الذي فضل بعضنا على بعض في الرزق، طلب منا أن نقتل روح التباغض عن طريق البذل في سبيل الخير، والنزول إلى مشاركة العامل في العمل، وسواء كان المال في الأبناك والمصارف، أم كان تحت تصرف الرأسماليين الكبار، ما دامت الأموال تصرف وتستعمل في مصالح الأمة، ويستفيد منها العاملون من أبنائها. وان الإسلام الذي احترم أموال الناس، طلب من أصحاب الأموال أن ينفقوها في وجوه الخير. وإن مما يفسد الحريات ويذهب ببهجتها أن تستغل الاستغلال الشنيع. وما أحسن حالنا حينما نتمسك بنظامنا الإسلامي في استمرار التمتع بالملكيات الخاصة، ثم نجعل ذلك في سبيل ما ينفع الأمة، دون أن نعطي منها إلا ما توجبه الفرائض الدينية والاجتماعية.
 لعل القارئ يفكر في علاقة هذه المقدمة بالموضوع التي تساق إليه هذه الكلمة، وقد يسهل عليه الربط بين الأمرين لو كان سبق له أن فكر في طريقة تنظيف الأفكار من الطفيليات النفسية حينما علم قاعدة التخلية قبل التحلية، وحينما يوقن بأن الحقوق في مستوى واحد مع الواجبات سيما وقد ـخذ المغرب في يقظة شاملة، وتحفز لحياة مجيدة ومستقبل باسم، ظهرت بوادرها في هذه النهضة الجدية الحازمة، نهضة لا يحفظها ويديمها إلا سلوك صحيح في سائر الميادين، ولن يحل لأحد أن يرى ثغرة سهلة التدارك تعبث بهذا البناء الشامخ الذي يبنيه المغرب بنفسه ولنفسه، تحت قيادة حكيمة لجلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني، سيما ونحن نشهد أننا واقفون أمام صخرة عالية يجب أن ننحيها من طريق خلاصنا الوحيد. هذه الصخرة هي الموانع التي تصرفنا عن وحدة كاملة في الاتجاه والعمل والتفكير، فالمغاربة أحوج ما كانوا قط إلى أن يضعوا نصب أعينهم عهدهم الزاهر، وعصرهم الذهبي الآتي في وقت قريب، بفضل الله الذي فتح بصائر الراعي والرعية سلوك أفضل مسالك سلكته أمة سابقة فوقف بها حيث هي اليوم من العظمة والمجد، مع فارق كبير، في عمل الأمس وعمل اليوم والغد: فبالأمس كانت العواصم هي الآخذة بزمام القيادة، والأمة من روائها تشكل في أطراف البلاد وبواديها صدى الأصوات التي تدوى في العواصم، أما اليوم فأحرى الغد – فإن البلاد كلها في مستوى واحد، تشكل طبقة واحدة من الشعور، وربما كانت الأطراف أحسن تلقيا من القلب الذي كان ينبض وحده فه البدن : فأي حق  من الحقوق، لا بد أن يتمتع به القاصي كما يتمتع به القريب. وقد أجاد أمير المؤمنين نصره الله حين عبر عن ذلك في قول من أقواله الرائعة : لم يبق هاهنا مغرب نافع ومغرب همل، وإنما هم مغرب واحد كله نافع. فالبلاد كلها متجندة لفائدة نفسها، فيجب أن تبني فلسفتها على فكرة الواحد للجماعة والجماعة للواحد. ولن أكون مبالغا حينما أسجل على نفسي أنني في هذه الساعة التي أخط فيها هذه الأحرف وألق كل الوثوق من أن عملي هذا تتحمل معي أمتي كلها كل ما له وما عليه. وأنا خلية واحدة من مجموع أربعة عشر مليون خلية. فهو عدد قليل قد يصل عدد خلايا عضو واحد في البدن أضعاف هذا العدد، ومع ذلك فإن لكل خلية أثرها ومفعولها، ولمجموع نشاطات هذه الوحدات متجمعة تتكون الحياة العامة والنشاط البدني المركزي.
وإنما اثقنت النحل شهدها، وجمعت أخواتها، أهازيجها وأناشيدها، واستنشقت عبير الأزاهير، وشربت الرحيق السلسبيل، لأنها آمنة في نظامها الاجتماعي من الانهيار والفوضى فللخلية يعسوبها القائم بمهمته الأساسية في الخلق والإبداع. وجميع العاملات يدبرن ما يقدمه لها يعسوبها، من الأجيال المقبلة، ليحضنه وتشفق عليه حتى تصبح أمة النحل آمنة من الأحداث والطوارئ. وما يجنيه خباة النحل من العسل إنما هو فضل زائد على الضروري، قدمته هذه الأمة الكادحة المرحة للخلق هدية فاضلة عن مجهودها، لنقيم للناس الحجة على أن الأمة الواحدة إذا جمعت أمرها على البناء والإنتاج، فإنها ستنتج أكثر مما تتوقف عليه فتقدمه لنفع المتخلفين المترددين.
