islamaumaroc

أربع وثائق علوية ضد بدع الشورة والأفراح

  دعوة الحق

135 العدد

 ترجع عادة التغالي في تشوير البيت إلى شبه جزيرة الأندلس، ويصعد تاريخها إلى النصف الثاني من المائة الرابعة لهجرة، حيث تكاثرت السبايا من الإسبانيات بعد غزوات المنصور بن أبي عامر للمعاقل المسيحية، وهذا ما أفضى إلى انخفاض في أثمان الأسيرات، وصار رخص أثمانهن يجذب الشبان للازويج بهن، وقد كان هذا حافزا للآباء إلى التغالي فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي وحتى الديار ليرغبوا في تزويجهن(1)، ثم استمرت هذه الحالة ـ من بعد ـ بالأندلس، ومنها دخلت إلى المغرب.
والغالب أن هذه الظاهرة كانت قد ازدهرت بالمغرب أيام الموحدين، وبالضبط على عهد يعقوب المنصور، حيث جاء في ترجمته (2) أثناء كلام:  «.. ثم أمر بقطع لباس الغالي من الحرير، والاجتزاء منه بالرسم الرقيق الصغير، ومنع النساء من الطرز الحفيل، وأمر بالاكتفاء منه بالساذج القليل، وأمر بإخراج ما كان في المخازن من ضروب ثياب الحرير والديباج المذهب، فبيعت منه ذخائر لا تحصى، بأثمان لم توف ولم تستقص». وهكذا يمكن أن نتبين من هذا النص فترة استفحال هذه العائدة بالمغرب، دون أن يعرف ـ بالتدقيق ـ مبادئ ظهورها، وقد تعود إلى عصر حكم العامرين بالمغرب أيام مغراوة.
وبعد هذا ننتقل إلى عصر الوثائق الأربعة التي تقدمها هذه الدراسة، وتسجل أنها جاءت عقب الغزو الإسباني لتطوان. عام 1276 هـ/1860 م، حيث واجهت الحكومة المغربية أزمة مالية خانقة(3)، ومن جهة أخرى كان من أثر هذه النكسة انفتاح البلاد أمام الأجانب، فتقدمت تجارة المغرب مع أوربا ومع فرنسا بالخصوص، مما جعل الثروة تتدفق على طبقات من التجار المغاربة، فاتخذوا ـ حسب الناصري(4) ـ المراكب الفارهة، والكسي الرفيعة، والذخائر النفيسة، لاسيما بمدينة فاس والرباط.
وقد بدأ أثر هذا الترف واضحا في تصاعد عادات الأفراح في بعض المدن الغربية، حتى خرجت عن الحد المتعارف في الثورة واللباس وملحقاتهما، مما جعل البون شاسعا بين طبقات الفقراء وطبقات الأغنياء، زيادة على أن هذه ظاهرة شد فيها المغرب عن الشرق والغرب، وهذا ما يشهد به أبو إسحاق التادلي (5)ويقول خلال كلام:
«... نعم: الداهية العظمى لأهل المغرب ـ خصوصا أهل فاس والرباط ـ كثرة الملابس والفرش التي لا توجد لأهل المشرق ولا للنصارى، وأمرهم في ازدياد إلى أن يتدارك الله الفقراء بالطاقة الخفية».
ولا ننسى ـ بعد هذا ـ أن عاهل المغرب في هذه الفترة هو السلطان العلوي محمد الرابع، ومن المعروف عنه أنه كان يسعى لإدخال إصلاحات تقدمية على الحالة بالمغرب (6)، وانضاف لهذا الاعتبار واقع الأزمة المالية التي يعانيها الجهاز الحكومي، فكان هذا وذاك هو الذي حفز نفس السلطان للقيام بمبادرة صارمة ضد بدع الأفراح في الفرش واللباس وتوابعها، وهذا ما تحتفظ به الوثائق التي سنعرضها، وهي تختص بمدينة فاس، حيث كان حاكمها آنذاك هو الحاج إدريس بن الحاج عبد الرحمن السراج الأندلسي.

