islamaumaroc

اليد البيضاء لصاحب الجلالة الحسن الثاني في ازدهار القراءات القرآنية بالمغرب -1-

  دعوة الحق

135 العدد

 إن من أبرز المميزات التي تمتاز بها الدولة العلوية الشريفة تشجيعها للعلم والعلماء على العموم والعلوم القرآنية على الخصوص.
وإن من التاريخ ليشهد أن من بين العلوم القرآنية التي حازت قصب السيق عند الملوك العلويين الأماجد هي القراءات القرآنية.
 ولقد علموا – وقد كانوا رضي الله عنهم جميعهم أصحاب فن ورواية في الموضوع – ان المغرب يمتاز عن غيره من البلاد الإسلامية بتمسكه الشديد بضبط القراءات والاحتفاظ عليها، فعملوا بكل ما يملكون من الوسائل على المحافظة على هذه الروح العلمية النشيطة في ميدان هو من أشد الميدان التصاقا بمقومات هذا الدين الحنيف.
كما علموا أن المغربي يمتاز في قراءته بمميزات أهمها أنه يحفظ القرآن عن ظهر قلب بالقراءات السبع.
 يقدم المغاربة البرهان على ذلك فيقراون الكتاب الكريم بالجمع والارداف مدخلين في ترتيلهم الجماعي كل روايات القراء السبع البذور بالترتيب الذي يبهر والذي يثقنه الإتقان العلمي الصحيح، ولا يتقنه ولن يتقنه أبد الآبدين إلا المغاربة المقرئون.
كما علموا – رضي الله عنهم – أن المغاربة برعوا دون سواهم، بل اخترعوا على الرموز القرآنية الذي سهل بشكل لم يخطر على بال أحد هذا الجمع والأرداف ولقد كان من الصعب أن يقرأ القارئ القرآن عن ظهر قلب بالروايات السبع دون الاعتماد على الرموز الذي يعود، أكررها مرة أخرى، الفضل في اختراعها بين مقرئين المغربة.
 وإن المقرئين المغاربة ليستطيعوا أن يقرؤوا القرآن بالروايات السبع، جمعا وأردافا، كما يستطيعون أن يقرؤه إحدى الرويات السبع، مطبقين قواعد الرواية التي تعنيهم تطبيقا يعجز اللسان عن وصفه.
لذا أحدث المغاربة – بتشجيع في كثير من الأحيان في الدولة العلوية الشريفة – الرموز لكل رواية على حدى أو رموز جمعت الروايات السبع، بل إن بعضهم استطاع نظم رموز للروايات العشر جمعا وافرادا.
 وما كان لهؤلاء المقرئين المغاربة أن يبرعوا في ذلك لولا تشجيع كبير، وعطف عظيم، ورعاية شاملة من ملوكنا العلويين الأمجاد.
ولن يكون صعب علينا أن نقدم الأدلة والأمثلة، وما اعتقد أن أحدا من الباحثين المغاربة ينتظر ذلك فهذا معروف عندهم ولن تزيد أدلتنا فيعلمهم ذا شيئا : وإنما أرغب في أن أنبه – ولا أعطيه كمثال – إلى أن تفسير القرآن الكريم المسمى بالبحر المحيط لمؤلفه أثير الدين أبي عبد الله محمد بن  يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي الجياني المولود سنة 654 هـ والمتوفى بالقاهرة سنة 754 هـ ما كان له أن يرى النور لولا همة السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ الذي أمر بطبعه من ماله الخاص.
جاء في الصفحة الأولى من هذا التفسير والمطبوع  بأمره الشريف :
«طبع هذا الكتاب على نفقة سلطان المغرب الأقصى جلالة أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين فرع الشجرة النبوية وخلاصة السلالة الطاهرة العلوية سيدنا ومولانا عبد الحفيظ ابن السلطان مولاي الحسن ابن السلطان سيدي محمد خلد الله ملكه.
بتوكيل الحاج بن العياشي بن شقرون خديم المقام العلي بالله الآن بثغر طنجة ووكيل دولة المغرب الأقصى سابقا بمصر على يد نجله الحاج عبد السلام ابن شقرون ».
وكانت الطبعة الأولى لهذا الكتاب الجليل سنة 1328 هـ، وإنما ذكرت هذا التفسير دون سواه لأنه يعد زيادة على التفسير مرجعا مهما في علم القراءات.