 من الحرام ومن أخبث الموبقات التاريخية أن نترك مراكزنا في ورشات أعمالنا، لنقوم بدور المهرجين المتسكعين، الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وشر من ذلك أن يكون في وسعنا إنقاذ إنسان من البطالة ثم لا تقدم له العون اللازم ليؤدي واجبه الاجتماعي في أمة رضي عنها التاريخ وحطمت السعادة بساحتها، وأول بشائر السعادة الاستقلال والحرية، وإنما هما بشيرا خير فقط، أما الخير فهو يكافؤ الفرص الذي جنيناه من طرد الأجنبي، ولن يحول بيننا وبين السعادة إلا شيطان ينبعث من أعماق صدرنا فيقودنا إلى الهاوية، ويحملنا على الرجوع القهقري، فنعود إلى شقائنا الذي اقترفناه بسوء ظن بعضنا في البعض.
إن رياح السياسة تجري رخاء في صالحنا، وقد أدركت الأمم التامة النضوج أن سعادتها لن تتم إلا بإسعاد الشعوب المتأخرة. وبدلا . وبدلا من أن يكون الاقتصاد قاعدة القواعد في الاجتماع البشري – حسبما تراه الماركسية – فإن التكوين الثقافي هو الذي سيكون له القول الفصل في رأي جامعة الأمم حسبما عبرت عنه منظمة « اليونسكو ». وطالما اعتركت النظريات الفلسفية في الركن الذي يسمى قاعدة القواعد، فيجعل هو العماد ويؤزر بالمقومات الاجتماعية البشرية الأخرى. وكانت لنظرية النفعية صولة مؤقتة، أوقدت الفتن، وأثارت الأحقاد، وأصبح الفرد يفهم أن يعمل
لسعادته بالطريقة الابيفورية، وكل من وقف في وجهه كان عليه أن يحطمه، ودخل القوم في جدل « دياليكتن» وارتكم بعضه على بعض وكانت النتائج حربين عالميتين خلفنا الأحقاد والخراب ولعقد النفسية.
 ونرى الرأي العالمي الآن يحسب للمدرسة حسابها، ويضع قضية التعليم في المكانة التي تخلف لنا المسيرين لشؤننا في جلباتها وحقيرها، ويحل التعليم السلوكي الفكري والعملي محل الدامغ من الجسد والعقل من النفس. وسمعنا كلمة « اليونسكو» في ميدان العمل تلقى بين كبار الساسة، وكانت هذه الصيحة وأمثالها إنما تشغل بطون الدفاتر ويحملها في أفكارهم رجال كانوا يحسبون قبل خمسين سنة أنصاف مجانين (فلاسفة) فتقرر هذه المنظمة ذات الشأن فيما تقرره : رفع مستوى التعليم، وديمقراطيته، وأن يكون العلم سلسلة واحدة في حياة المتعلم، بحيث تضمن له الدول دوام العمل لا يقطعه أي قانون إداري، ولا يفصمه عجز ولا تقاعد، فالتعلم مهنة دائمة بدوام صاحبها وعلى كاهل الأمة والدولة الاحتفاظ للمتعلم بحاجاته ما دام على قيد الحياة. ولا تكتفي اليونسكو بعبارة ديمقراطية التعليم، التي تضمن سكان المدن والقرى، بل تنص رفعا لكل شرح منحرف محتمل- على وجوب العم لتنمية البادية، بحيث تصبح القرية والمدينة من حيث المرافق والتجهيز والحقوق والواجبات والتصنيع في مرتبة واحدة مع البادية.
 ومعنى هذا أن الدول عليها أن تعمل من الآن إلى ما لا نهاية له على أدراج الأمة كلها في سلك التعليم بكل شعبه العلمية، والفنية، والتقنية، والصناعية. والفلسفية، فتصبح الأمة كلها تشغل طبقة واحدة هي طبقة المواطن الصالح الكفء المتعلم. وواضح ما تتطلبه المدينة الفاضلة من مجهود بشري ومالي لإيجاد قوانين تنسق بين مختلف المشاعر، وتباين الأهواء. وأن رجل الدولة سيصبح قيمة الحكيم المنسق بين هذه الجهود كلها في عالم صاف كالمرآة الصقيلة، لا يتساهل في مثقال ذرة. وهذه سوف تكون المعركة التي تقضي على الإنسان الوحشي الذي كان ولا يزال بلغ دماء الضعفاء، مستعينا ببعضهم على إبادة البعض، ويومئذ يفرح المنون بنصر الله، يفرحون بذلك، لأنه يجعل لأمير المؤمنين من الصولة والمكانة مثل ما كان للخلفاء الراشدين، الذين جعلوا مصلحة الأمة مصلحتهم، وراحتها راحتهم، ورفاهيتها رفاهيتهم.
 هذه أحلام متوقعة، وهي تحتاج لمعبر لها يقرب من المستوى اليوسفي، الذي كذب بعلمه وحسن تعبيره المتسرعين بحكمهم حين قالوا أضغات أحلام وما نحن بعالمين، وكان قولهم حجة عليهم لا لهم، فلو أنهم اكتفوا بقولهم : ما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، لكانوا علماء مجيبين بلا أدري وهي نصف العلم- لأنها تدل على التربية العلمية التي لا تستنكف الاعتراف بالجهل حين لا يكون لهم بما سئلوا عنه علم- لكنهم يبقوا الأحداث، فقالوا أضغات أحلام، وهذا حكم، لكنهم أدركوا أنه قول لا يستند على مستند، وإنما هو كلام ألقي على عواهنه فلما جاء يوسف الذي علمه الله تأويل الأحاديث، أنقذ الموقف، وكان بطل أحداث الشرق الأدنى، وكم أحيا الله به من نفس كانت هالكة لولا تقته بأن هذه الرؤيا إنذار مما وراء الطبيعة لأبناء الطبيعة، وفي الوسع التخفيف من حدة أزمة المسغبة إذا اتبعت الأساليب الحكيمة بعلم وحلم وحسن تدبير. فغن الكون كله حقائق ليس به من أحلام، وكيف يقال أنها أحلام وهي تأتي كقلق الصبح.