وقد أصدر له السلطان العلوي أمرا من ثلاث نقط:
أ ـ أن يحد للماشطات «النكافات» حدا في علو فراش الولائم وفي لباس العرائس.
ج ـ أن يحد للمغنيات من النساء حدا في لباسهن وشغلهن.
وبادر حاكم فاس إلى تنفيذ التعليمات الملكية، وسجل نشاطه ـ في هذا الصدد ـ في أربعة نصوص:
النص الأول: بمثابة مدخل للوثائق بعده، حيث يلخص الأمر الملكي حسب التقط الثلاثة الآنفة الذكر.
الثاني: وثيقة عدلية تتضمن الإشهاد باتفاق ممثلي الرأي العام آنذاك على تحديد الفراش واللباس بمناسبة الأفراح، وتحديد ايام حفلات الأعراس، مع تحديد عدد الماشطات في الولائم، وتحمل هذه الوثيقة تاريخ 10  جمادى الثانية، عام 1278 هـ /1861  م، وبعده إمضاءات عن ستة عدول يليها إثبات القاضي.
الثالث: وثيقة عدلية تشهد على الماشطات والمغنيات بالتزامهن تحديد ظروف أشغالهن ولباسهن، بتاريخ أواسط جمادى الثانية عام 1278 هـ/ 1861 م، وبعده إمضاءان عدليان يليهما إثبات القاضي.
الرابع: ظهير صادر عن نفس السلطان بالمصادقة على ما وقع عليه الاتفاق في الوثيقتين العدليتين بالنص الثاني والثالث، ويحمل تاريخ 18 جمادى الثانية عام 1278 هـ/1861م.
ومن حسن الحظ أن هذا السلطان أمر بتسجيل النصوص الأربعة في إحدى حولات القرويين وهي الحوالة السلمانية (7)، وبهذا أمكننا أن نطلع على نسخ هذه الوثائق، حيث حافظت على هذه المبادرة الاجتماعية، وانفردت بالكشف عنها دون أن يتحدث عنها أي مصدر آخر معروف.
وقبل تقديم هذه الوثائق نقف قليلا لنرى أن أفكارها ـ كلا أو بعضا ـ تكرر بعثها من جديد في مناسبات تالية، وفي مدينة فاس أكثر، حيث كانت هذه المبتدعات تحمل قليلا لتعود للظهور في شكل أعنف من السابق، وهنا يقع تجديد الالتزامات، وحصر الممنوعات من المبتدعات القديمة والحديثة في الثورة والأفراح.
وجدت هذه الصورة محفوظة عند بنت باشدور الإنجليز بطنجة الميسطر «جان هي» أخذت عند مقلاته الرسمية مع جلالة السلطانية المحمدية والقنصل المذكور هو الواقف أمام الجلالة مع أعضاء سفارته وعن اليمين زوج السفير المذكور وبنته. وقد امتد مقام هذا السفير بالمغرب من الدولة العبد الرحمانية إلى أواسط الدولة الحسنية.
وهكذا تأتي المناسبة الأولى عام 1323 هـ/1905م أواخر أيام السلطان المولى عبد العزيز، حيث وقع الأشهاد على 12 مغنية بفاس(8)، بتحديد سلوكهن ولباسهن، حسب وثيقة عدلية مؤرخة في 3 ربيع الثاني من نفس العام(9).
وفي عام 1336 هـ/1917 م تبنى أعضاء المجلس البلدي بفاس ومعهم جمهور أعيان المدينة حركة جديدة ضد بدع الأفراح، وجددوا الأشهاد على الماشطات والمغنيات، كما أوقعوا الأشهاد على الحجامين وغيرهم مما يحدد سلوك كل فريق في هذا الصدد، وضمنوا ذلك في وثيقة عدلية مؤرخة في 11 محرم عام 1336 هـ/1917 م، وبهده المناسبة صدر ظهير عن السلطان المولى يوسف، يجدد به مقتضيات ظهير السلطان محمد الرابع المتكرر الذكر، ويصادق على ما وقع عليه اتفاق مدينة فاس، بتاريخ متم ريبع النبوي عام 1336 هـ (10)/1918م.
