islamaumaroc

البلاط المغربي في المجالين الروحي والزمني

  دعوة الحق

135 العدد

خلال ما يقرب من اثني عشر قرنا وربع قرن كان العرش المغربي وما يزال يعمل في تناسق تام وتوافق عجيب على القيام برسالتين هامتين اعتبرهما سلاطين المغرب وخلفاؤه على مر العصور واجبا مقدسا يجب أداؤه والحفاظ عليه باستمرار. الرسالة الأولى روحية دينية، والثانية دنيوية زمنية. ذلك أن الإسلام دين ودنيا، وأن أمير المؤمنين خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الأمة كان يعتبر نفسه ويعتبره المسلمون المسئول الأول عن أداء الرسالتين معا.
فبمقتضى الرسالة الروحية كان الخليفة يؤم الناس في الصلاة، ويقودهم في ساحة الجهاد، ويعمل على تأمين نشر الدعوة المحمدية واللغة العربية والحضارة الإسلامية بمختلف الوسائل العلمية والتربوية. وبمقتضى الرسالة الثانية كان يسهر على تأمين حدود الدولة، وتوفير الأمن والسلام والوحدة الوطنية وحمايتها من كل من يحاول الإخلال بشيء من ذلك، وذلك بكل وسيلة ممكنة، إن سلما فسلم وإن حربا فحرب.
وقياما بالرسالة الروحية نرى ملوكنا في مختلف العصور الإسلامية بما فيها العصر الحاضر يعملون على استيعاب ثقافة عصرهم، وعلى إعداد أنفسهم إعدادا رائعا لدرجة أن كثيرا منهم يصبحون أدباء وشعراء وفقهاء وعلماء ومؤلفين ومدرسين وأطباء وفلكيين وهلم جرا، كما يعملون من جهة أخرى على توعية شعوبهم وتثقيفها وترقيتها وتقريب المثقفين من أبنائها وتشجيع النابغين منهم وإبرازهم إلى الوجود خنقا جديدا.

في البلاط العلوي
البلاط العلوي مثانة العلوم والمعارف المختلفة، والملوك العلويون نماذج حية للملوك الذين حافظوا على التوازن السليم بين السلطتين المشار إليهما آنفا. وما أظن القراء في حاجة ماسة إلى التمثيل بمجهودات مولاي محمد بن عد الله العلمية وتآليفه القيمة، أو بمجهود مولاي سليمان الثقافية، أو بمنشورات مولاي عبد الحفيظ وأعماله الشعرية والنثرية، أو إحياء مولاي الحسن الثاني لمعالم التراث المغربي وتنظيمه لدروس ليالي رمضان التي تضم في محافل علمية علماء المغرب بالمشرق ووجهاءهما ثم ختمه لتلك الدروس بدروسه النموذجية التي ما زالت صورتها مائلة لعيان من شاهدوها، أو مدوية في آذان من استمعوا إليها بواسطة أجهزة الإذاعة.
ويطول بنا الكلام لو أردنا تتبع نشاط ملوك يستحق كل منهم أن يكون موضوع كتاب مستقل، لذا نرى لزاما علينا أن نقتضب القول اقتضابا، وأن نختصره في كلمة جامعة هي أن ملوك المغرب كانوا في مختلف عصوره الأدبية ـ بما قاموا به من أعمال وصدروه من تأليف، وتصدروه من مجالس تعليمية ـ يرمون في الدرجة الأولى إلى توفير مادة التعلم والتعليم للطلبة وللعلماء المغاربة على السواء، كما كانوا يهدفون إلى أن يعطوا من أنفسهم لشعوبهم الأسوة الحسنة، ومثال الكامل للملك الكامل.

في البلاط المريني
وإذا رجعنا إلى الوراء، وتخطينا ـ مستسمحين ـ الأسرة السعدية المالكة وبلاط مولاي أحمد المنصور الذهبي(1578 ـ 1603 م)ذلكم العالم الشاعر المؤلف، إلى الأسرة المرينية، وجدنا أنفسنا مضطرين للوقوف عندها وقفة خاصة حيث أن البلاط المريني كان في القرن الثامن الهجري منارا يهتدى بها، ومدرسة عليا يطمح إلى التعلم فيها والتخرج منها شخصيات لها وزنها في تاريخ الفكر الإنساني على العموم. ويكفي تلك المدرسة فخرا أن تنجب وتبرز على نطاق عالمي شخصيات أمثال ابن بطوطة وابن الخطيب وابن خلدون.