 إن المسلمين الذين لهم نفوس تستشف ما وراء أستار اليوم مما يتجلى في الغد يرجون إذا أفضل، وإذا كان العصر الأول لظهور الإسلام يمتاز بشدة الإيمان، فإن الغد سوف يعتمد العقل، وسوف ينظر العقل إلى الحق المحض، ولن ينهزم القرآن أمام العقل: لأن القرآن نور والعقل نور، فهو نور على نور. ومهما كانت الأحداث والظروف غير مواتية، والشرق العربي يعاني عنه التقطيع والبتر من أطرافه، فإن الرابح لن يكون هو الصهيونية بأحيالها واختلاسها وعدوانها، وسوء رأيها في الشعوب غير اليهودية. والرابح إنما هو العالم الإسلامي الوديع، الذي يحسن الظن بجميع الناس. فإن هذا التفتح الذي تفتحت به العقول سيجعلها تختار الحق والخير والجمال، بمعاييرها الصحيحة الثقيلة الوزن، وإذا كنا موقنين بإقبال عصر العلو والمعرفة، فيلزم أن نكون موقنين أيضا بأن العقل سوف يجد من الظروف المواتية ما ينظر به إلى الحقائق المجردة عن البهرجة والتضليل. وإننا واثقون أننا امة تحب الخير وتومن بمبدأ المحبة، وتغب في حياة هادئة عاملة صالحة.
هذه هي الأطر التي تتراءى لنا فيها سيرة أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني نصره الله بالمغرب بمناسبة اقتراب يوم ذكرى جلوسه على أريكة أسلافه والذي حباه الله همة قعساء، يصح أن نردد فيها كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله : فقد ذكر مؤرخوه أنه قبل الخلافة اشترى حلة بمائتي دينار فاستخشنها، فلما
جــاء الخـلافة أو كانت له قـدرا
                    كما أتـى ربـه موسى علـى قدره
عرضت عليه حلة بعشرة دراهم فاستغلاها. فقيل له في ذلك فقال : كنت طموحا قبل الخلافة، فلما جاءتني لم تملأ اتساع مطامحي، فعلمت أن الدنيا كلها ليست بشيء عند صاحب الهمة العالية، وإنما تنال رضاها في رضى الله وما أعده لعباده الصالحين.
ومن لدن تقلد مولانا الحسن الثاني شأن رعيته المغربية وهو يعمل على رفع مستواها لا يرتاع لما يراه من تدهور في مرافق الحياة، ولا يستهول رقة الدين عند الإنحرافيين، بل إن دراسته العميقة للأمة التي ديبر سكان سفينتها، متجها بها جهة بر السلامة في تجارة رابحة وسوق رائجة، جعلته هذه الدراسة متبصرا بعلل نفوسها، عارفا بحاجاتها، فتقدم- حين تقدم- إلى شؤون الملك وله مخطط يريد أن يطبقه بكل أمانة وإخلاص، واثقا بأن الله معه وأن النصر سيكون حليفه، كما كان الله معه وهو تحت أحضان والده المرحوم يكوم الله مولانا محمد الخامس رضي الله عنه أنه لم يلبس مسموح الرهبان، ولم يغير شيئا من عاداته الحسنة، بل هو أمير المومنين مثله يوم كان ولي العهد، ومثله كان فتيا وقبله كان صبيا، يعيش عيشة طبيعية لا صناعة فيها ولا تحذلق، وتوجب عليه مهمته كملك عظيم الشأن أن لا يبخس المهمة التمثيلية لامته حقها، ولقد عالج كبريات المسائل وحل كثيرا من المشاكل، ومن العقد ما يتوقف حلها على قطعها، كعقدة الإسكندرية، التي قصمها الاسكندر بسيفه عندما رأى أن القطع هو السبيل الوحيد لفسحها.