إن أبا حيان لا يترك فرصة تمر دون أن يذكر وجود هذه القراءات، بل يذهب أكثر من ذلك حين كلف  نفسه تقديم التعليل، كما أنه يذكر الشاذة منها ويصدر حكمه فيها.
ور عجب ما دام ابن حيان يعد من المقرئين العظام، وابسط حجة يمكن أن أقدمها دليلا على باعه الطويل في هذا العلم عرض أسماء مؤلفات هذا المقرئ الكبير.
- 1 رشح النفع في القراءات السبع
- 2 المورد الغمر في قراءة ابي عمرو
- 3 عقود اللآلي في القراءات السبع العوالي
- 4 غاية المطلوب في قراءة أبي يعقوب
- 5 الأثير في  قراءة ابن كثير
- 6 كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء.
إن طبع البحر المحيط اعاد لعلم القراءات بالمغرب مجدها وبواها المقام الذي يجب أن تحتله دائما.
لقد طبع بهامش الكتاب كتابان جليلان هما : «النهر الماد من البحر» وهو لأبي جيان أيضا، وكتاب «الدر اللقيط من البحر المحيط» لتلميذ أبي حيان تاج الدين أبي محمد أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي الحنفي النحوي المولود سنة 682، والمتوفى سنة 749 هـ.
ورغم أن طبع هذا الكتاب الجليل أفاد علم القراءات فائدة لا تحصى فإن مرجعا من مرجعيه الأساسيين في هذا العلم بقي في عالم الغيب ينتظر الهمة العالية، واليد السخية، والقلب الكبير ليرى النور .
 أما مرجعه الأول فهو الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوده التأويل للإمام محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 528 هـ.
وأما هذا الذي بقي في طي الخفاء ينتظر من يبعته من جديد نورا وضاء ينير عقول العلماء والباحثين فهو تفسير ابن عطية المسمى بالمحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز.
ما من شك أن مولانا أمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين شعر بذلك وأحب ألا يترك أصلا من أصول هذا العلم بالمغرب في غير متناول الباحثين المحبين للعلم، فأبى حفظه الله الا أن يضيف مأثورة أخرى إلى مآثره العديدة بانجازه لهذا العمل الذي سيخلد ان شاء الله ذكره في الخالدين.
إن قارئ تفسير أبي حيان لا يستطيع أن يكون فكرة صحيحة سليمة في علم القراءات تعتمد على أصول علمية سليمة إلا إذا أتيح له أن يقرأ الكشاف والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لمؤلفه أبي محمد عبد الحق بن غالب المحاربي الشهير بابن عطية المتوفى سنة 546 هـ.
لذا أمر مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله بطبع هذا الكتاب وكلف أعزه الله علماء مغاربة أجلاء بانجاز هذا العمل، بعد أن حثهم، وحث المغاربة معهم أجمعين في أحد أحاديثه الدينية الرمضانية على الاهتمام بهذا المؤلف النفيس الذي، ولا شك، توجد نسخ منه في  خزانة القصر الملكي العامر، كما توجد منه نسخة عجيبة بالخزانة العامة بمدينة تطوان تحت الأرقام : 629 – 630 – 631 – 632 – 633 وهي النسخ التي طلبت أخيرا وزارة الأوقاف نظيرا منها بإعانة المصالح الفوتوغرافية بخزانة الوثائق بالرباط.
 كما توجد نسخة من الجزء الثالث منه بالخزانة العامة بمدينة مكناس تحت رقم 120 وهي نسخة فريدة من نوعها لأنها تحمل وثيقة التجسيس التي كتبها المحبس نفسه السلطان أحمد المنصور الذهبي بتاريخ ذي القعدة عام 8 هجرية. إلا أن هذا التحبيس وقع لجماعة القرويين. ولاشك  أن لوجوده بخزانة مكناس أسباب وتاريخ لعل الله ييسر فاتعرض لهما مستقبلا بالشرح والتوضيح.
أنا لا يخامرني شك في أن اللجنة التي كلفها أمير المؤمنين أعزه الله، ولا يخامرني أدنى شك أيضا في أن من بين تعاليمه أن يكون الأصل وهو « المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز» كالقرع الذي هو « البحر المحيط» أو أكثر اتفاقا وأحسن تحقيقا.