ونلحظ في البلاط المريني ملكين بلغ المغرب في عهدهما أوج الازدهار السياسي والثقافي معا وهما:
1 ـ السلطان أبو الحسن على بن أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب المريني (731 ـ 752 = 1331 ـ 1351) فقد كان عالما شاعرا يعز العلم ويعتز بالعلماء. وصفه لسان الدين ابن الخطيب في كتابه «رقم الحلل في نظم الدول» بأوصاف منها القيام بالتدريس إذ قال عنه:
ممهد الملك ومسدي المـنـن
وواحد الدهر وفحر الزمـن
باني المباني النخبة الشريفة
بمقتضــى همتــه المنيفــــة
وتارك المدارس الظريفـــة
شاهـــدة بأنـــه الخليفــــــة
وقاطع الدهر بغيــر لهـــــو
في مجلس معظـم أو بهـــو
أما لتدريس وعلــم يــدرس
أو لبلاد من عــدو تحــرس
 ولم يترك أبو الحسن المدارس المشيدة في مختلف مملكته الواسعة فحسب، بل ترك ظاهرة علمية صارت بعده بمئات السنين مثالا يحتذى، وأعني بتلك الظاهرة ذلك النوع من المدارس المتنقلة، فقد كان رحمه الله يصطحب معه جماعات العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمحدثين والفلاسفة في رحلاته وحملاته العسكرية، كما كان يلزمهم حضور مجلسه العلمي في الحضر أثناء الإقامة.
ففي حملته على تونس (748 ـ 750)صحب معه جماعة كبيرة من الفقهاء والعلماء والكتاب والأشراف والخاصة، يذكر ابن خلدون نهايتهم المحزنة قائلا: «هلك كثير منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق، وتخطت النكبة منهم آخرين، إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم(1)» وكان من هؤلاء جماعة درس عليهم ابن خلدون 732) ـ (808 ـ وهو ما زال لم يبرح التراب التونسي ـ فذكرهم بمنتهى التجلة والاحترام وأشار إلى معارفهم الواسعة في ترجمته الذاتية «التعريف بابن خلدون»
هذا المثال المتمثل في إعزاز الفاتح لعنصر العلماء واصطحابهم معه في الظعن والترحال، احتذاه ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ نابليون بونابرت في حملته على مصر 1798) ـ (1799  فأخذ معه علماء وأدباء وفنانين. ولعل من غريب الصدف حدوث توافق عجيب بين الحملتين يتمثل فيما يلي:
 1ـ أصحاب الفاتحين للعلماء قصد تنفيذ أغراض الحملتين وابتغاء التأثير في البلاد المفتوحة وفي الشعب.
ب ـ إتمام عملية الفتح في أقرب وقت وعلى خير الوجوه.
ج ـ قصر زمن الحملتين.
د ـ فشل الحملتين في النهاية وقصورهما عن إدراك ما كانت ترميان إليه.
وإذا كان هناك فرق فيتمثل في ناحيتين:
1 ـ أن الأسطول المريني(نحو 600 سفينة)غرق بجميع من فيه تقريبا أمام ميناء تدلس Denys بإقليم تيزي أوزو بالجزائر، بينما نجا الأسطول الفرنسي بمن فيه ورجع إلى قواعده سالما.
2 ـ أن نابليون رجع إلى بلاده وهو يتمتع بشعبية عظيمة أهلته ليحتل عرش الإمبراطورية فيما بعد، بينما السلطان أبو الحسن الناجي من الغرق، عاد ليواجه حرب ولده الضروس، وليضطر في النهاية إلى الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، وإلى منح ولاية العهد وتجديد البيعة لولده الثائر أبي عنان.
2 ـ  السلطان المتوكل على الله أبو عنان (2)بن أبي الحسن المريني 749) ـ 759 = 1351 ـ (1358: قد لا يعلق بالأذهان من صور هذا السلطان العبقري ومحاسنه العديدة إلا تلك الصورة القاتمة في منسلخ ربيع الأول 749 ، والتي يحسبها البعض التي تتمثل في ثورته على والده بتلمسان ملكا للمغرب عقوقا لا مبرر له. غير أننا إحقاقا للحق ووضعا للأمور في نصابها نقول: إن أبا عنان كان مدفوعا إلى الثورة على أبيه دفعا، وذلك لعوامل أهمها:
1 ـ الإشاعات الكاذبة المرجفة بموت السلطان أبي الحسن في إحدى المعارك بتونس. أو ليست الفتنة اشد من القتل؟
ب ـ منجم من بين عبد الواد يدعى ابن جرار، كان قد تنبأ بأن أبا الحسن لن يعود من حملته، ولذا حينما وردت الإشاعات المرجفة استيقن أبو عنان صدق النبوءة، مع أن المنجمين كاذبون ولو صدقوا.
