islamaumaroc

حول حقيقة الإيمان وزيادته ونقصانه

  دعوة الحق

135 العدد

 ...حيث دار حوار بين العلماء بالمغرب عندما تعرض صاحب الجلالة في أحد دروسه القيمة في اختتام الدروس الحديثية التي تلقى بحظرته لحديث جبريل عليه السلام الذي تضمن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان...

 من المعلوم أن البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام قد أحدثت ثورة اجتماعية كبرى في العالم العربي أولا وفي سائر العالم القديم ثانيا سواء في المعتقدات أو المعاملات أو آداب السلوك العام حيث رفعا هذه الشريعة الإسلامية من قيمة الإنسية وقدر الإنسان ونزهته أن يعبد الأصنام والنار أو يعتقد الإشراك مع الله بمن لا ينفع ولا يضر، أو يتخذ الوسطاء فيما بينه وبين خالقه كما يزعم الكهنوتيون، فسما قدر الإنسان في الوجود حتى وقفت البشرية مشدوهة أمام ما أحدثه الدين الإسلامي من الارتقاء في الأفكار، والسمو في الاعتقاد، وتجديد الحضارات والثقافات والعمران، والتصرف في العلوم القديمة الموروثة عن اليونان والفرس والهند والسريان، تصرف المسلمون في تلك العلوم كما هو معروف بالأنظار الثاقبة والأفكار النيرة فبدلوا أولا جهودا شاقة في نقلها إلى اللسان العربي، وخدموها خدمة جلى إبان ازدهار الدولة العباسية في المشرق، والدولة الأموية والموحدية في الأندلس والمغرب، وأنشأوا قواعد مبتكرة لتنظيم اللسان العربي في التصريف والإعراب والأسلوب والتعريف للمصطلحات العلمية القديمة كما نظموا المعاجم اللغوتة حفاظا على اللغة الأصيلة بعد اختلاط العرب بغيرهم من الأمم فكانت نهضتهم تجديدا لحضارات الأمم السالفة على اختلاف أشكالها وألوانها.
 كان كل ذلك من آثار الرسالة المحمدية في الوجود التي تعتمد قبل كل شيء على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، تلك العقيدة التي تدفع المومنين بها إلى العمل الصالح بوحي من ضميرهم الديني ومن تربيتهم العملية على اعتبار العمل بتلك العقيدة الإسلامية الطاهرة عاملا فعالا في سلوكهم، وتنظيم اجتماعهم على أساس من التعاون على البر والتقوى، من غير اعتبار عنصر ولا لون ولا جنس، فكانت الفتوحات الإسلامية مزدوجة فتوحات للأقطار لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة المحمدية، وفتوحات علمية خدمت العلوم والحضارات مع ابتكارات عالية في ميدان الرياضيات والفلك والطب التجريبي وغير ذلك فضلا عن تنظيم صاحب الجلالة في الدروس الحسنية التي نقام في شهر رمضان المعظم...
التشريع والقانون الإسلامي الذي لا يزال يظهر له الفضل عند دراسة القانون المقارن على غيره من الأنظمة سواء فيما يتعلق بتنظيم الأسرة أو التشريعات المدنية والجنائية والحربية أو في ميدان البر وإقامة دعائم الإحسان في المجتمع.
ولذلك كله اعتبر الصحابة وكثير من أئمة الأمصار الأعمال الصالحة جزء من الإيمان، وركنا من أركانه وحقيقته، إلا أن آفاق التفكير لما اتسعت في عهود النهضة الإسلامية، وأخذ المفكرون يطبقون المنطق في التعاريف والتصور للماهيات، اعتبروا حقيقة الإيمان على حدة، والأعمال التي يقتضيها الإيمان خارجة عن حقيقته، وإن كانت ثمرة له، وهو يستلزمها باعتبار ما تنطوي عليه العقيدة التي تدفع صاحبها إلى العمل...
ولعل الباحث عن هذا التفكير بجد ما يستند إليه في هذا التصور من نفس أحاديث الرسول عليه السلام، فقد أجاب عن سؤال جبريل، ما الإيمان بقوله: «إن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»، فلم يعتبر عمل الجوارح، وإن كان لفظ الإيمان كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية أفعال من الأمن فهو يقتضي طمأنينة وسكونا فيما من شأنه أن يستريب فيه القلب فيخفق ويضطرب، وهو يقتضي الاعتقاد الذي هو عمل القلب.
 كما أجاب الرسول عن سؤال جبريل عن الإسلام بقوله شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا فأعطى الأهمية لأعمال الجوارح وكثير ما يذكر الإيمان متبوعا بالعمل الصالح مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات والأصل أن يكون العطف للتأسيس بزيادة قضية جديرة لا للتأكيد لما تضمنه الكلام السابق.