 ولقد أثنى ابن حيان الثناء العاطر على الأصلين اللذين جعلهما مرجعا لتفسيره « البحر المحيط». وقال متنيا عليهما : « وهذا أبو القاسم محمود بن عمر المشرفي الخورزامي الزمخشري وأبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي المغربي الغرناطي أجل من صنف في علم التقسير، وأفضل من عرض للتنقيح فيه والتحرير، وقد اشتهر كاشتهار الشمس وخلدا في الإحياء وأن هذا في الزمن، وكلاهما فيه يدل على تقدمهما في علوم من منثور ومنظوم ومنقول ومفهوم وتقلب في فتون الآداب، وتمكن من علمي المعاني والإعراب، وفي خطبتي كتابيهما وفي غضون كتاب الزمخشري ما يدل على انهما قارسا ميدان وممارسا فصاحة وبيان»، ثم قال بعد ذلك : « ولما كان كتابهما في التفسير قد انجدا وأغارا وأشرقا في سماء هذا العلم بدرين وأنارا وتنزلا من الكتب التفسيرية منزلة الإنسان من العين والذهب الإبريز من اللجين ويتيمة الدر من الآلي وليلة القدر من الليالي، فعكف الناس شرقا وغربا عليهما وثنوا عنه الإعتناء إليهما، وكان فيهما على جلالتهما مجال الإفتقاد ذوي التبريز ومسر= للتحليل فيهما والتمييز ثتبت إليهما عنان الإنتقاد وحللت ما تخيل الناس فيهما من الإعتقاد، إنهما في التفسير الغاية التي لا تدرك، والسلوك الوعر الذي لا يكاد يسلك، وعرضتهما على محك النظر وأوريت فيهما نار الفكر حتى خلص دسيهما وبرز نفسيهما وسيرى ذلك من هو للنظر أهل واجتمع فيه إنصاف وعدل (1) ».
لهذا كله أصدر مولاي الغمام أمره المطاع باحياء هذا التراث تراثا نفيسا لا غنى للباحث عنه- سيما المهتم بالقراءات القرآنية، الوله بها، الشغوف بدراستها.
وزيادة على احياء هذا التراث فغن امير المؤمنين قد أمر أدام الله عزه ونصره بانشاء مدارس لإقراء تحيي هذا التراث الغالي الذي كاد يندثر.
وهكذا أنشأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مدرسة القراءات بسيدي الزوين يسيرها بكفاءة نادرة أستاذان جليلان خبيران بهذا العلم وهما يتقنان القراءات السبع اتقانا لا مثيل له، كما أنهما يستطيعان أن يقرآ وهما يستعينان بكتاب رموز القراءات العشر أيضا.
كما أنشأت هذه الوزارة نفسها مدرية القراءات السبع بباب العقلة بتطوان، وان الطلبة الذين يتابعون الدراسة هناك يتسفيدون اسفادة عظيمة، وان الأمل لمعقود في أنها ستحاول ادخال تدريس أحد الكتب السبع ليوسع الطلبة أفقهم في هذا العلم الشريف .
كما أنشأت هذه الوزارة مدرسة للقراءات السبع في دار أزهيرو بطنجة آمل أنها تتقدم أكثر بفضل توجيهات الخبراء بهذه الوزارة.
 وان مأثرة أخرى خلدها في علم القراءات ملوكنا العلويون وواصلها برعايته مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني رعاه الله هو تنظيم ما يسمى بالحزب للقراءات السبع الذي أسسه ملوكنا العلوييين في كل مسجد كبير من المملكة الشريفة.
 وان حزب القراءات السبع الذي ينتظم في كل يوم جمعة بالمسجد العظم بمكناس منه يسمى بالعنزة تحت رئاسة الشيخ المقرئ السيد ابراهيم الهلالي ليعد بحق تحفة المقرئ السيد ابراهيم الهلالي ليعد بحق تحفة من التحف التي تناهى بها دول العالم الاسلامي.
 ان سر مواصلة هذه الأعمال الجليلة في القراءات رغم قلة المقبلين عليها، ليرجع الفضل فيه إلى باحث هذه الأمة في كل الميادين مولانا الحسن الثاني نصره الله.

1) البحر المحيط الجزء الأول، الصفحات : 8 ، 9 و 10                                                               
 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here