وفي عام 1345هـ/1926م أثيرت القضية من جديد بنفس المدينة، وبالإضافة إلى بدع الأفراح طرحت بدع المآتم والكهان والعرافين وغيرها، ووضعت في هذا الصدد عدة محاضر كتبت مقرراتها بلهجة قوية، والتزم بها مختلف الطبقات الذين تصنفهم الوثائق في العلماء والأشراف والأعيان والتجار والمعتمرين في الأسواق والصناع، في أعداد ضخمة تتجاوز سبعمائة من سكان فاس العتيق والجديد، وقد دونت وثائق هذه المبادرة في مجموعة مخطوطة يعرف منها ـ الآن ـ نسختان: إحداهما خاصة، والثانية بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ك 3031.
وأخيرا، كان صدور ظهير جلالة المغفور له محمد الخامس لتحديد ما يلزم الاقتصار عليه في الثورة والأفراح بالنسبة لمجموع المغرب، ويحمل تاريخ 16 رجب عام 1361 هـ /1942م.
وبعد هذا يصل بنا المطاف إلى تقديم الوثائق الاربعة المعنية بالأمر، وهي ـ بعد الجانب الموضوعي منها ـ نرسم بعض الصور الاجتماعية بالنسبة لمدينة فاس في هذا العصر، فتذكر ملامح من الترف الفاسي في فراش البيوت ولباس العرائس والمدعوات للأفراح، كما تفسر عادات الماشطات في الولائم، وتقدم لوائح للرجال تمثل، ـ على العموم ـ النخبة الاقتصادية في نفس المدينة والعصر، ثم تقدم ـ مرة أخرى ـ  لوائح النساء تحتفظ بأسماء عريفات المطربات.
والوثائق ـ كما علمنا ـ منتسخة في حوالة القرويين السليمانية، وهي مكتوبة بأسلوب يغلب عليه الوضوح والسجع، وخطها مغربي مليح مجوهر، يتخلله قليل من التصحيف والحذف من بعض تعبيراته، وقد عملت على الإشارة لذلك جهد الإمكان.
والآن هاهو نص الوثائق الأربعة كما وردت في مصدرها المتكرر الذكر.
الحمد لله، لما ورد أمر مولانا المنصور بالله أيد الله مقامه، ونصر أعلامه، ويسر مرامه، على عامله الرئيس الأسعد، الذي سعدت بولايته هذه الحضرة، واستضاءت بسعادة طلعته إضاءة القمر في غسق الداج، الطالب سيدي الحاج إدريس السراج، بأن يتهي ويزجر أهل هذه الحضرة عما ارتكبوا من البدع والمنكرات، واستنوا من العوائد والتفاخر والمباهات، وجعلوه عرفا معروفا، صنيعا مألوفا، في التطاول في الفرش في الأعراس والولائم، والبسط الفاخرة، والستور الباهرة، وتظاهر القوي على الضعيف، وتفاخر الغني على الشريف، في الملابس للعرائس، واتخاذ الحلي والحلل والتكاثر من ذلك، مما لا يقره شرع ولا طبع، وأن جرت به العادة فالمقر من العوائد ما وافق الشرع، ولم يؤد إلى منكر ولا هتك حرمة مسلم ضعيف، في تكلفه ما لا يطيق تشبيها بالقوي عليه وبالشريف.
وأن يحد للماشطات حدا في علو الفراش للأعراس والولائم، واللباس للعرائس بحيث يقع التساوي في ذلك بين القوي والضعيف، والمشروف والشريف، حتى لا يتطاول غني على فقير، ولا كبير قدر على حقير.
وكذلك يحد للمسمعات والطبالات من النساء هذا في لباسهن وشغلهن وغير ذلك.
ففعل الرئيس المذكور ـ أرشده الله وأعانه ـ ما أمر به، وشهد على المشطات وأعيان هذه الحضرة من الشرفاء والتجار وغيرهم، بالتزامهم الوقوف عندما حد لهم الذي سيذكر ويفسر بالرسم أسفله، حتى يسهل تعاطي الأمر المحدود على الضعيف كما يسهل على القوي، ومن زاد على ذلك أو تعداه فتلزمه العقوبة ولا يلم إلا نفسه.