 ومن العسير جدا أن نطالب التاريخ بأن يتراجع القهقري، ونكتفي منه بأن يمكننا مما بقي في وسعه أن يناولنا إياه. وعندما رأينا مخطط العاهل يشتمل على بناء السدود بما يتطلبه من جوانب وامتداد ومرافق، بيد أن شاهدنا المعجزة تلو المعجزة تتحقق. وخامرنا الريب فيما عسى أن يقدمه المغرب الحر المستقل للأقاليم الجافة والصخرية وها نحن نشهد جوانب من أقاليم ورزازات وقصر السوق، وأكادير تتطاول، وعما قريب ستناكب الأقاليم الشمالية القديمة الإنتاج.وجاءت مسألة الحدود، وكانت كافية لقطع الأرحام، وحسبنا قضية توحيد المغرب العربي الكبير أمنية بعيدة التحقق، فها نحن نرى بوادر النجاح، ونشهد التقارب يزداد كل يوم استحكاما بين أجزاء امبراطورية يوسف ابن تاشفين وعبد المومن ابن علي وعبد الحق المريني، وهي في تقدم إلى أن تصبح وحدة معنوية ومادية بحيث لا تبقى الوحدة الإدارية إلا شكلا صوريا لا يقدم ولا يؤخر. وجاءت مسألة « موريطانيا» وكانت عقدة العقد؟ .. وكيف يتصور المغربي مواطن المرابطين تنسلخ عن المغرب الأقصى؟ لكن العاهل المغربي استطاع أن ينقلب من آصار الماضي، وكان واقعيا وعلميا، وقارن بين القطيعة التامة، وبين استبدال لقب الأخ بلقب الصديق، فآتر أخف الضريين، وصافحنا مواطنينا بشعار جيراننا، وظلت الحقائق هي الحقائق، وإن وقع تعديل في الألفاظ، وللضرورة أحكام.
إن عناصر الانحلال والضعف بدأت نشاطها عهد ازدهار امبراطورية مراكش، وأخذت تتصلب وتقوى حتى جاء انهيار الاستعمار وطمى السبل على الأخضر واليابس، ولما قيل يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ظهر البر بعد الفيضان في شبه أرخبيل تفصل المياه الطامية بين أجزائه، ثم لا يزال السيل في تراجع ولا تزال مجموعات الجزر الصغرى تتحول إلى جزر واسعة النطاق، ورغم ظما أقطار الشمال الإفريقي إلى عذب وحدة كاملة شاملة، فإن التسروي في الأقدام على كبريات المسائل يجعل تحققها منتجا غير هقيم. ولقد شاهدنا وحدة قامت في جهات من أفريقا والعالم العربي، وكان قيامها لم تسبق بتمهيد وسبر العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية. فإذا تلك الوحدات المحبوبة ترتطم بصخرات منتظرة ومنتظرة. والأمة العربية جسم واحد وشعور واحد، ويجب أن نعتبر جميعا ونتفادى الغلاط، إذ قبل الوحدة السياسية يجب ربط سائر المصالح بصور مؤتمرات ومعاهدات ولقاءات، ويؤخذ الأصلح فإن صلح على أساس أن يدرج في قائمة بناء الوحدة الكاملة، ولن يضيرنا في شيء أن تلتجيء إلى نظام اللا مركزية بصورة مكبرة واسعة، ونعد نفسنا نعيش في نظام ولايات متحدة، تربط بين أجزائها كل شيء ما عدا شيئا واحدا وهي نظام الحكم. وهذا أفضل ألف مرة من أم نتوحد في الحكم دون أن نتوحد فيما عداه.
 ومن هذا العرض الوجيز يتضح أن المغرب يجتاز أوقاتا صعبة وظروفا عصيبة، كسفينة في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. كن الله جعل لنا- فضلا منه وكرما- نورا يسعى بين أيدينا وبايماننا هو الثقة بالله في أنه مؤازرنا في معركة المصير السعيد، وإقبال معظم الأمة على ما ينفعها في عاجلها وآجلها.
 ورغ اختلاف نزعات الناس، والحاح نزغات شياطين الجن والإنس، فإن العشب المغربي أبره على قوته النفسية بمحافظته حتى في أحرج أوقات ضيق الاستعمار على رباط وحدتنا الأساسية وهو هذا العرش المجيد، الذي قادنا إلى انتصارات أيام الرخاء، وأخذ بعضنا أيام الشدة. وكان الناس يحسبون أن المرحوم سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ قد أساء صنعا بتوقيعه على معاهدة الحماية، حتى إذا مرت السنون سراعا اتضح أن هذه الوثيقة كانت نقطة انطلاق، ودرجة إلى الانعتاق. ورغم ما تكبده المجاهدون المغاربة الأبرار في سبيل استرجاع جريتهم واستقلالهم، فإن محنتهم كانت أيسر من محنة القطر الجزائري الشقيق، الذي بدأ معركته ثورة عارمة لا تعتمد إلا على الحق الطبيعي لكل مجتمع بشري في أن يقرر لنفسه المصير الذي يختاره ويرضاه. في حين وجد المغاربة نقطة انطلاق، فإذا بالجالس على العرش يلهمه التوفيق أن يقود بنفسه معركة الإنعتاق، فكافح مولانا محمد الخامس رضي الله عنه كفاحا بواه مكانة المناضل الأول والقائد الأعظم، فما قبضه الله إليه حتى رأى الثمرات الأولى لجهاده وجهدا شعبه، وكانت هذه الثمرات هي الحرية والاستقلال. والتاريخ يشهد أن هذه النتيجة الحتمية كبدت البلاد أهوالا يشيب لها الرضعاء. وصرح عدة مرات برأيه مرددا عبارة الحديث النبوي .. رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. ويمكن القول أيضا بأنه رجوع من الجهاد الذي له نهاية إلى جهاد ليست له نهاية، وهو جهاد الترقي في سلم الحضارة، والعمل على رفع مستوى البشرية إلى غاية إيجاد الإنسان الكامل.