جـ ـ انتقاض سائر أطراف الإبراطورية، وحتى منصور بن عبد الواحد المريني (حفيد أبي الحسن وابن أخي عنان)ثار بفاس متظاهرا بأنه يستعد لإنقاذ السلطان أبي الحسن وفك الحصار عنه، بينما في الواقع كان يسر حسوا في ارتغاء، ويريد استخلاص السلطة لنفسه .
د ـ ولما تتضح الصبح لذي عينين، كان الركب قد فات، ووجد أبو عنان تصلب بني مرين من حوله، وصعوبة رجوعهم عما كانوا بصدده من تحقيق أهداف ثورتهم.
هـ ـ ثم أن أبا عنان كان يتحلى بفصات عالية من شأنها أن تأهله ليخلف إياه في الملك طال العهد أو قصر. في حين أن أمه المسيحية الأصل «شمس الضحى» كانت حظية أبي الحسن وأثيرة لديه، فلا داعي للقلق على مستقبل ابنها بأي حال من الأحوال. ورغم كل هذا فإن أبا عنان الطيب القلب الذكي الفؤاد، لما سنحت له الفرصة، عرف كيف يعتذر لأبيه وكيف يلتمس منه العفو والرضى، فرضي عنه ومنحه ولاية عهده، وبيعته.
ولد أبو عنان بفاس الجديد في 12 ربيع الأول 729 14( يناير 1329) وعاش ثلاثين سنة وتسعة أشهر واثني عشر يوما (بالتوقيت القمري)، وملك عشرة أعوام وتسعة أشهر (3)تقريبا كانت كلها حافلة بالأعمال الجليلة، ولو طال به العمر لنال المغرب على يديه الشيء الوفير، ولكن موته كان نكسة للنهضة العلمية ونكوصا للسلطة الروحية، حيث أفضت أزمة الأمور إلى الوزير الحسن بن عمر الفودودي، وبذلك افتتح عهد الاستبداد الوزاري، وبدأ معه عهد تصاعد الأطماع وانحلال الدولة وتفكك أجزائها.
ولا نطيل هنا بذكر أوصاف أبي عنان الخلقية والخلقية التي يمكن الرجوع إليها مثلا في روضة النسرين للأمير ابن الأحمر، وإنما يهمنا في هذا المجال التنويه بنفسية أبي عنان وروحه العلمية التي أطراها المؤرخون والشعراء. قال أبو بكر بن جزي في قصيدة طويلة: 
آثار مولانـا الخليفـة فــارس
أكرم بها في المجد من آثار!
لا زال منصور اللواء مظفرا
ماضي العزائم سامي المقـدار 
وقال ابن الخطيب في «رقم الحلل» واصفا بعض خصال أبي عنان 4 م:
وخلص الأمر لكـــف فــارس
يأتي الزوايا الكثر والمـدارس
واحد آحاد الملـوك العظمــــا
ومطلع النصر إذا ما أقدمـــــا
ومخجل الغيث إذا الغيث همى
وعلــم المــلك ومــلك العلمــا
أوجب حـق الشعــر والكتابــة
فأملـــت أعلامـــهـــا جنابــــه
واستجلــب الأمائــل الكبـــارا
والنبهـــاء العليـ ـة الأخيــــارا
يجبرهم على حضور الدولــة
فهــم بدور وشمــوس حولـــه
أبو عنان أستـاذ ابــن خلــدون
 أبو عنان أستاذ ابن خلدون
  سبق أن أشرنا إلى أن ابن خلدون لمع نجمه، وبعد صيته، ونال ما نال من الشفوف والرياسة في بلاط بني مرين. فقد كان أبو عنان ـ مثل والده ـ يجلب كبار العلماء إلى قاعدة ملكه، ويجبرهم على حضور مجلسه العلمي فيعطون الدروس ويتلقونها، وكان ممن شملهم الطلب الإجبار ابن خلدون. ونعتقد أن ابن خلدون ـ وهو رجل العلم والبحث وطلب المزيد منهما على الدوام ـ لم يكن هذا الإجبار بالنسبة إليه إلا إشباعا لنهمه العلمي وطموحه السياسي، وتحقيقا لهدف ظل يسعى له ويعمل من أجله منذ نشأته الأولى.
