islamaumaroc

العناصر الحقيقية لإقليمية المغرب العربي

  محمد أحمد الغربي

17 العدد

استوقفني العنوان الذي وضعه الكتاب على رأس بحثه وهو : (وحدة المغرب العربي مظاهرها السلالية واللغوية والفكرية) فألقيت على نفسي سؤالين :
ـ ما الفرق يا ترى بين اللغة وبين المظاهر الفكرية ؟ فالمعروف أن اللغة هي إحدى ثلاث عناصر تندرج تحت المظاهر الفكرية  وهي الدين واللغة والتاريخ.
ـ ولماذا عنى الكتاب بالمظاهر السلالية والفكرية فقط، دون التطرق ـ بنفس الأهمية ـ لبقية المظاهر التي هي في الواقع العمود الفقري لوحدة المغرب العربي، إن لم تكن الأمر الوحيد الذي يميز هذه النقطة عن العالم العربي والعالم أجمع ؟ بينما المظهران اللذان عمد إلى شرحهما وإعطائهما السبق والعناية، يضيعان على المغرب العربي شخصيته الإقليمية، ويجعلانه حتما جزءا من كل، لا كلا مستقلا.
ويظهر أن الكاتب قد فطن لهذا النقص في آخر لحظة، فوجد أن عليه أن يمر مرا عابرا على بقية المظاهر ـ أهم المظاهر ـ ويجعلها خاتمة لبحثه لا أصلا له نقطة انطلاق فيه.

هل المغرب قطعة من إفريقيا ؟
ما اعتقد أن الكاتب الكريم ـ وهو الذي تتبع البحوث الجيولوجية المتعلقة بالمغرب وألم بالتاريخ المغربي ـ يقر نفسه على مثل هذه الفقرة التي وردت في مستهل بحثه (سنستعرض بحول الله في هذا البحث المجالي المختلفة لهذه الوحدة التي تجعل من المغرب العربي قطعة متراصة من القارة الإفريقية). لأن المغرب العربي ليس جزءا من إفريقيا لا من الوجهة الطبيعية الجيولوجية والتغريسية والحياتية ولا من الوجهة البشرية، على الرغم من التصاقه بتلك القارة ووقوعه في القرنة الشمالية الغربية منها، مثله مثل جزيرة مدغشقر التي تعتبر قطعة من الهند ـ عمليا ـ والقطب الجنوبي الذي يدرس مع جبال الآنوس في جنوب أمريكا.
وإن جبال إفريقيا الغربية والوسطى تنتسب لحركة (القارة الصحراوية) أو الحركات الكيبارية والكونديلونغو والوالا بالوبيلاش بينما جبال المغرب سواء القديمة منها (الهرسينية) أو الحديثة (جبال الأطلس) تنتسب لحركات أخرى سادت في أوروبا الجنوبية وآسيا الغربية، وهي الحركات الهرسينية البرينية والألبية، والمعروف أيضا أن المغرب كان في الأزمنة الثانية جزرا صغيرة منتشرة في بحر (تيتيس) القديم، ثم نهضت جباله مع جبال لبنان ومصر في زمن (البليوسين)، وكان في ذلك الوقت متصلا بأوربا وآسيا عن طريق القارة (الترينية) التي كانت توجد في غرب البحر الأبيض المتوسط، ثم طريق جبل طارق وصقلية ونوبة مصر، ولأسباب معينة انفصل المغرب نهائيا عن أروبا، والتصق بإفريقيا، وأصبحت الصحراء المصرية جسرا يصله بآسيا.