وحيث امتثل الرئيس المذكور الأمر المولوي المذكور، وحد لكل طائفة ولكل واحد من غني أو فقير الحد المذكور، أعلم مولانا المنصور بالله فاستحسن ـ أيده الله ـ رأيه وما فعل، وأمره أن يكتب الأشهاد بذلك بحوالة القرويين، ليبقي ذلك حجة على من يزيد نقضه والعمل بخلافه إلى أبد الآبدين.
نص الرسم الأول المتضمن لإشهاد ما ذكر وخطاب من يجب سدده الله وحفظه عليه: الحمد لله الذي أقام بالخلافة دينه القويم، وهدى بأنجمها الزواهر إلى صراطه المستقيم، وحسم بحام الشريعة المحمدية العوائد الحادثة والبدع الردية، نحمده على ما أليه هدانا، ونشكره على ما أرشدنا إليه من هدانا، ونشهد أنه الله الذي يسر المومنين لليسرى، وشرح صدورهم لما به صلاح هذه الدار والأخرى، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أوضح لأمته ما تتحلى به وتعلمه الجوارح وتكنه الصدور، وانزل الله عليه قوله تعالى «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور» وقال فيما رواه الحاكم عن ابن هريرة رضي الله عنه ـ تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى برا علي الحوض، وقال عليه السلام بعد ما بين لنا السنة من الفرض ـ حسبما رواه الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث ـ ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، صلى الله عليه وعلى ءاله وأصحابه الذين مهدوا قواعد الدين وأوضحوا سبل الجنة.
وبعد فمن المقرر المعلوم، لدى الخاصة والعموم، أن هؤلاء الماشطات اللواتي صرن بهذه الحضرة في رفعة وهن ساقطات، إذ لا غنى عنهن لمن كانت له وليمة أو ما في حكمها، لقيامهن بقواعدها وعلمها، لكنهن قد تجاوزن الحد المحدود، وما ورثه من العرف الآباء عن الجدود، من أتباع السلف، وما كانوا عليه من لزوم السنة أو مقاربتها فيما سلف، وزين للنساء وجوه المباهات. وتزين بما لا يحمد ولا يرضى في جميع الحالات، حتى خرجن إلى حد الاعتساف، وما به يقع الاختلاف، وتقالين في النفائس المحدثات، وتغالين في البدع المستشنعات، فأتعبن بها الضعيف، والمشروف في منافسة الشريف، والناس كلهم يرون ذلك بالعيان، لا يغيرون ولا ينكرون القادر والعاجز سيان، إلى ما لا حد له من فسوق المناكر، وما ينزل عنه أقلام الألسنة والمحابر، ويشهد بذلك كل من يضع أثر تاريخه شكله، وكل حضري يقر بذلك ويعرف صورته وشكله، والكل عاجز عن ذلك لعدم تمكينه وخشية العتاب، حتى يبلغ الشوق منتهاه ولكل أجل كتاب.
ولما أنهي لعلم مولانا أمير المومنين، وخليفة رب العالمين، المجاهد في سبيل الله، أدام الله نصره وعلاه، أمر ما عليه من ذكر، وما ابتدعنه مما جهل وأنكر، وان أمرهن ما زال في الزيادة، وقصارى همتهن فيما زاد على العادة، وقد قال عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه الطبراني عن الحكم بن عمير: الأمر المفظع، والحمل المضلع، والشر الذي لا ينقطع، إظهار البدع، حتى بلغه أيده الله أن بعضها(11) جعل في ستر بيت بعض الأعراس، حليا زيادة على ما يراه الناس، وأن تلك الأفعال كلها من المحدثات، التي يخشى على متتبعهن الهلاك والشتات، أمر أيده الله عامله الأسعد، الطالب الوجيه الأرشد، الزكي الضابط الحازم، القائم على ساق الجد بالأمر اللازم، أبا الفضل سيدي إدريس السراج، سلك اله به أحسن طريق وأقوم منهاج، يحسم تلك المادة الشنيعة، والبدعة الدنية الوضيعة، بما يظهر له من الرأي السديد، والنظر السالم والباع القوي المديد.