  ولندع ابن خلدون يصف لنا بقلمه كيف اتصل بأبي عنان وكيف قربه منه. قال: »وعاد السلطان « أبو عنان إلى فاس ) أي من تلمسان( وجمع أهل العلم للتحقيق بمجلسه، وجرى ذكري عنده، وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ووصفوني له، فكتب إلى الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه سنة خمس وخمسين، ونظمتني في أهل مجلسه العلمي، والزمني شهود الصلوات معه، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي«.(6)
 قد لا يكون في هذا أمر جديد، فابن خلدون ـ مثل سائر طلبة العلم أو العلماء ـ يحضر مجالس السلطان العلمية، ويستمع إلى الدروس التي تلقى، ولكن الجديد هو أن السلطان أبا عثمان كان يقوم بالتدريس في هذه المجالس، وأن ابن خلدون درس عليه بعض كتب الحديث، وبالتدقيق درس عليه كتاب الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، وكاد يكمله عليه، وما لم يكمله منه أجازه فيه بالطريقة المعروفة والكيفية المألوفة في الإجازة.
ولا يتبادر إلى ذهن أحد أني أجازف في القول أو أرمي الكلام على عواهنه، أو أني استنتجت ما تقدم استنتاجا، ضرورة أن السلطان أبا عنان كان يدرس صحيح البخاري، وأن العلامة ابن خلدون كان يحضر الدروس ضمن موظفي القصر، بل أن الأمر حق وصدق، وحقيقة واقعة لا مجرد حزر وتخمين، والحجة على ذلك دامغة لا تقبل أي جدل أو ريب، وسأدلي بها بعد قليل.
لم يكن تصدي أبي عنان التدريس تطاولا أو استهتارا بجماعات العلماء الذين كانوا يتحلقون حوله، إنما كان عن جدارة واستحقاق، فها هو ذا أحد معاصريه يصفه وصف شاهد عيان ويشير إلى أنه كان ».. حسن الثقافة، وكان فقيها يناظر العلماء الجلة فيصيب ويخطئهم، ومعرفته بالفقه تامة، وكان عريفا بالمنطق وأصول الدين، وله خط صالح من العربية والحساب، وكان حافظا للقرآن، عارفا بتأويل منسوخه، كثير التمثيل بآيه، حافظا للحديث، عارفا برجاله، فصيح القلم، كاتبا مرسلا بليغا، حسن التوقيع(7) .
 نحن إذن أمام »عالم الملك وملك العلماء« على حد تعبير ابن الخطيب. وإذا كان الأمر كذلك فلا مناص من أن ينهل فيلسوفنا ابن خلدون من هذا المنهل العذب فيأخذ عن السلطان أبي عنان ما كان يدرسه من علوم في مجالسه العلمية التي اجتهد أن يجمع لها أكابر العلماء من مختلف أنحاء المغرب العربي والأندلس.
أما الحجة الدامغة المشار إليها من قبل فيقدمها لنا العلامة أبو جعفر أحمد بن علي البلوي في ثبته الذي توجد منه في مكتبة دير الاسكوريال نسخة وحيدة في العالم، والذي كان موضوع رسالتي لنيل الدكتوراه من جامعة غرناطة. قال البلوي وهو يستعرض أساتيذ شيخه علامة تلمسان أبي عيد الله محمد بن مرزوق 824) ـ(901   في رواية كتاب الجامع الصحيح للبخاري:» ج قال السيد الإمام أبو عبد الله والد شيخنا) يقصد ابن مرزوق الحفيد 766ـ 842) رضي الله عنه: وحدثني به (يعني صحيح البخاري)أجازة أيضا الكاتب الأبرع قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون قال: سمعت معظمه على السلطان الكبير أمير المسلمين أبي الحسن قدس الله روحه بدار ملكه من فاس في مجالس متعددة وأجازني سائره. حدثني (أي أبو عنان) به عن جماعة من الأشياخ الذين كتبوا له بالإجازة من الديار المصرية وغيرها».
ويعلق البلوي على هذا الكلام بما يلي: «قلت: وقد خرج له (أي لأبي عنان) السيد الخطيب جد شيخنا رضي الله عنه جزءا يحتوي على أسانيده في هذا الكتاب وفي باقي الكتب الستة سماه «العقد الثمين»، وأعلى أسانيده في هذا الكتاب ما كتب له به المعمر أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي سنة سبع ـ بتقديم السين ـ وثلاثين وسبعمائة من المسجد الحرام بسنده المذكور«(8).