وهكذا فأننا نرى أنه حتى من الوجهة الجيولوجية ـ الضريسية ـ إذا قطعنا النظر عن الناحية الحضارية والجنسية ـ يمكن اعتبار بلاد المغرب قطعة من آسيا الغربية لأمن إفريقيا. ويكاد المتجول في جبل صنين أو الباروك أو الدروز في لبنان، يخال نفسه في جهات طبقال أو العياشي أو سيروة، ولا يكاد الفلاح الذي يصل بمحراثه حتى البحر في سهل يكاد الفلاح الذي يصل بمحراثه حتى البحر في سهل عكار ويافا ومصر يختلف عن فلاح الشاوية ودكالة وسوس، وقديما كان المؤرخون يسمون هذا السهل الأخير : بمصر الصغرى.
القومية الترابية :
لقد فضح الأستاذ الكاتب دس مؤرخي ومستشرقي الغرب الذين أرادوا أن يثبتوا ـ لغاية لا تخفى ـ أن الشعب العربي والبربري (!) قد تطورا خارج الإطار الجغرافي، وأيدوا ذلك بشيوع النظام القبلي العشيري عندهما وعدم وجود روابط قانونية ودينية تربطهما بالوطن. وليس من شك في أن تعلق العربي بأرضه ودارته لم يضعفها تشيعه العاطفي وعصبيته العشيرية، وكان المغاربة القدماء الذين نزحوا إلى المغرب ـ كما سيمر معنا ـ من خضرموت وسوريا وصور، أصحاب حضارة زراعية راقية تقوم على مبدأ الاستقرار، وإنما هي ظروف معينة اقتضت أن يلجأوا إلى الجبال والصحاري، ويبتعدوا عن السهول التي كانت مهددة بالغزو الفنيقي والقرطاجي والروماني وخاصة الغزو الوندالي الوحشي، فضاقت أحوالهم المعاشية، واضطروا للتكيف، وأصبحوا نصف رحل يبتعدون عن بيوتهم الجبلية في الشتاء، أو رحلا يضربون في الصحراء.
فقضية الحركة والطعن التي بنى عليها بعض العلماء نظرياتهم ـ وضعية صنعية جديدة اقتضتها أحوال طارئة، هذه الأحوال نفسها عاشها (البيغمة) أو أقزام إفريقيا عندما هاجمهم الحاميون فانقلبوا من رعاة إلى بدائيين، وتعرض لها شعب (البانتو) الحامي عندما اجتاحته شعرب أكثر منه عدا وأحكم تنظيما من شرق إفريقيا، كما عرفتها بلاد العرب بعد تحول عنها المناخ الملائم واستحالت من جنات عن يمين وشمال إلى قفر ومحل...
فالأسباب المناخية في الجزيرة العربية، والتاريخية في إفريقيا والمغرب هي التي خلقت نمط الحياة المتنقلة المضطربة، فأوجد ذلك انفصالا ظاهريا، فمن الخطل إذا وصف العرب، في الشرق والمغرب بأنهم (غجر) لا علاقة لهم بالأرض، ولا يشعرون بالحنين إليها، وإننا لنجد التأييد القوي لهذا في الشعر العربي القديم وفي الأغاني الشعبية البربرية، وكيف لا يلصق العربي بالتراب، وهو الذي يقدم له الرزق، ويحفظ له رفات آبائه وأجداده، ويضع بين يديه مواد مسكنه وملجئه، وما يمنعه ـ كما يقول الأستاذ ابن عبد الله ـ أن ينطلق في هذه الأرض التي يعتبرها كلها وطنه لا ينازعه فيها أحد.

وحدة إقليمية جغرافية لا عرقية تاريخية :
إن الأرض المغربية : الجبال والهضاب والسهول ، الأنهار والديان والبخات، البحار والخلجان والشطآن،  هي هيكل شخصية المغرب والعنصر الأول في وحدته الإقليمية الخاصة، وكما وجدنا المغاربة متعلقين بأرضهم تعلق المعترف بالجميل، ومتشبثين بها تشبث المتيم الغيور، نرى هذه الأرض نفسها لحمة واحدة ومنظرا متسقا لا تنافر فيه ولا اختلاف.