 وفارق قائدنا الأكبر مولانا محمد الخامس رضي الله عنه هذا العالم والمغرب منهمك في حملة الترميم وإصلاح ما أفسده الاستعمار، وفي هذا الميدان اختاره الله سبحانه لجواره، فقام بالعبء الثقيل ولي عهده وورث سره أمير المومنين مولانا الحسن الثاني. ومن أول يوم، بل ومن لدن نعومة أظافره وهو يكافح ويعمل لرفع مستوى أمته .فلما
أتته الخلافة منقادة
           تجرجر حوله أذيالها
فلم تك تصلح إلا له
           ولم يك يصلح إلا لها
إذ ذاك أيقظ ليله، وجفا راحته، وقاد أمته في نضالها ضد التخلف. وفي كل مناسبة من ذكرياته العظيمة يقف المغرب يحاسب نفسه على ما قدمته من مجهود بقيادة عاهله الثاني مولانا الحسن الثاني. ووصف جلالته بالثاني يصح لمعنيين، أو هو من باب التورية، كما ذكر علم البيان : التورية إطلاق لفظ له معنيان قريب وبعيد، كل منهما يناسب السياق : لكن أبعدهما أعمق من أقربهما. فهو الثاني من ملوك العلويين في سلك من اسمه حسن. وهو ثاني ملوك الاستقلال : أولهما : مولانا محمد الخامس، وثانيهما مولانا الحسن الثاني.
ولو قلنا أن المغرب أنتج في عهد الحسن الثاني إلى الذكرى الحادية عشر لجلوسه على العرش – يعني عشرة أعوام – إذا قلنا أنه قد نجز في هذه الفترة أكثر مما أنتجه المغرب السابق في مائة سنة لما كنا مبالغين : وإذا كانت عوامل التقدم متعددة الجوانب، فإن للتخطيط والتدبر المرتبة الأولى في هذه المسيرة الزمنية المباركة. على أن المغرب كلما خاض لجج التقدمية والنمو ازداد قوة ونشاطا لمواصلة عمله الإنشائي الجبار. وقد لمست البلاد قول الشاعر :
وأعظـم ما يكون الشوق يوما
               إذا دنت الديـار مـن الديـار
وكلما أدرك المغاربة ثمرة مجهوداتهم ازدادوا شوقا إلى الاستنكار، وقوي رجاؤهم في أن يسايروا القافلة التي بدأت سيرها من لدن عدة قرون. وإن مما شجعهم على المضي من خطتهم الحازمة النشيطة أنهم اتصلوا بالعالم، وطويت لهم الدنيا يتبراون منها ما يشاؤون، وفتحت لهم أوربا أبواب الشغل والعمل، فاستفاد أبناء المغرب فائدتين : عاجلة وآجلة : فأما العاجلة فأجور العمل المرتفعة في مستوى العامل الأوربي .. وأما الآجلة فحصولهم على مهارات، وإطلاعهم على الأساليب التقنية في الغرب، ولاسيما في ألمانيا الاتحادية الغربية. وهكذا يسير المغرب قدما في سبيل الحضارة، ويرقى مراقي هامة في ميدان الترقي. وكل خطوة إلى الأمام تضاعف حسنتها إلى عشرة أمثالها : فالعمل في الخارج حسنة واحدة لعاملها، لكن الجزاء يكون عشر أمثالها : أجر صالح، وتعلم لغة حبة، ومشاهدة المجتمعات الراقية كيف يكون سلوكها، والتعرج على بلاد أخرى من بلاد الله، وتخفيف شدة الغرور، ومشاهدة مختلف النظم البشرية بصفة مطبقة، وكيف يحيى كل أمة طبقا لتقاليدها وتربيتها، ومعرفة أن الأوطان لا ترقي أبناءها، وإنما أبناء الوطن هم الذين ترقون به إلى حيث منزلتهم العلمية، ومعرفة قيمة الوطن الذي تعرفك أحجاره وبلاده وأنسيه، وفتح باب الذهن لتقبل جميع الحضارات وإفراغها في بوثقه أوضاع المجتمع المغربي الكريم. هذه وهذه خصال تنال من نقطة واحدة وهي العمل في الخارج. وأعظم من ذلك العمل في الدخل بإخلاص ونزاهة، ولحسن أثر المجهود المغربي في بناء وطنه.
 هذا هو سجل « أمير المومنين الحسن الثاني» نصره الله مكتوب بسجلات السدود، وسطور الواقي المتعرجة بين المزارع والحقول. وبمقدار ما يرتفع مستوى المعيشة المادية في ميادين الزراعة والتجارة والصناعة والتعمير، يرتفع المستوى الفكرية في هذه المدارس والمعاهد والثانويات المشتبكة في كل سهل وجبل من المغرب العزيز. ولم يبق البدوي ذلك الفلاح البسيط المحافظ على الأساليب العتيقة في عمارة محارته وتربية مواشيه، بل كثر فيه رجال آخذون في نقل الفلاحة من دائرة الحراثة إلى نطاق الصناعة التي تتدخل في النبات والحيوان فتقوى الإنتاج، وتسهل العمل، وتعالج الآفات والأضرار، وتغالب- عن طريق السقي- صعوبات القحط وقلة الأمطار.