فأحضر ـ أعانه الله ـ من شرفاء المدينة وأعيانها وتجارها، من ذكر بالطرة يمنته من أولها إلى آخرها(12)، وفاوضهم فيها ذكر وسطر كله، فحمدوا الله على إلهامه مولانا لذلك، وفرحوا له ومن أجله، وقالوا هذا الذي كنا نطلبه ونتمناه، ولو أعملنا فيه جهدنا ـ بدون أمر مولانا ـ ما نلناه، والآن: أما وجود الماشطات فلابد منه وقد كن فيما فات، ولكن يجعل لذلك حد لا يجاوزه من غني وفقير أحد، وقانون ينتهي عنده المفرد والعدد.ثم وقع اتفاقهم على أن يكون فراش وليمة العرس والعقيقة والختان علوه من الأرض لمنتهاه ـ بالذراع السوسي ـ (13) ذراعان اثنان، وبذلك نطعة(14) ولماطات ثلاث، وفي كل جهة منه مخدتان مثنيتان، وفوقهما واحدة بمحرمة وأخرى نشبر(15) بما لهم من اللفات(16)، وأسفل الصدر خديتان من الحرير وما زاد (17)، وروافان(18) من خالص الحرير
(19) لا يزاد، وعلى باب البيت خامية من الشرب(20) واحدة دون كلة، وبما ذكر تسمي النسوة ذلك كله، وهذا فراش كل قوي وضعيف، ومشروف وشريف، في خصوص ما ذكر من الأعراس والختان والعقائق، التي تتشبه فيها الأنواع مع اختلاف الحقائق.
وإن إبراز العروس للجلوة لا يزاد فيه على سبة أيام، ويوم الغسيل لا يلبسنها أكثر من ثلاث حلل رفقا بضعفاء الأنام، ولا يجمع للثيب بين حنش وتاج(21)، ولا يزدن على مجموعهما للبكر استغنى وليها أو التاج، ولا يجعلن لها في أيام العرس عصابة، ولا في عنقها أكثر من ثلاث قلائد من الجوهر ولبة، وتلبس في غير أيام العرس ما شاء زوجها وأحبه.
ولا يجعل أحد كلفة تنقيل (22)ولا دفع الصداق، ولا يرفع طيفور المنادل، ولا عتيدة الخــــــرق(23)، ولا ما يدعونه الطبق والمبرزة للولادة.
ولا تأتي الماشطة للوليمة ومعها فوق خمس من المتعلمات زيادة، ولا تكون بالولائم امرأة حاضرة بجوهر والحائك ونحوه من اللباس، وإن كانت بدارها بغير العرس وما ذكر معه فلا بأس.
وبعدما وقع اتفاق من حضر على ما ذكر مع أن كون النسوة المتفرجات، من أبدع الفواحش والمناكر البينات، وأمر العامل المذكور، عرفا الحوم بالزجر على من خرجت لذلك كغيره من مناكر الأمور، حضر لذلك عريفة الماشطات السيدة حبيبة الجرينية والحاج هنكى جنانة والحاجة سترة جلونة وغيرهن بمن لهن من الأتباع، وعرض عليهن ما وقع عليه ممن حضر الإجماع، فقبلن ذلك والتزمن القيام به والوقوف عند حده كل الالتزام، وتعاهدن وتعاقدن على أن لا يكون لهن على غيره إقدام، ومن تعدت حدا من تلك الحدود، فقد عرضت نفسها لأنواع النكال والحدود.
فمن حضر لما ذكر كله وشهد على من ذكر ومن حضر وهم عارفون قدره وعرفهم، قيده في عاشر جمادى الثانية عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف.
عبد الكبير بن المجذوب الفاسي(24).
ومحمد بن الطالب ابن سودة لطف الله به.
ومحمد الفاطمي بن الهادي الإدريسي لطف الله به.
وعلال ابن جلون (25)لطف الله به.
والمكي ابن شقرون لطف الله به.
وعبد الوهاب بن العابد القادري(26) الحسني لطف الله به.27(27)
وبعده ـ بخط من يجب ـ الحمد لله، أدوا فقبلوا وأعلم به: امحمد بن عبد الرحمن الحسني العلــــوي(28).