فالأطلس العالي يمتد من رأس «غير» إلى رأس الطيب بتونس، وإذا اختلفت أسماؤه محليا من الأطلس الكبير في المغرب إلى الأطلس الصحراوي في الجزائر إلى الضهرة في تونس، فهو يضم جبالا من عمر واحد وخصائص متماثلة ويقوم في مجموعة بنفس الدور الجغرافي المناخي، يمنع الرياح الحارة القادمة من الجنوب، ويكثف الرياح الماطرة القادمة من الشمال ويسمح في كل مكان بقيام حياة على نمط واحد على سفحيه.
وتتراكب الجبال مرة أخرى في شمال بلاد المغرب من رأس سبرطل حتى الرأس ألأبيض بتونس، وتأخذ تسميات كثيرة (الريف، الضهرة، الخميرة...) ولكنها تمثل مرة أخرى أدوارا متشابهة تطبع المحيط الجغرافي بطابع متناسق.
أما الهضاب والسهول فهي تنحصر بين الجبال أو بين هذه وبين البحر، وإذا اختلفت في اتساعها من الشرق إلى الغرب فهي أوسع سهول بلاد العرب المنتجة وأغناها وأكثفها بالسكان، وهي مسرح يمثل عليه أسلوب واحد من الحياة النباتية والبشرية، وبينما تأوي الجبال المغربية من سنطلق عليهم (العرب الجدد) ينتشرون في السهول، وتسود في الأولى الغابات المتنوعة الوسيعة ومساقط المياه وحياة الرعي والزراعات الصيفية، تسود في السهول المزروعات الفصلية والأشجار المثمرة والأنهار المتئدة والحياة المستقرة.
وهناك خاصة في المغرب الكبير كله، وهي أن ألأطلس العالي يكون دائما الفاصل بين الأنهار الحقيقية التي تتجه نحو البحار، وبين الوديان التي تجتذبها الخفوس الصحراوية في الجنوب. والأنهار في المغرب كله حقيقة ضخمة، وتعد أكثف شبكة في بلاد العرب كلها، ومن خواصها الفوارق البينة في الغزارة، المتراوحة بين النضوب والفيضان، ثم الأخطار التي تتعرض لها السدود والخزانات تبعا لهذه النزوات الفصيلة، فهذه الأنهار ـ إذا ـ مرآة للمؤتمرات المناخية الروحية.
وإذا كان من العصب إيجاد حدود شبه طبيعية لأقطار المغرب، تمشيا مع الانفصال السياسي الظاهري الذي بدأ في فترات من التاريخ، فإن الصعوبة الأولى في هذا المجال تضعها أنهار المغرب عينها، فحدود إقليم تونس يجب أن تبدأ من منابع (المجردة) داخل الجزائر، وحدود هذه الأخيرة من جهة الغرب يقتضي المنطق العلمي أن تساير الضفة اليمنى لنهر الملوية، والحقيقة أن الجغرافيين لم يجدوا بدأ من أخذ هذين الحدين بعين الاعتبار عند دراستهم الإقليمية التفصيلية لبلاد المغربي العربي، على الرغم من أن هذه الخطة تصرف النظر النظر في الأوضاع السياسية التاريخية المحلية.
وأما «الوديان» في الشمال الإفريقي فهي نسيج وحدها : انحفرت في أزمنة مطيرة قديمة ولم يبق من مياهها «التاريخية» سوى خيوط عكرة، تختال في فترات قصيرة من السنة، لتسمح بزراعة النخيل والتوطن الفصلي، وإننا لا نجد أي اختلاف في هذه الظروف بين وادي الزرود في تونس والجدى في الجزائر ودرعة أو الزيز في المغرب.