وهنا تنسائل: هل كتم ابن خلدون نبأ تلمذته على السلطان أبي عنان عن سبق إصرار ولحاجة في نفسه منه، فلم يذكرها لا في كتاب «العبر» ولا في «المقدمة» ولا في«التعريف»؟ أم أن المسالة محض صدفة أو مجرد اختصار في ذكر مشائخه؟ ولقد عودنا ابن خلدون أن يذكر أساتذته بتدقيق، وخاصة أولئك الاختصاصيين في مواد تدريسهم أو الذين لهم مكانتهم المرموقة في طبقات المجتمع. ولا ريب أن السلطان أبا عنان ذلك الشاب النابغة المتبحر في كثير من العلوم والمعارف، كان من يحسن التنويه بالتلمذة عليهم، ومع ذلك لا نجد من ابن خلدون إلا السكوت المطبق.
لقد ذكر أساتذته بتونس في كتابه «التعريف» معقبا بقوله:«هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن من أشياخنا وأصحابنا، وليس موضوع الكتاب الإطالة، فلنقتصر على هذا القدر(9)». وحينما عدد أساتذته في المغرب ممن كان يضمهم مجلس السلطان أبي عنان، لم يذكر من بينهم السلطان نفسه، وختم قائلا: «.. إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة»(10)
 قد يقول قائل: إن كلمتي «آخرين وآخرين» تتضمن السلطان ولا ريب. ولكن هذا لا يحل إشكالا بل هو إمعان في الإهمال ونكران الجميل. فما السبب إذن يا ترى آ قد يكون هنا سببان لا ثالث لهما:
أحدهما: يتمثل في العامل الزمني، ذلك أن الرجلين أبي عنان وابن خلدون متقارب يكاد يكون واحدا لولا فارق الثلاث سنوات التي يكبر بها السلطان كاتب سره العظيم. عامل الزمان ـ كالمعاصرة ـ كلاهما حجاب.
 والآخر: يتمثل في تغير السلطان على ابن خلدون والزج به في السجن مدة حال فيها مرض السلطان ووفاته دون تنفيذ وعده بإطلاقه، فلم يسرحه بعد ذلك إلا الوزير الفودودي الذي استلم زمام السلطة. ويشرح لنا ابن خلدون سبب حبه فيقول: وكانت قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم، وغفلت عن التحفظ في مثل ذلك من غيرة السلطان.. حتى أنمى إليه بعض الغواة أن صاحب بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده... فانبعث السلطان لذلك وبادر بالقبض عليه. وكان فيما أنمى إليه أني داخلته في ذلك فقبض علي وامتحنني وحبسني».
وإذا كان الكاتب المقتدر أمين الريحاني في كتابه «رحلة المغرب الأقصى» غير مقتنع بوجاهة سبب محنة ابن خلدون، فإني أرى أن هذه المحنة ـ خصوصا بعد أن برئت ساحة ابن خلدون ووعده السلطان بالتسريح ـ سبب غير وجيه للتنكر لحقيقة علمية ينبغي ذكرها رغم كل الظروف والملابسات المعاكسة.

  
1-
التعريف، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 45.
2- معظم المؤرخين والشعراء من عصر المريني وغيره يوردون إسم أبي عنان على أنه فارس، غير أن الأمر اختلط على بعضهم   فحسبوه عبد العزيز. وممن وقع في هذا الالتباس العلامة أحمد بن القاضي في درة الحجال، الترجمة رقم  1.046 طبعة الرباط 1936 كما اختلط على المقري في أزهار الرياض جـ 1 ص 291 فجعل أبا فارس عبد العزيز ابنا لأبي الحسن مع أنه ابن ابن ابنه (عبد العزيز بن أبي سالم بن أبي الحسن)

3-لا تسعة أعوام وتسعة اشهر كما ورد في التعليق على ص 205 من الاستقصا جـ 3 ط. دار الكتاب بالبيضاء
4- الاستقصا جـ 3 ص 206 ـ 207
5-التعريف بابن خلدون ص 60 ـ 61 .
6-الأمير إسماعيل بن الأحمر: روضة النسرين في تاريخ بني مرين. طبعة باريس ص 23
7-أبو عبد الله محمد بن مرزوق المعروف بالخطيب وبالجد( 710 ـ 781) هو مؤلف «المسند الصحيح الحسن من أخبار السلطان أبي الحسن. وكان أثيرا لدى أبي عنان يسرد الكتاب في مجسه العلمي ويتولى التدريس بدلا منه إذا غاب، أما في بلاط أبي سالم بن أبي الحسن فكان مسيطرا ومنافسا خطيرا لابن خلدون».
8-الثبت: مخطوط الاسكوريال وجه 22 ب
9-التعريف ص 56 .
10- التعريف ص 68 ثم ص 69.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here