ومن جهة أخرى قد يطلق الإيمان على جميع أعمال الخير وإن كانت تسمى شعبا وخصالا له سواء كانت اعتقادية أو عملية كقوله عليه السلام أن للإيمان لشعبا أعلاها كلمة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ومن جهة أخرى قد يثبت الإيمان لمن شهد لله بالوحدانية وصدق وأقر بما جاء عن الله عن طريق رسوله ثم مات قبل القيام بأي عمل لعدم اتساع الوقت ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.
 وهكذا اختلفت الأنظار بين السلف والخلف من أئمة الأمصار حول اعتبار العمل جزء من الإيمان داخل في حقيقته وماهيته أو اعتباره من مقتضاه ومستلزماته فقط بعد الصدر الأول الذي أجمع على أن الإيمان قول وعمل واستمر على هذا أهل الحديث حتى أنه روي بسند صحيح عن الإمام البخاري أنه قال لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء فما رأيت أحدا منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص وكذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية قول الحافظ ابن تيمية قول الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل بلا نية قال والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به، انتهى...
 وعندما نرجع إلى الإمام أبي حنيفة نجده يقول في كتاب الفقه الأكبر ما يأتي: الإيمان هو الإقرار والتصديق وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المومن به ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق، والمومنون مستوون في الإيمان والتصديق متفاضلون في الأعمال، والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام ولا يوجد إسلام بلا إيمان وهما كالظهر مع البطن والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها.
 وممن يقول بقول أبي حنيفة شيخ المتكلمين من أهل السنة أبو منصور الماتوريدي الذي شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة وهو قريب الشيخ أبي الحسن الأشعري وله تباع يسمون الماتوريدية فقد قال أبو منصور: قالت الشكاكية العمل من الإيمان وعن هذا قالت بزيادة الإيمان ونقصانه واحتجت بقوله تعالى:«فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا» إلا أنا نقول معنى الإيمان ها هنا التصديق إيمانا أي تصديقا إذ الإيمان بجميع القرآن واجب والقرآن كان ينزل على النبي عليه السلام آية آية وسورة فسورة فكلما نزلت آية وجب التصديق بها فمن لم يصدق بآية من القرآن فقد كفر كما لم يصدق بجميع القرآن فهذا تأويل الآية على ما بيناه.
 وكتب شارح كتاب «الفقه الأكبر» الشيخ أحمد المغنيساوي الحنفي على قول أبي حنيفة والمومنون مستوون في الإيمان والتوحيد قال بحسب المومن به كما مر و«التوحيد» أي نفي الشريك في الألوهية والربوبية والخالقية والأزلية والقديمية والقيومية والصمدية فمن نفى الشرك في بعضها دون بعض فهو مشرك لا موحد فلا يزيد التوحيد ولا ينقص من هذا الوجه أما من جهة التقليد والاستدلال فيزيد وينقص، كما كتب على قول أبي حنيفة متفاضلون في الأعمال ما يأتي أي في الطاعات الظاهرة والباطنة قال وهذا يدل على أن العمل الصالح ليس جزء من الإيمان لأن العمل يزيد وينقص لأن بعض الناس يصلي الصلوات الخمسة كلها وبعضهم يصلي بعضا وصلوات من صلى بعضا صلوات صحيحة لا باطلة وصوم من صام رمضان كله صوم صحيح وصوم من صام رمضان إلى نصفه صوم صحيح أيضا لا باطل وقس على سائر الأعمال من الفرائض والنوافل، والإيمان ليس كذلك لأن إيمان من آمن ببعض المومن به ليس بإيمان صحيح بل هو باطل كصوم من صام بعض يوم واحد ثم أفطر، قال: (والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى) في الصحاح التسليم بذل الرضى بالحكم والانقياد الخضوع والخشوع والتطاحن والتواضع فمعنى الإسلام هو الرضى بأحكام الله تعالى من الفرائض والمحرمات أي الرضى بحكم الله تعالى بكون بعض الأشياء فرضا وبكون بعض الأشياء حلالا وبكون بعض الأشياء حراما بلا اعتراض ولا استقباح (فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام لأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق قال الله تعالى«وما أنت بمومن لنا ولو كنا صادقين» أي بمصدق لنا، والإسلام عبارة عن التسليم ثم قال المغنيساوي وللتصديق محل خاص هو القلب واللسان ترجمانه وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح والاستدلال على هذه الدعوى قال رحمه الله ويدل على كون الإسلام أهم في اللغة كون المنافقين من المسلمين بحسب الشرع وما كانوا مومنين بحسب اللغة والشرع قال الله تعالى: «قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا» لوجود الاعتراف باللسان وهو إسلام في اللغة وليس بإيمان في اللغة لعدم التصديق بالقلب.