وإما الحياة في الواحات المغربية فهي مظهر لضمور حضارة زراعية راقية سابقة، ولا يمكن أن نفترض ـ كما جاء في مقال الكاتب ـ إن هذه النخل في المعاش هي شكل مصغر يعكس ما كانت عليه صحراؤنا من خصب واخضرار، وإن الطرائق المتبعة في الزراعة هناك أصلية وشاهدة... لأن الأحوال المناخية المساعدة التي أكد عليها جغرافيو الغرب وأيدها الكاتب، قد سادت ولا شك قبل عشرات آلاف السنين على الأقل، ومن جهة أخرى فإن سكان هذه المناطق طرؤوا من الشمال والجنوب منذ أزمنة تاريخية معروفة وفي ظروف معينة، وحملوا معهم أساليبهم الزراعية وبعض البذور والحيوان.
وإذا نظرنا إلى واجهات المغرب البحرية الشرقية والشمالية الغربية، وتبرز أمامنا أهمية الموقع الذي احتلته هذه البلاد في العالم القديم والحديث على السواء، فعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط نشأت حضارة تألقت في القديم، بينما يشهد المحيط الأطلسي اليوم تطور حضارة تألقت في القديم، بينما يشهد المحيط الأطلسي اليوم تطور حضارة حديثة مادية جبارة، وهذان الأمران فرضا على بلادنا أن تكون همزة وصل بين حضارتي الفكر والمادة، بين بلاد تنتج المواد الخام وبلاد تصنعها، بين منطقة التصريف الكبرى (آسيا وإفريقيا) ومنطقة الإنتاج الكبرى (أوروبا وأمريكا) بين الأقطار المتسلطة الجشعة والضعيفة المغلوبة، وأن هذا الموقع الفريد يوضح خطوطا عريضة خطوطا عريضة في التاريخ المغربي، فهذه البلاد كانت الخط الأمامي في الدفاع عن العالم الشرقي الإسلامي منذ بدأ الحماس الديني الأوروبي، وتبلورت أطماع الدول الحديثة.
وهكذا فإن وحدة الطبيعة في المغرب وتماثل مظاهر المختلفة، والإنفراد بموقع ممتاز، التي يمكن أن تحمل على التسليم بوجود شخصية إقليمية له بالنسبة لبقية الوحدات الإقليمية في بلاد العرب، وما من شك في أن هذه الشخصية الإقليمية نفسها أوجدت انفصالا ظاهريا في التطور التاريخي، ولكن هذا الانفصال لم يكن في وقت من الأوقات تاما أو نهائيا فمنهما تكن الفواصل بين المشرق والمغرب قوية ومانعة، تبقى دون قوة ومناعة مثيلاتها بين المغرب وأوروبا أو بينه وبين الصحراء.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا لنرى هل يمكن اعتبار هذه الظروف التاريخية عنصرا في وحدة بلادنا وذاتيتها تبقى دون قوة ومناعة مثيلاتها بين الغرب أوروبا أو بينه وبين الصحراء.
«العنصر» البربري بين مؤرخي العرب ومؤخرتي أوروبا : يجب أن ندرك أولا أن شواهد تاريخية لا ينطرق إليها الضعف، وإن الدراسات الغربية نفسها تقوم مؤيدة لفكرة أعمار المغرب من الشرق لا من جهة أخرى.
يقول ابن خلدون في الجزء السادس من تاريخه : «إن إفريقش قيس بن صفي من ملوك التابعة، لما غزا المغرب وإفريقيا، وقف الملك جرجيس وبنى المدن والأمصار باسمه، ولما رأى هذا الجيل من الأعاجم وسمع رطانتهم ووعى اختلافها وتنوعها، عجب من ذلك وقال ما أكثر بربتكم، فسموا بالبربر، والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة ومنه يقال : بربر الأسد إذا زار بأصوات غير مفهومة».
وينقل ابن خلدون كثيرا من الروايات عمن سبقوه من أشاهير المؤرخين كالبكري والمسعودي والطبري،
بل تحديد طرق انتقالهم ومراحل هذا الانتقال وفي أية ظروف سياسية تاريخية حدث ذلك.