ونص الثاني بقطعة أخرى: الحمد لله، لما ورد أمر مولانا الإمام، حامي بيضة الإسلام، وناصر دين جده عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، أدام الله ـ سبحانه ـ ملكه، وأجرى في بحار السعادة فلكه، وفتح به الإسلام والمسلمين، وأبقاه سيفا صارما للطغاة المعتدين، على خديمه الأنصح، البار الأرشد الأفلح، الخير الدين الأرضى، سيدي إدريس بن الأبر الأرضى، الرئيس الوجيه الناظر المحتسب المرتضى، سيدي الحاج عبد الرحمن السراج الأندلسي، عامل الحضرة الإدريسية صانها الله بمنه، يتفقد البدع المحدثة على يد الماشطات في الأعراس، وكان في معناها الطبالات الائي يحضرن من غير شك ولا التباس، اقتضى نظره ـ حفظه الله ـ أن يبحث فيهن، واستكشف عن أحوالهن، فأحضر المذكورات منهن بطرت(29)، وأمرهن بما يذكر ويفصل:
وذلك أن لا يتعاطى هذه الخدمة شابة صغيرة، وتكون النساء الكبيرات فقط وما يقرب منهن.
وأمرهن بلباس ثياب تميزهن من الصينات: بأن تجعل كل واحدة في رجلها ريحية حمراء، والسلوال من نوع ما يلبسه الرجال، وتلتحف بالردة، ولا يلبسن الثياب الفاخرة، ولا يزين وجههن، ولا تجعل في رأسها ما يعرف بالحنطوز(30).
وأن تكون خدمتهن بالليل فقط، ولا يأتون لدار إلا بعد استدعاء ربها لهم، ويقدم لهم ما يسمى ـ في العرف ـ بالعربون، وأن لا يختلطن مع الرجال، ولا يخدمن بالطرقات، وأن لا يرقصن بالدار، وأن تحمل كل واحدة آلتها بيدها، ولا تكون عندهم امرأة تحمل الجميع.
فقبلن شرطه والتزمن اتباعه، وحذرهن ـ أعانه الله ـ من ارتكاب شيء يخالف هذا وخوفهم عقوبته.
فمن حضر لما ذكر وسمع منهن ما ذكر وعرف بهن، قيده في أواسط جمادى الثانية، عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف.
محمد الفاطمي الإدريسي.
وعلال بن امحمد الكوفي ابن جلون لطف الله به.
وبعده: أديا فثبت واعلم به امحمد بن عبد الرحمن العلوي الحسني.
ونص الظهير الشريف، الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وءاله وصحبه وسلم.
والطابع الشريف ـ بين الحمدلة والصلاة على النبي عليه السلام ـ بداخله: محمد بن عبد الرحمن غفر الله له، وبأركانه: الله، محمد، أبو بكر، عمر عثمان، علي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وبطوقه:
ومن تكن برسول الله نصرته
إن تلقه الأسد في آجامها تجم
نصه: يعلم من هذا الكتاب الكريم، والخطاب المحتم الصميم، إننا لما طولعنا بما اتفق عليه من سمي بشرفاء فاس وأعيانها وتجارها، بالسم الذي وقع الأشهاد بمضمنه على عريقات الماشطات بها، من بيان الكيفية التي يكون عليها تحملهن في فراش الوليمة والعقيقة والختان، وفي العروس وتحليتها، والاقتصار على سبعة أيام في جنوتها وتوابع ذلك، رأيناه قريبا من السداد، إذ الزيادة عليه بدعة شنيعة خارجة عن المعتاد، (وذلك) كاف في(ما) أمرتا به من حسم مادتها، والأبعاد عن غايتها، ليسهل تناول ذلك على المشروف والضعيف، كما يتناوله ـ بجاهه ـ القوي والشريف، وفي الحديث الكريم:«ما كان الرفق في شي إلا زانه، ولا كان الخرق في شيء إلا شانه».
