islamaumaroc

لقاء بين العرش والشعب

  دعوة الحق

135 العدد

 من السنن القائمة والعادات الجارية في هذه المملكة الشريفة تنظيم لقاء رسمي بين العرش والشعب في مبتدأ شهر مارس من كل سنة وشعار هذا اللقاء، عيد العرش، فيتبادلان فيه التحية والإخلاص بوجه عام وليس بوجه خاص- ويظهر الشعب بإقامة احتفالات واسعة النطاق تعبر عن الصفا والولاء، والحمد والثناء، ويقوم العرش بشرح السياسة العامة وتوضيح مراميها، وعرض آثارها في الداخل والخارج ليكون الشعب على بينة مما يروج في داخله من انجازات واستثمارات – وعلى بصيرة مما يجري في خارجه من اتجاهات واتصالات، وبذلك يتبين وجه التقدم في دواليب الدولة وأجهزتها – ويتلمس سر السياسة في مقدماتها ونتائجها.
ومثل هذا اللقاء الذي يتخلله اعتراف الشعب بفضل العرش واعتراف العرش بحق الشعب يعتبر شعورا بواجب المسؤولية، وإحساسا بخلق «الديمقراطية»
 وحياة تقوم على هذا الإطار وتنهج هذا المنهاج فتعرب من حين لآخر عن تبادل المشاعر وتجاوب الضمائر – وتكافئ المعروف بالمعروف، وتشرح الأحوال والظروف، لا تزيدها الأيام إلا تعميقا لجذور الوحدة وتمكينا من التغلب على العسرة، وذلك ما ينبئ عن حكمة القيادة، ورشد السياسة، ويكشف عن الدقة والمهارة في تصريف الشؤون العامة، وتخطيط النظم الهامة، ولاسيما النظام التقني الذي يلوح بمعالم النهضة، ويحاول إيجاد الشواهد على مدى نمو المرافق الحيوية، والميادين الضرورية، كالفلاحة والسياحة والأبحاث الجيولوجية، وما إلى ذلك من موارد الثروة الطبيعية.
 وان من يعترض حياة المغرب القائمة على الوضع العربي والنظام الإسلامي من مشاكل أوحت بها طبيعة النظام الجديد، وإرادة التحول والتطور، لا تحول الوجوه عن قبلتها الأولى إذا كان ذلك يرجع إلى الشكل والصورة لا إلى الذات والجوهر – وما دام المغرب يقوده مومن مسلم كالحسن الثاني يحتفظ بشخصيته وعقيدته، ويحس بمقوماته ومميزاته فإنه سيظل إن شاء الله قائما على جادة الطريق وإن كانت هناك نوازع سياسية وجواذب اقتصادية وأفكار ثورية قد لا تترك الاختيار للنظام الأصيل والتاريخ الطويل المستمد من طبيعة البلد وشريعته وحاجاته.
 والقوانين والتشريعات أيا كانت لا تنبع إلا من هذه العناصر الذاتية والمواد الأساسية – إلا أننا لا ننكر أن الكائنات من لعات وحاجات قد تتجاوب فيما بينها وتتعاون مع بعضها بعضا، وهذا التجاوب والتعاون لا يعني الاستسلام والانهزام أمام الكائنات الأجنبية، ونحن لا نمانع في التعاون بين الكائناتإذ آمنا بشخصيتنا، ووثقنا بحضارتنا، وصنعنا عقولا ترفع من مكانتنا وصمدنا في وجه الضغط والقوة وبقينا أقوياء أشداء لا ننصرع ولا نتضرع كما أنه يمنعنا مانع أن نسير بعقيدتنا مع غيرنا إذا كان يحترم شعورنا واستقلالنا ولا يستضعف وجودنا وعقولنا.
 وحقا أن نبوغ العرش العلوي الذي ما فتئ يعمل بقوة وشجاعة لصالح الوطن وإسعاد الشعب في شتى الميادين – استطاع أن يحاول الجمع بين الحسنيين، والتوفيق بين الحضارتين، فهو يواكب ركب الحضارة الحاضرة، وفي ذات الوقت يراقب الحضارة التي تشكل ارتباط التاريخ بعضه ببعض حتى لا تتسنى مقوماتها ولا تمس مبادئها فجلالة الحسن الثاني بعبقريته وفلسفته يجمع بين المقامات ويعرف كيف يستفيد من الحضارات، وهي مبدئنا لا تختلف في المحاسن والأصول بل من شأنها أن يلقح بعضها بعضا، وأيا ما يكون فلا غنى للإنسان عن رياضة روحية وفكرية ومادية، ولا كمال له إلا بوجود هذه الرياضات كلها، وتعاونها على الحياة بأسرها، وذلك ما يسخر له عاهل البلاد نفوذه ويصرف فيه جهوده – ولذلك كان من النظر السديد أن لا يخرج التعليم الديني عن أصله، وإن لا يصير إلى قراره ومستقره.
 إذ لا يغيب عن الأذهان أن أول مظهر من مظاهر التقدم والسيادة يتجلى في العناية بمراحل التربية والتعليم ورعاية شؤونهما والعمل على تنميتهما – ذلك أن الإنسان مدني بطبعه لا يمكنه أن يعيش إلا مع غيره، والله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا عن حياته، ثم علمه بلسان قومه، ويسر له أن يكتسب التربية من منابعها، وأن يتعاطى المعرفة ويأتي البيوت من أبوابها، فكانت التربية لذلك أساسا ومفتاحا لكل تفاهم وكل تعاون – فإنسانية المرء تساعده في أغلب الأحيان على إنجاز مسؤولياته، وتحقق له إنجاح معاملاته.
 ووحشيته ورداءة طقسه قد تعرقل أعماله وتخيب مساعيه، وكذلك المعرفة هي أصل كل مصلحة وكل معجزة في الأرض أو في السماء، ومن ثم كان الإسلام يقدس العلم بإطلاق ويرعاه على العموم – والعلوم الطبيعية التي كان يتحاماها المسلمون من قبل هي من العوامل لتي أخرتهم وجعلتهم يعيشون على الهامش – ولحق أن العلم شيء والعقيدة شيء فقد يعلم الإنسان الشيء ولا يعتقده كما نعلم ما تؤديه هذه العلوم في هذا العصر ومع ذلك فلا يعتقد مسلم أنها فاعلة بذاتها بل بإذن الله كما قال في الريح المدمرة «تدمر كل شيء بأمر ربها» وأخذ هذه العلوم تدريجيا باللغة القومية أجدى وانفع إذ تزيد في التربية وقوة الشخصية، وتحافظ على العقائد والتقاليد كما هي أينما انطلقت وقد تبلغ إلى العمق وتأخذ بناصية الأشياء، وفي هذا ما يفتح أبواب المعرفة، وآفاق الحضارة ويجمع بين سياسة الدين والدنيا، وذلك قول الشاعر العربي :
                         ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا
                                            وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل
      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here