وإن أقدم الروايات تعلل عبور البربر بالرغبة في «أعمار» هذه البلاد الفنية، فقد جاءت قبائل بقضها وقضيضها من اليمن مباشرة عن طريق القرن الإفريقي ودلتا النيل، أو من اليمن بعد أن عرجت على الشام وبلاد فلسطين ومصر، ولم يرد في أي كتاب قديم أو أية رواية قديمة ما يشير إلى غرب إفريقيا، فقد حمى البحر الأبيض المتوسط هذه البلاد من الهجرات الشمالية، كما قامت الصحراء عقبة في طريق أي تدفيق بشري من الجنوب، والطريق الطبيعي لأعمار المغرب هو المشرق عبر مصر ومضيق بيسكرة وتازة، وليس في الشرق منبع أقرب من الجزيرة العربية التي يطفح تاريخها بهجرات متواترة، فمصر استقبلت هجرة الهكسوس (الشاسو) من الشرق والذين اجتذبتهم دلتا النيل الخصيبة، وان سيماء وملابس بعض الأسر من بين هؤلاء تشبه تماما سماء وملابس البربر الحاليين، ثم إن جميع الغزوات البشرية التي انهالت على مصر وشرق إفريقيا كانت تطرد نحو الغرب، وهناك صورة ترجع إلى الأسرة المصرية الأولى 3400 ق م) تمثل الفرعون (سن) وهو يستعرض النازحين عبر برزخ السويس ووجوههم متجهة نحو النيل، كما توجد لوحة أخرى تمثل الفرعون (أحمس) وترجع إلى عام 1580 ق م ، في وضعية مماثلة للوضعية الأولى.
ويعتبر القرن التاسع عشر حاسما في قلب الروح التي سادت الدراسات المعنية بهذا الموضوع، فقد ظهر كتاب ومؤرخون وعلماء اندفعوا في دراسات أرادوا بها أن تخدم أغراضا معينة أكثر مما تخدم العلم، وفي مقدمة هؤلاء العالمان شانتر Chatre وبرتلون Berthelon اللذان قاما بدراسات لسكان الأطلس والقبائل في الجزائر وسكان جنوب تونس وهضبة الخمير، فقاسا الجماجم والدقون والأنوف، ولاحظا طول القامة وشكل الشعور ونوع العقلية، ولم يستطيعا أن يصلا إلى تقرير شيء وموافق للواقع في موضوع تبعية سكان المغرب الأقدمين لأجناس تعيش في شمال البحر الأبيض المتوسط.
وأولى المبادئ التي انتهيا إليها أن الصفات المميزة للجنس البربري هي : «أنف مفلطح ووجه مستقيم واختلاف كبير في الأشكال». وحسب القواعد الانتروبولوجية لا يمكن اتخاذ هذه القياسات كتحديد لجنس ما، بل أن صفة الشعور والقامة وطول الجماجم هي القرائن المحددة والعازلة.
إن ذلك يدل ـ مبدئيا ـ على ما صادفاه غيرهم من الصعوبات في إثبات نسبة البربر
إلى أقوام أوربية معينة، وأن هذه الصعوبات طحت بهم إلى افتراض وجود (فصائل) بشرية أروبية انقرضت الآن تماما وتوجد بعض هياكلها في المتاحف. وأولى هذه الافتراضات هي أن أقدام سكان المغرب الذين عاشوا في العصر «الشيلي Chlléen» هم من فصيلة إنسان نئاندرتال الأوروبي، ثم جاءت أجناس أخرى في العصر (الموسيتري : Mustirien ).
وإذا ناقشنا هذه الفريضة نجد أن بعض  القرائن الفيزيولوجية هي التي دفعت بهما إلى تقرير تلك النسبة، ولكن لماذا لا تنقلب الآية وتكون تلك الشعوب الأوروبية القديمة هي التي تزودت من المغرب بالبشر ؟.