 وهذا التفصيل مذكور عند الحنفية وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة.
ومن جهة أخرى نجد الحافظ ابن حجر ينسب لأكثر المتكلمين إنكار أن الإيمان يزيد وينقص فإنه قال في شرح البخاري ذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة ولهذا كان إيمان الصديق (يعني أبا بكر الصديق) أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبهة وهذا الرأي المختار من طرف الإمام النووي يتلاقى مع قول أبي حنيفة وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المومن به ويزيد من جهة اليقين والتصديق.
وعلى ما ذهب به السلف وتابعهم على ذلك علماء الأمصار وخصوصا الإمام الشافعي يضع الفخر الرازي أشكالا حول تعريف الإيمان على مذهب السلف فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: لما صنف الفخر الرازي مناقب الإمام الشافعي رضي الله عنه ذكر قوله في الإيمان أنه قول باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان كقول الصحابة والتابعين وقد ذكر الإمام الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن لقيه استشكل الرازي قول الشافعي جدا قال شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه كان انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم.
 قال شيخ الإسلام والجواب عما ذكره سهل فإنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الإجراء يعني كبدن الإنسان من أصبع أو يد أو رجل ونحوه لم يخرج عن كونه إنسانا بالاتفاق وإنما يقال له إنسان ناقص والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون أن الذنب يقدح في كمال الإيمان ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء يعني عن الزاني والسارق وشارب الخمر ونحوهم فهذا المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب لكن يقولون بقي بعضه أما أصله وأما أكثره وإنما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه قال ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أكثر من نفورها من لفظ الزيادة لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضا متعددا عند من يقول بذلك وهم الخوارج والمعتزلة وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد فيثبتون واحدا لا حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب عز وجل ووحدانية صفاته عند من أثبتها منهم انتهى بواسطة نقل «المنار» المجلد التاسع.
 ويلاحظ على جواب شيخ الإسلام عن أشكال الفخر الرازي أما اليد والرجل لم تدخل في تعريف ماهية الإنسان حتى يقال أنه إذا فقدها لم يفقد حقيقة الهيئة التي تركب منها فإن حقيقته هي الحيوانية والناطقية وهي لا زالت موجودة رغم فقدان بعض الأعضاء غير الرئيسية أن التلازم بين الإسلام والإيمان الذي ذكره إمام أبو حنيفة وأتباعه وخصوصا الشيخ أبا منصور الماتوريدي يجمع في الما صدق بين رأي السلف والخلف حتى مع اعتبار أن العمل زائد على حقيقة الإيمان فيكون الخلاف بين السلف وأكثر المتكلمين خلافا في كل حال كما يقولون، قال شيخ الإسلام ابن تيمية «شرح العقيدة» الاصفهانية: فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق دون مقتضاه أو اسم للامرين يؤول إلى نزاع لفظي، أما نفي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر حين قيام هؤلاء بالأعمال المذكورة فهو داخل في باب تشديد الوعيد على من يأتي هذه الأفعال، وهو ظاهر في نفي الإيمان جملة، ويؤوله السلف على نفي الكمال، أما أبو حنيفة فيدخله كذلك في باب الأقل فضلا في العمل إذا كان فاعله يقوم بأعمال فاضلة أخرى لأن المومنين منفاضلون في الأعمال عنده والمقصود من الإيمان على رأي الجميع هو ثمرته، لا صوره وأشكاله، وثمرته تظهر في الاعتقاد الصحيح والعمل الصريح الصادر من المومنين كما قال عليه السلام: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر على قلوبكم وإلى أعمالكم، وقلما تجد الإيمان في القرآن إلا مقرونا بالعمل الذي هو برهان الإيمان الحق قال الله تعالى: «والذين آووا ونصروا أولئك هم المومنون حقا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here