إن المغربي يشعر بأنه غيره الأمس، ولم يبق بينه وبين ماضيه إلا الأواصر الكريمة الروحية، أما مصاعب الحياة ومشاكل الأعمال اليومية فقد نقصت إلى درجة يغبطها عليها السابقون، وإذا كان أمير المومنين مولاي الحسن بن محمد بن يوسف ثاني ملوك الاستقلال، فإنه أول ملوك الدستور، وأول محدث للبرلمان بالمغرب، وهو مجدد « أكادير» رواد « سيدي يفني» ومعيد عهد السكر المغربي، ومعيد بناء مزار مولاي إدريس، ومرمم قصور فاس ومراكش.
 في عديد من المآثر والتشييد، وهو أول من جعل من المغرب بلدا نافعا كله، وأبطل خرافة التفرقة بين مغرب نافع وغير نافع. وجلالة مولانا الحسن الثاني، أول ملك مغربي أوجد في المغرب محطة فضائية لإطلاق الأقمار الصناعية، وثاني ملك أوجد السكر المصفى بصورة واسعة النطاق. وبصورة عامة فإنه الملك الأول الذي أوجد كثيرا من الصناعات العصرية المعقدة في بلاد المغرب. وكل ما ينتجه المغرب من مجهودات وثروات أبنائه في هذه الفترة الهائلة من تاريخ المغرب وتاريخ العالم. وكما يمثل الدولة رئيسها في الواجبات فإنه يمثلها كذلك في الحقوق. وكما يمثل الجنود المجهولين جندي واحد مجهول، يمثل المعروفين رئيسهم الأول. وقديما قال الصوفية : إذا أراد الله أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك.
 إن المغرب ظل راكدا أكثر من أربعمائة سنة، كان خلالها يسير سيرا رتيبا مشابها، ا تختلف فيه فترة عن أخرى إلا بتغير أسماء الملوك والولاة والحكام. لكننا معشر المخضرمين- وقد عشنا أخريات عهد الاستقلال السافل إلى حضيض الحماية، ثم عشنا أيام الحماية وكنا نظن أنها غير منتهية لثقلها وشدة وطأتها على قوم ورثوا الحرية عن آباء كرام، فأحيانا الله حتى انقشعت ظلمات السيطرة الأجنبية، وتحرك العرض المغربي الراكد- قلنا معشر المخضرمين: إن الزمان تبدل، وتبدلت الأرض غير الأرض والناس غير الناس، وتغيرت المقاييس وأصبح المغرب مغربا جديدا بكل ما فيه حتى ساكنوه الذين يشكل الشبان الذين لا يتجاوزون الخامسة والعشرين من عمرهم أكثر من نصف سكانه، فيما يظن الحاسبون، وسوف تخرج من الظن إلى اليقين- بعون الله- بعد أن كتم الإحصائيات المدققة رسميا وعلميا. وحتى إذا لم توضع جداول للمقارنات بين الطرق الاجتماعية بين طرفي القرن الرابع عشر الهجري عن طريق التسجيل، فإنها في أذهاننا حية مائلة، وإذا كنا في باب المعادلات والمقارنات فإنها لن ترضى أحدا إلى غاية رضاه، ولن تسخطه إلى أقصى سخطه، لان العادة أن هذا الكون في أغلب أدواره، وسلوكه في القسم الأعظم من تصرفاته، يأخذ مثل ما يعطي، ويعطي مثل ما يأخذ « ولن تجد لسنة الله تبديلا». لكننا إذ كنا طيبي النفس عددنا المحاسن وأغفلنا المساويء، نغفلها ولا ننساها، ولكل مقام مقال. وإذا كنا مغاربة أقحاحا، فإن المثل الذي خلفه لنا التاريخ إرثا عن أسلافنا يقول « الفرح سبق القرح» وقال القائل :
خذ من زمـانك ما جـاد الزمـان به
                  ومن خبا بعـض ما يهـوى فقد سعدا
لقد خرجنا من نكبة الاستعمار كالخوارج من إطلال أرض خسف بها، كل شيء فيها مهشم محكم : فما كان لا يزال من نظمنا ناقصا فمن مخلفات الاستعمار، التي سوف يتغلب المغرب- إن شاء الله- على محوها حتى لا يبقى منها أثر ولا عين. لكنها- ونحن في طور الترميم والبناء، لا نزال نعمل لرفع الوزر الذي انقض ظهورنا. وقد يكون التعفن ينحدر مما قبل السيطرة الأجنبية على بلادنا، فهو لذلك وزر التاريخ لا وزر الاستعمار، ولذلك فإن واجب المؤرخ والأديب المغربيين أن يتتبعا الخبائث بتطوير بلاياها، وتشويه مظهرها، سواء كان المصاب بها آتيا من الاستعمار أو مما قبل الاستعمار. وحتى عهد الاستقلال- على ما له من حسنات- أتى بمنكرات كبرى يلزم الإجهار عليها قبل أن تعرق وتورق. وبالجملة فإن المغاربة في هذه الفترة المباركة من البناء والتشييد عليهم أن يحاسبوا أنفسهم حساب الصوفي، ويدققوا معها تدقيق العالم النفساني، الذي يضرب إلى الأعماق ليكتشف العقد قصد علاجها، وهل السرطان إلا عقدة جسدية تفتك بالبدن وشر من هذا الداء الوبيل سرطان الأفكار والسلوك المنحرف، وكما أوجد المغرب لنفسه كثيرا من مستشفيات الأبدان. وإن جهده في هذا القطاع مجهود جبار، ورغم ذلك فإنه لا يكفي لاحتياجات البلاد إلا في نسبة يجب أن ترتفع كثيرا لتبلغ المستوى المرجو. أما أمراض الفكر فإن أطباءها أعز من بيض الأنوف، إن لم يكونوا أعز من عنقاء مغرب ..؟ وكيف يصح لنا النهوض، وإنما ننهض بالبدن ولا ننهض بالروح الذي يحرك هذا الجسم ..؟ وكم تدهن المسلولة وجهها بالإصباغ والمساحيق، وتتغافل عن جنبتها وبين أضلعها رئتان مسلولتان، تسوقانها إلى البلاد أو تجرنها إلى القبر.