ويستمر العالمان في دراستهما، فيفترضان مرة أخرى أن الأجناس التي عاشت في المغرب بعد ذلك كانت ذات بشرة سوداء وشفاه غليظة وهيكل ثقيل ومنخرين عريضين وذكاء محدود، وقد وجدوا (!) إن بعض هذه الصفات اتصف بها إنسان (غاريمالدي) الذي عاش في جنوب أوربا منذ عشرة آلاف سنة.
وربما يجد القاري صعوبة شديدة في التسليم بهذه الفرضية، خاصة وأن العالمين يقرران أن هذه المجموعة البشرية الأخيرة قدمت للمغرب من أوروبا، وكيف يمكن هضم ذلك ما لم نفترض ـ من جهتنا ـ إن خط الاستواء كان يمر آنذاك من باريس (!).
ثم يلتمس العالمان تدعيما ثالثا انطوت عليه نفساهما، فيسلمان ـ بدون مقدمات ـ بأن الموجة الليبية (اللوبية) التي اجتاحت أوربا والمغرب في عام 1500 ق م، والتي تتميز بصفات كردية شرقية أثرت في خصائص الجنس البربري، قد قدمت للمغرب أيضا عن طريق جبل طارق.
وإذا عرفنا أن دولا راقية كانت تعيش في اليمن في ذلك الوقت بالذات وتبسط سلطانها على إفريقيا الشرقية حتى بحيرة تشاد، وإن هجرات معروفة في التاريخ كانت تغادر اليمن الأقوام اللوبية وطرق انتقالهم غير معروفين لدى الباحثين الأوروبيين أنفسهم، وإن الخصائص الشرقية لا يمكن تجاهلها عند تلك الأقوام، وإن آثارها بارزة في برابرة المغرب قاطبة، وإن حضارة القرطاجنيين الشرقيين (البونيقية) قد انتشرت بسرعة عجيبة بعد قدوم اللوبيين بثلاثة قرون فقط (من 12 ق م) لتبقى ألف عام كامل على الرغم مما هددها من عوامل الفناء... وإذا غرفنا كل ذلك نكون قد وجدنا تأييدا علميا حقيقيا لما أورده ابن خلدون وقبله البكري والمسعودي...
وأنه لمما يدل على مبلغ الاستهانة بروح الدقة والحقيقة في البحث،  إن العالمين الفرنسيين اللذين تأثر بهما جميع الجغرافيين الذين كتبوا في موضوع البربر، قد حاولا أن يجدا مخرجا (معينا)، فساقا نتيجة نهائيا جامعة لبحثهما المستفيض، لم تطابق فيه المعطيات المقدمات كما يقول علماء الكلام، وإني أترك هذه النتيجة للقارئ ليكتشف بنفسه الأغراض المقصود الذي كان رائدا جميع المؤرخين الذين كتبوا تاريخيا في حقب متأخرة :
فقد توصل العالمان (بقدرة قادر) إلى أن البربر في المغرب جنس خاص منفصل، ولا شك في أرومته الأوروبية الشمالية، ويمكن أن يقسم بصفة عامة إلى نوعين :
النوع الأول : (المتحدر من الشعوب الاسكندنافيه !) ويضم ذوي الجماجم المستطيلة Dolichocéphale) والقامة المتوسطة (160) والشعر الأسود (!) والأنف المتوسط الحجم الذي ليس بالمفلطح ولا بالدقيق المنخرين، ويدخل في هذا النوع ذوو الجماجم الطويلة والقامة القصيرة والشعر الأشقر والأنف الصغير المنخرين.
النوع الثاني : (المنحدر من العائلة الكردية والقادم من آسيا الغربية عن طريق أوروبا !) يمتاز بالجماجم المستديرة Brachycéphale والقامة القصيرة والمنخرين الصغيرين.
أما كيف اخترع العالمان هذه القياسات الكثيرة رغم أن تحرياتها تناولت قرائن ثانوية فقط، وكيف أمكن للرجل الاسكندنافي أن يكون أسود الشعر قصير القامة، وكيف فعلم ذلك عند الله وعند العالمين المذكورين وعند الجنرال بوجووجول فيري والماريشال ليوطي...