وقد أمضينا ذلك إمضاء تاما، كما أمضينا ما شرط خديمنا الأرضي الطالب إدريس السراج على الطبالات والذكارات من الشروط، التي منها أن لا يجعلن معهن البنات الشابات التي تتشوق إليهن النفوس، وأن لا يرقصن بالدور، وأن لا يتشبهن بالصينات، وغير ذلك، وقوفا مع العرف القديم، وفرارا من كل محرم ذميم.
نأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يتعاهد البحث في ذلك، ولا يسامح من حاول نفض مبرمه، بل يلزم كل فريق الوقوف عند حده، وينتضي للمتطاول المتنطع سيف العقوبة من غمده، ومن أعذر فقد أنذر.
صدر به أمرنا المعتز بالله، في 18 جمادى الثانية، عام 1278 هـ.


1-«المعجب، في تلخيص أخبار المغرب»، «مطبعة السعادة» بمصر ـ ص 24.
2-البيان المغرب لابن عذاري: القسم الموحدي، ط. تطوان ـ ج 3 ص 145.
3- عن مظاهر هذه الأزمة يرجع إلى: جرمان عياش: «جوانب من الأزمة المالية بالمغرب بعد الغزو الإسباني سنة 1860»،  المطبعة المغربية روايال، 1959 ـ الرباط.
4-«الاستقصا» ط. دار الكتاب، الدار البيضاء ـ ج 7 ص 124.
5-«أغاني السقا ومغاني الموسيقى» مخطوطة خاصة ـ عند أوائل الباب السابع.
6- مظاهر يقظة المغرب الحديث في الميدان التعليمي، مجلة البحث العلمي، العدد التاسع، السنة الثالثة ـ ص 95.
7- ص 315 ـ 316، حسب الشريط المحفوظ بالخزانة العامة بالرباط رقم 114
8- جاء في هامش الوثيقة تقديم أسمائهن هكذا:
جماعة الشيخات:
1 – الحاجة زينب . 2 – الحاجة عائشة الحجوبة. 3 – محجوبة . 4 – زينب المكناسية. 5 – فاطمة علال . 6 – خديجة السبتية.   7 – مباركة بنت علال . 8 – الباتول. 9 – فاطمة البكارية.10- زهراء المكناسية. 11 – بريكة المراكشية. 12- حبيبة المكناسية.
9-  ورد نص هذه الوثيقة في الحوالة السليمانية الآنفة الذكر، حسب الشريط المحفوظ بالخزانة العامة بالرباط رقم  114 -  314.
10- نص الظهير اليوسفي عند ابن زيدان في الدرر الفاخرة ـ ص 130 ـ 133.
11- كذا في الموضعين.
12- ورد في هامش الوثيقة تقديم أسمائهم في لائحة مطولة كما يلي:
1- الشريف سيدي محمد بن ناصر الإدريسي. 2- الشريف سيدي أحمد العمراني. 3- الشريف سيدي جعفر العمراني. 4- الشريف الناظر سيدي محمد بوعنان.5 – المقدم الحاج امحمد الرامي. 6- الناظر الحاج عبد القادر بناني. 7- الناظر الحاج المعطي صفيرة. 8- المسن الطالب سيدي امحمد الطرنباطي. 9- الفقيه السيد علال ابن جلون. 10- الطالب سيدي محمد المشاط. 11- الطالب سيدي محمد الشامي.12- المسن الحاج أحمد المزوري. 13- المسن سيدي محمد الندلسي. 14- الطالب سيدي محمد الجزولي.15 – السيد الحبيب ابن جلون. 16- الحاج التهامي جسوس. 17- الأمين الحاج محمد ن المدني بنيس. 18- الأمين السيد عبد النبي ابن جلون. 19- التاجر الحاج عبد الله مكوار. 20- التاجر الحاج أحمد بن الطيب برادة. 21- التاجر الحاج عبد الكريم بناني. 22- التاجر الحاج عبد السلام جسوس. 23- التاجر الحاج إدريس بن محمد بنيس. 24- التاجر الحاج محمد بن الطيب التازي. 25- التاجر الحاج امحمد بن عبد الوهاب بنيس. 26- التاجر الحاج عبد السلام العاجي. 27- التاجر الشريف مولاي علي السليماني. 28- التاجر الأمين الحاج المكي ابن يحيى. 29- الأمين الحاج محمد بن التهامي التازي. 30- الأمين الحاج التهامي بناني. 31- التاجر الحاج الحارثي بن العيساوي برادة. 32- الحاج العربي بن محمد بنيس. 33- التاجر الحاج محمد بن عبد الكريم آمرون. 34- الأمين سيدي محمد مرين الرباطي . 35- الحاج عبد القادر السراج. 36- المسن الحاج محمد الجرندي.
