islamaumaroc

شخصية الحسن الثاني من خلال الدستور المغربي الجديد

  دعوة الحق

135 العدد

  إن الذين يدرسون بإمعان ونزاهة نص الدستور الذي وضعه أخيرا جلالة الملك المعظم وقدمه للشغب المغربي ليقول فيه كلمته قبل أن يصبح نافذ المفعول يدركون إن كانوا يحكمون ضمائرهم الطاهرة، فيما احتوت عليه تلك الوثيقة من محاسن لا تنكر أن الدستور الجديد يكتسي لا محالة أهمية كبرى بالنسبة للحاكمين والمحكومين على السواء، وواضح أن الوثيقة المذكورة جاءت في وقتها لتملأ فراغا في الحياة السياسية والاجتماعية بالمغرب استمرت مدة خمس سنوات لا نستطيع الجزم ـ مهما قيل في محاسن حالة الاستثناء ـ بأن الأغلبية الساحقة من الأمة كانت راضية عليها، بل المفروض أن الطبقة النيرة من السكان كانت تستعجل زوال حالة الاستثناء وتعويضها بحياة نيابية عادية يطمئنون إليها ويعتمدونها، بناء على نصوص مكتوبة، في مباشرة عمالهم كلها داخل إطار واضح لا غبار عليه من الحرية والديمقراطية. وهذا ما جعل الشعب المغربي عن بكرة أبيه يرحب بالدستور الجديد ويصوت عليه بأغلبية لم يسبق لها نظير.
  ذلك أن الذين قدر لهم أن يخوضوا معركة الاستفتاء في الصيف الماضي يعلمون مقدار تحمس طبقات الشعب وإقباله على وثيقة الدستور إقبالا لا يمكن تعليله إلا بمحبته القوية للملك.
كما أن الذين تصدوا لمعارضة الدستور يعملون هم الآخرين مقدار الحرية التي كانوا يتمتعون بها وهم يعلمون ـ دون جدوى ـ على التنقيص من مزية هذه الوثيقة وإظهارها بما لم تشتمل عليه من نقص أو عيوب.
  والواقع الذي لا يقبل الجدل هو أن جلالة الحسن الثاني خطا بأمته، بوضعه للدستور الجديد، خطوة جريئة ترمي إلى تركيز قواعد الديمقراطية في البلاد مستوحاة من حضارتنا الأصيلة وديننا العريق كما تهدف إلى إرساء دعائم الحرية بيننا بما يضمن سعادة المواطنين والمواطنات كافة ومعنى ذلك أن الدستور جاء ليحقق لسكان هذا البلد الأمين رغبتهم في الإعراب عما لهم ـ باعتبارهم أحرارا في بلد حر ـ من حقوق طبيعية وعليهم من واجبات تؤكد من جملتها إيجابية الدستور المغربي وفعاليته من ذلك أن هذه الوثيقة جاءت لتنص على أن النظام السياسي في المغرب نظام ملكي دستوري ديمقراطي واجتماعي. هذه الكلمات الأربع تكتسي وحدها أهمية بالغة بالنسبة لمصيرنا جميعا فوق هذه الأرض الطيبة، بمعنى أن الحكم قائم مستمر لا يثنيه عن عزمه شيء، متجسم في شكل ملكية تعتمد على دستور مقبول من الأغلبية الساحقة من الشعب ومعناه أيضا أن الحكم المنبثق عن هذا النظام تتمخض عنه بالطبع حياة ديمقراطية اجتماعية، وهو نظام يمكن المواطنين والمواطنات من المشاركة في الحياة العامة بنصيب يضمن لهم العيش ويساعدهم على الاندماج في نظام اختاروه لأنفسهم بمحض إرادتهم وأقبلوا عليه عن رضى وطيب خاطر لما في ذلك النظام من محاسن ومزايا لا تنكر ومن خصائص الدستور الجديد أنه أعطى السيادة للأمة تمارسها بواسطة المؤسسات الدستورية كمجلس النواب والمجالس البلدية والقروية بحيث تبعث إلى هذه المجالس من ينوب عنها ويدافع عن حقوقها كما أنه أعطاها الحق في أن تسحب منهم ثقتها كلما حادوا عن الخطة التي أشارت عليهم باتباعها، وهناك جانب بجسم في هذا الدستور الأهداف الديمقراطية التي تسعى الدولة لتركيزها في البلاد هو جعل المغاربة أجمعين سواء أمام القانون، والواقع أن الدستور إنما جاء ليؤكد هذا الحق لأن القوانين المعمول بها منذ سنوات في المحاكم المختلفة وفي المحكمة العليا على الأخص كلها تشير بصراحة إلى أن المتحاكمين جميعهم أمام العدالة، ويكفي المغاربة فخرا واعتزازا وجود محكمة عليا في البلاد ـ تدعى بالمجلس الأعلى للقضاء ـ مستقلة كل الاستقلال همها النظر بنزاهة وإخلاص في كل ما يقدم لها من قضايا تتعلق بحياة المواطنين على اختلاف طبقاتهم، عملا بالمبدأ الذي أعرب عنه صاحب الجلالة في غير ما مرة حيث قال: "ما زال العدل يستأثر باهتمامنا وينال حظا وافرا من عنايتنا، لا لأنه أساس الملك فحسب، بل لأنه حق مقدس يجب أن يتمتع به كافة الأفراد والجماعات".