 إن في دراسة الميزانية العامة للدولة لعبرة للمعتبرين : وقد اعتنى العلم الحديث بالتوازن، وسجل أغلب متطلبات الأمة، وفتح باب التعديل بالزيادة والنقصان وتغيير الشكل- وبسائر وجوه جمع التكسير- حتى تكون الميزانية مستوعبة مرنة، يظهر من خلالها جدية تصرف الدولة واهتمامها بتتبع حاجات مجتمعنا. وإن الوقت الذي يصرف في تحضير الميزانية لوقت طويل، تعمل فيه سائر أجهزة الدلو، لأن الأمر يتعلق بتدبير معاشها سنة أو أكثر. وأن الاعتناء الذي يلقاه ويجسده إعداد الميزانية ليستحق التقدير والاحترام. لكنه على كل حال يتناول الحياة المادية وحدها، في حين أن الإنسان جسد ونفس، وعقل وروح. ولن تصلح أمة إلا إذا صلح ظاهرها وباطنها. وفي الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب (العاطفة) ولكي تكون حضارتنا حضارة متكاملة، فإنها لن تكون كذلك إلا إذا أعدت ميزانية للسلوك بنفس الجدية والجهود التي تبذل في تحضير الميزانية المادية. ويكاد حظ الفن يكون معدوما من أغلب ميزانيات الدنيا، وإذا وقع به اهتمام فمن درجة متأخرة.
 فا قدرنا الاستعداد لتحضير الميزانية، وإذا فرضنا صبغها بصبغة المرونة وفتح الباب أمام المتطلبات الجدية، فإن علينا أولا أن نضع اسما أعم، وليكن مثلا .. تخطيط متطلبات الأمة في سنتها المقبلة .. ثم نتناول الموضوع بحسب تنوع السلوك، ومتطلبات الأمة من أنواعه : سواء كان سلوكا اقتصاديا، أو تهذيبيا، أو توعية شاملة، أو آدابا اجتماعية، أو لهو بريئا، أو غير ذلك مما نشهد ضياعه والتفريط فيه مع أنه من مقومات كل أمة. ثم توزع التوجيهات إلى إنسانية وإلى إسلامية، حتى يعلم الإنحرافيون أن انحرافهم عن الدين لا يخلصهم من المتابعات الإنسانية، فغن شاء أن يكون مسلما فأمامه الآداب الإسلامية بصيغتها الموتية لها. وإن أعمى الله بصيرته وجفا دين آبائه وأجداده، فإنه مطالب بالسلوك الإنساني العام، وكثيرا ما يكون صارما في درجة الدين أو تقرب منها. وإننا لنشيد ونبني، وفي نفس الوقت نرى الانهيار الخلقي يتفاحش يوم أكثر من سابقه، ولن نكون فعلنا شيئا إذا بنينا البناء وتركناه للمخربين، وإذا تفشت هذه الإباحية الهدامة، على الصورة « الهيبية» التي تسخر من العمل والشاغلين، وتحقد على العمران والتدبير، فإن هذا البناء الذي يبينه المغرب لمستقبله التاريخي سوف يتخرب بمقدار ما تتسع الأفكار الهدامة، ولتحضين هذه المنشآت التي يبنيها المغرب من جوعه وعرقه، ليضمن مستقبله البعيد، يلزم بناء سلكوكيين حريصين على الامجاد، يقدرون قيمة الإنسان بما ينتجه وبما يحافظ عليه، حتى أنه ليحافظ على كل أثر عتيق قديم، وأن المحافظة على الآثار القديمة لتربي في النفس الحرص على سلامة هذه الترواث البشرية، التي خلفتها الأيدي الغابرة، وإذا كانت الدولة جادة في التعمير والإنشاء، فلن تخاف من الزلازل والفيضانات مثل ما عليها أن تتوقعه من هؤلاء الانهزاميين العجزة، الذين لم يستطيعوا مجاراة الأيدي العاملة، فانتقموا منها بالاستخفاف منها، ثم هم سينتقمون منها بتخريبها وإهمالها، حتى تتقهقر الإنسانية إلى عهدها الحجري، وعصرها الظراني.