13- تقدر ب 55 س. م حسب الفريد بيل في الجريدة الأسيوية عدد مارس ـ أبريل سنة 1917 م، وهي التي كانت متداولة بالمغرب في قياس المنسوجات الحريرية والقطنية قبل استخدام القياس المتري.
والغالب أن وصف هذه القالة بالسوسية جاء من ظهورها أيام السعديين لتعدل القالة العنانية أيام المرينيين.
14-النطع بساط من الجلد، واستعملت النطعة هنا للبسط المتعارف التي توضع فوق الفراش.
15-المحرمة والنشير نوعان من المطرزات الفاسية القديمة.
16- تعبير عن أغشية الوسائد.
17-كان المقصود به نوع من الوسائد الحضرية كان يعرف بالمزود، ويقال فيه ـ أيضا ـ مزاد بالفصحى لكن دون ألف بعد الميم.
18- إزاران يعلقان على ركني البيت ليسترا ما خلفهما.
19-موضع البياض كلمة لا تقرأ.
20- هناك الشربية للخمار المنسوج من الحرير، وقد تكون منسوبة للشرب الوارد في النص فيكون ـ بدوره ـ من الحرير.
21-عبارة عن عقود من الحلي مخيطة في ثوب الزردخان أو ما يشابهه بعضها وق بعض، حيث تكون قطعة حريرية مستطيلة مرصعة بالعقود المتراكبة.
22- نقل الفراش لدار الزوج.
23- صندوق ملابس العروس وذخائرها، وقد كتبت الخرق في الحوالة بالألف بعد الراء وهو سبق قلم.
24- هو ما يعرف ـ أيضا ـ باسم المشبك.
25- ترجمته في الاغتباط، بتراجم أعلام الرباط لمحمد بوجندار، خ، ع. د 1287 ـ ج 2 ص 137 ـ 138.
26-ترجمته في سلوة الأنفاس ج 1 ص 253 ـ 254.
27- ذكره الزياني ضمن الورافين لدى السلطان العلوي المولى سليمان، حسب «جوهرة التيجان» خ.ع. ك 112.
28- ترجمته في سلوة الأنفاس ج 1 ص 205 ـ 206.
29- وردت أسماؤهن هكذا:
 1- الحضارات
- عائشة الخلفية، ومعها: 8.
- الحاجة عيشة بن الكبير، ومعها: 6.
- العزيزة برايتة، ومعها: 5.
- الحاجة عائشة الحلوية، ومعها: 8
- حبيبة بنت مولاي عبد الله بن حسين.
- الصريدية معها أخرى : 2
2- الطبالات
- مينة السرغينية، ومعها: 6
- طامو البلبول، ومعها: 5
- عائشة الهوارية
- ورحمة التطوانية معها أخرى: 2

30- لباس خاص بالرأس اشتهرت به المرأة الفاسية، وبهذه المناسبة نسجل ما ذكره الرحالة الجزائري الشيخ عبد الرزاق بن حمادوش في رحلته للمغرب عام 1156 هـ، حيث يذكر أن نساء فاس يجعلن على رؤوسهن شبه عمائم كبيرة: من الحرير وأكثرها أما أبيض أو ملون، أو يتعممن بالشال الهندي أو بالشقة المصرية الجيدة، مخطوط خ، ع ك 463 ـ ورقة 60 ب.
ويوجد ضمن موضوعات الشيخ جعفر الكتاني رسالة تحمل اسم: «الألبان المودعة في الفوازيز، في حكم الله في استعمال الحناطيز»، وهكذا ورد اسمها ضمن لائحة مؤلفات كاتبها آخر فهرسته المنشورة بالمطبعة الحجرية الفاسية ـ م 7، ص 2.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here