 أضف إلى ذلك ما سطر في الدستور من أن الإسلام دين الدولة وقد نزل بلغة قريش فكان من الطبيعي أن تكون اللغة الأصلية في المغرب هي لغة القرآن الكريم.
 أما فيما يتعلق بالحياة التنظيمية للمجتمع المغربي فيجب أن نشير في هذا المقام إلى أن الدستور أعطى المرأة المغربية نفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل، بل أعطاها القانون الجديد ما لم تعط من الحقوق السياسية أو الاجتماعية غيرها من النساء حتى في الدول التي تعتبر متقدمة من الناحية الصناعية والتكنولوجية، والدليل على ذلك لأن هناك دولة أوربية عريقة في الحضارة والتقدم ومع ذلك لم تمكن المرأة من ممارسة الحقوق التي يمارسها زوجها فيما يرجع إلى تربية الأطفال وتوجيههم إلا منذ زمن قريب، كما أن هناك دولة أوربية أخرى تعتز بما أحرزته من تقدم ورقي، ومع ذلك فإنها لا تسمح لحد الآن لنسائها حق التصويت الذي تتمتع به المرأة المغربية على الإطلاق وتمارسه بحنكة ودربة تدلان على رجاحة عقلها واتزان مزاجها. أفيقال بعد هذا أن الدستور المغربي لم يأت بشيء جديد بالنسبة للحياة الاجتماعية في المغرب؟ ومن يستطع القول بأن الدستور لم يأت بشيء مفيد وهو الذي ينص صريحا على ضمان أنواع الحريات لكافة المواطنين، حرية التجول وحرية الرأي وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة سياسية أو نقابية يختارها المواطن لنفسه؟!أليس الدستور هو الذي نص بوضوح على تحريم انتهاك المراسلات؟ ألم يذكر الدستور أن لكل مواطن أن يتقلد ما شاء من المناصب مهما كانت عالية إلا على شرط واحد هو أن تكون للراغبين فيها من المؤهلات ما يرشحهم لتقلدها عن جدارة واستحقاق؟ ألم يعك الدستور أفراد الشعب الحق في التربية والتعليم وممارسة الشغل وحقهم حتى في الإضراب عن العمل بشرط ألا يكون ذلك سببا في عرقلة الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد؟ ألم يكن لهذا الدستور الفضل الأكبر في أنه أقر قانونيا حق الملكية لكل من استطاع أن يملك بالطرق المشروعة مع العلم أن نزع هذه الملكية لا يمكن أن يقع إلا في أحوال خاصة وطبقا لمقتضيات أوضحها القانون؟.
 تلك هي جملة من الحقوق التي كان لجلالة الحسن الثاني الفضل، وأي فضل، في وضعها وتقديمها لشعبه الوفي طبقا للوعد الذي ضربه على نفسه الكريمة، وغني عن التوضيح أن الوفاء بالوعد من شيم القلوب الكريمة والعامرة بذكر الله. هذا ولقد نص الدستور كذلك على طائفة من الواجبات التي تقع طبعا على كواهل المواطنين كواجب مساهمتهم في الدفاع عن الوطن وضرورة تحمل نصيبهم من التكاليف التي لا يفرضها إلا القانون على المواطنين.
 يستنتج إذا من هذا كله أن نص الدستور الذي قدم للأمة المغربية لتقول فيه كلمتها بالرفض أو القبول، فأقبلت عليه ورضيت به قانونا تسير بمقتضاه وتنظم شؤونها دينا ودنيا بما جاء في نصه ومحتواه دستور إيجابي فعال نظرا لما جاء في طيه من حقوق لفائدة المواطنين وأوضحه من واجبات لا يستطيع المخلصون من أبناء هذا الشعب إلا أن يتقبلوها بمنتهى الموافقة والحماس، ذلك لأنهم يعلمون أن الحسن الثاني، الملك الصالح المصلح، لا يقبل على أمر إلا كان فيه سعادة أبناء شعبه، ولا يفكر في مشروع إلا كان فيه لذلك بوادر الخير لكافة طبقات أمته، هذه الأمة التي أجمعت على حبه طبقا للميثاق الذي جمع بينها وبينه بصورة أكدت التحام الملك والشعب.
 من أجل ذلك كان التصويت على الدستور من طرف الأمة قاطبة بالموافقة على كل ما نصت عليه بنود الدستور، فكان هذا الإجماع بمثابة برهان آخر على وحدة الصف بين المواطنين والتفافهم حول ممثل الدولة العلوية الشريفة وقائدها المظفر الذي آل على نفسه أن يسير قدما إلى الأمام بهذا الشعب العزيز إلى ما يرجوه ويتمناه من تقدم ورقي وازدهار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here