 يتعلم التلاميذ جمع المجموعات الأثرية من كل شيء لتنمو في نفوسهم غريزة حب التعمير ومآثر ليعطي الناس درسا واعيا، في تشييده لمدفن والده وللأسرة المالكة من ذريته، فقد قدم للمغرب قطعة فنية من إنتاج الأيدي المغربية، تكتفي مراجعتها لإدارك ما وصل إليه الفن في المغرب في السنوات الأولى من أيام الاستقلال، ولتظهر الموازنة بينه وبين الماضي، حتى تعلم الأجيال الآتية أن ملوك الاستقلال حافظوا على المجد التاريخي وزادوه رفعة وكمالا وجمالا. وأن الأموال التي تتفق في سبيل الفن ليست من الترف والزهو في شيء، بل هي مذخرات أبدية، عمل في بدايتها عمال ماديون، وكلما طال أمد العمل كثر عدد النابغين، فهي معاهد صناعية عليا لتخريج المهرة في فرع من فروع الإنتاج الإنساني الخالد. ثم هي من الأماكن الأثيرة الأثرية التي يقصدها السائحون، فتذر أرباحا طائلة. بل إن المباني الفخمة لتغل أكثر مما تغله المباني الشاهقة، ذلك لأنها متاع للأنفس وليست قضاء حاجات ضرورية، ومن الغلط أن يحسب الإنسان الإسراف في التقشف مما يسهل الحياة العامة في مجموعها، بل إن الترف في بعض وجوهه يفتح عناصر الذكاء في الإنسان، بمقدار ما يحملها على الخمول حياة لشطف وتقشف. والاعتدال بين الطرفين دائما وأبدا هو الفضيلة : فليس الترف الزائذ بحسن، وليس التقشف الدائم الشديد بنافع : والخير إنما هو في حياة وسطى خالية من ميوعة الرفاهية. وبريئة من وضعية بليدة كاسلة، تقنع بلقط الفتات، والحياة صراع ومنافسة، والهمة العالية لا تركن إلى التافه حبا في البقاء، بل تطلب المجد وتشتهي مجابهة الأخطار. أما الانحرافيون فشر ما هم أحباط الخطط المحكمة، ونقص مبرم الصالح، وإنهم ينجحون بعض النجاح بوسائلهم التي لا تتورع عن الناس والوقيعة والغيبة والنميمة. ولابد أن توجد فيهم عناصر قابلة للتهذيب والإصلاح بوجه من الوجوه، ولو كانوا صادقين في إلحادهم لقاموا بواجباتهم الإنسانية، وهي لا تختلف إلا شكليا عن الوازعات الدينية ، وشاءت الأقدار وعاشرنا النصارى، في أقبح وضعياتهم وهي أنهم كانوا يمثلون الاستعمار الغشم. ولكن حينما يكون الأمر لا يتعلق بالسياسة – التي أبجديتها مقاومة الاستعمار وحب الحرية – عند ذلك نجد فيهم الإنسان المهذب الذي يعطف على اليتيم والمسكين. ويكره الظلم في غير ما يرجع إلى الاستعمار، ويحبد المشروعات الخيرية، ومن أفضل ما كانت تدفعهم إليه انسانيتهم أن جارهم كان يأمن بوائقه. وان أطفالهم يحترمون كبار السن، ويؤدون واجباتهم المدرسية والاجتماعية أحسن ما يكون الأداء ، حتى اختلط على العامة الأمر، فصاروا يتحدثون بأن هؤلاء النصارى قائمون بواجب الأخلاق الذي حض عليه الإسلام. وغاب عنهم أن هناك قوانين إنسانية كانت المفتاح الأساسي لقيام الإسلام : فقد عرف مشركو العرب صحة الإسلام لأنه يحث على مكارم الأخلاق ، وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لابد منتصرا، لأنه يحدب على الضعيف واليتيم، ويعين على نوائب الزمان، ويصدق الحديث، ولا يخلف الميعاد، ولا يخون أمانته.
 فمن هذه الأخلاق الإنسانية تسرب حب الإسلام إلى الأغلبية الساحقة من المسلمين الأولين. وعسى أن يعود الشاربون بشكائمهم إلى الأخذ بفضائل الإنسانية ، ومنها يلجون باب الإسلام من جديد، فليس هو إلا إطار صادق يربط نثير الفضائل، ويجعل من الأخلاق العالية سمطا محكم النظم والتنسيق.
هذه مشاكل المغرب وغيرها كثير، وهذه الغزوات والسرايا التي ستشنها النفوس المغربية الفاضلة بقيادة العاهل العظيم مولانا الحسن الثاني سدد الله خطاه ووفقه مستقبلا كما وفقه في جلائل مشروعاته الصالحة، وبارك في ولي عهده مولاي محمد وباقي أعضاء الأسرة المالكة.
لا يصح القوم فوضى لا سراة لهم
                  ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فاللهم منك نستمطر سحائب الرضوان، ومن كرمك نستوهب الرشد في أفكارنا وسلوكنا، ومن بحر كرمك نغترف الهداية والسداد، حتى نصبح جديرين بقولك في محكم كتابك «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله » أللهم أيدنا بروح من عندك، وأنزل علينا ملائكة تأييدك حتى يتغلب العالم الاسلامي والعربي على هذه المحن التي يجتازها من تكلب الصهيونية عدوتك وعدوة خلقك. ومن تشتت الكلمة فإنما الأمر بيديك، وقد عجزنا عن توجيه نفسنا فوجهنا فألف بين قلوبنا بمحض كرمك وجهدك، و قد أخبرت نبيك الصادق بقولك الحق « لو اتفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم » فكما ألفت اللهم بين قلوب أسلافنا فألف بين قلوبنا، واهدنا الصراط المستقيم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here