وبعد فإذا كان البرابرة الذين يتكلمون لغة خاصة بهم لا يوجدون إلا في هذه البلاد، فإن ذلك لا يمكن أن يحسب خاصة مميزة لها ومدعاة لاستقلالها الإقليمي، لأن البربر كما رأينا يمتون بصلات الدم لبني العرب الجدد، فهم (طائفة من السكان) لا جنسا منفصلا، والعزلة ـ كما رأينا ـ هي التي شقت عندهم طريقا غير الطريق الذي تطورت فيه اللغة العرب في الجزيرة العربية والهلال الخصيب ومصر، واستنادا إلى ما أورده جميع مؤرخي العرب ولم يستطيع زملاؤهم الأوروبيين أن يقيموا دليلا موضوعيا على عكسه : يجب أن تكون اللغة البربرية هي مظهر متطور للحرية القديمة وفق نسق خاص، وبالفعل وجدت إثباتات كثيرة على التشابه الأكيد الموجود بين اللغة البربرية (وخاصة التاشلحيت) وبين لغة إقليم «مهرة» في غرب سلطنة مسقط، وبينها وبين كل من لهجة النوبيسي (الأقباط) في جنوب مصر ولغة الحبشة (الآمهرية)، وقد اقر بذلك التشابه كوتي نفسه حين لمس تقاربا عجيبا بين لهجتي لواتة والأقباط، كما أكد آخرون وجود تشابه جوهري في هذا المجال بين صنهاجة وكتامة من جهة وحمير من جهة أخرى.
هذا من جهة اللغة أما العادات والتقاليد فعلى تباعد الزمن والانفصال في التطور الاجتماعي، فإن عوائد البربر يوجد ما يقابلها عند سكان حضر موت ومهرة، من ذلك حلاقة الرأس مع ترك ظفيرة (فرن) أو قطع غير حليقة (عرف) والاعتمام بالعمامة الداكنة المفتولة ولبس القصير من الثياب وتقلد الخنجر القصير المعقوف، والعناية بكسوة الفسرس وسكنى بيوت القش أو بناء بيوت حجرية ذات طوابع متعددة ونوافذ بيضاء (القصور (والإكثار من البهار في الطعام والتعلق بشرب القهوة (في الجزائر خاصة) وامتهان التجارة، وحب التنقل والسفر، والتضامن، وحب المال، والاعتقاد بالغيبيات والسحر والأرواح، ويتجلى التماثل أيضا في المظاهر الاجتماعية الخارجية كالرقص والغناء وألعاب الفروسية والاحتفال بالزواج والموت والحصاد والأمطار.. إلخ.

مؤامرتان أخريان على التاريخ المغربي :
أن تفكيك عرى حضارة ما عزل أواصرها، والتأكيد على بعض عناصرها دون الأخرى، هو أكبر مؤامرة عليها، وإذا زوال بعض المؤرخين ذلك، فهم معذورون كثيرا لأنه قد أفزعهم حقا وجود تاريخ عربي متناسق الفصول متجاوب الأحداث منذ الهند حتى المحيط الأطلسي، فحملوا الأقلام وكتبوا تاريخا عجيبا تحف به الموضوعية الصنعية والأمانة الكاذبة.
ولعل من حق مؤرخي المغرب أو من واجبهم أن يتساءلوا لماذا يلح زملاؤهم الغربيون على إفراغ مكان بارز للأدوار السياسية التي لعبها البربر في المغرب الإسلامي وفي مقدمتهم طيراس ؟ أو على الأخص لماذا يميزون تاريخين للمغرب المسلم لا تاريخيا واحدا ؟ ولماذا هدت قريحة بعض «المؤرخين» إلى إخراج دراسات عن «سوريا» تتحدث عن «الحكم الحجازي في الشام» وعن تأثر بلاد فارس والهند بالحضارة العراقية (أي العباسية) وعن تأثر بني زيري في المغرب بالطابع العراقي في البناء والفارسي في زخرفة الأواني (كما نقل الكاتب عن بيلي) ؟ ولماذا يلح طيراس بأن تاريخ الحديث الحقيقي يبتدئ مع النهضة البربرية في العهد المرابطي والموحدي وأن أمغار الكومي (أي عبد المؤمن) هو أول رجل وحد المغرب تحت سلطة سياسية مركزية ؟.
وعليه فإني في هذا المجال أؤيد بحرارة الأستاذ عبد الكريم غلاب في دعوته كاتبنا المحترم إلى الهرب قليلا من بين سطور المراجع، وأزيد بأن ذلك ضروري لتنظيف تاريخيا من انحرافات جوهرية لا تخدمه بل تسيء إليه، وأظن أن الكاتب لو فعل ذلك لكان كفى نفسه مؤونة إيراد هذه الفترة في بحثه على سبيل الاعتذار «وقد يلاحظ أنني لم أميز في بحثي هذا بين العرب والبربر، وقد فعلت ذلك عن قصد لأن هذا الميز يكاد يكون غير موجود سواء اعتبرنا الأرومة العربية تبعا لرأي كثير من علماء النسب أو اعتبارنا الوحدة الطارئة أثر التوالد والامتزاج بين «الجنسين» أو مظاهر الوحدة الاجتماعية والفكرية أو غير ذلك» ولكن هل سيلاحظ القارئ، أم الكاتب لم يفرق بالفعل بين العرب والبربر ؟ الجواب باختصار : كلا. فهو قد «استعرض من خلال قبائل زناتة (!) الدور الذي قامت به العوامل السلالية في تكوين المغرب العربي» ثم انتقل إلى تبسيط الكلام عن «البتر» الذين لعبوا دورا هاما في بداية تاريخ المغرب العربي» و«الذين اتسموا بأهمية كبرى في توجيه التاريخ» حيث «صار الحكم في المغرب العربي إلى البربر المسلمين طوال عدة قرون».. وبعد أن ينتهي من تفصيل الدور الذي اضطلعت به مختلف الأفخاذ البربرية يورد اعتذاره السابق ثم ينتقل إلى التحدث عن العرب على حدة، وينساق مع مؤرخي الغرب فيخص الأعراب الهلاليين وعرب الأندلس بموفور اهتمامه.
وأعتقد من جهة أخرى أن (الوحدة الطارئة) و (الوحدة الاجتماعية) الواردتين في البحث لا يمكن تمطيطهما كثيرا، فتأثيرهما على كل من العرب والبربر يبقى تأثيرا خارجيا سطحيا، كما لا يمكن الزج بهما في بحوث جنسية، فما لوحظ من التشابه الجسماني بين العنصرين ليس لأثنى عشر قرنا الأخيرة على ما رافقها من زواج وتساكن، وليس للتوسع القرطاجي والحضارة البونيقية أية يد فيه، فهو قديم قدم العرب والبربر وأصيل ثابت راسخ...
أما المؤامرة الثانية على تاريخنا فهي الدور الكبير الذي اسند إلى الحضارة البونقية.
فلقد استغرب جميع مؤرخي واجتماعيي الغرب (وفي مقدمتهم كوتيه ورونان) من السرعة التي تلقف بها البربر حضارة العرب المسلمين، ولم يلبثوا ـ كعادتهم ـ إن وجدوا (خاتم سليمان) والحلقة المفقودة فيما دعوه بالحضارة البونيقية حتى يبعدوا الأذهان عن أية رابطة قديمة بين البربر والعرب، وحتى لا يبتعدوا كثيرا عن المنطق والمعقول.. ولكن..
يحدثنا التاريخ أن القرطاجنيين ـ كالفنيقيين ـ كانوا أناس تجارة ومال، فلازموا السواحل المغربية وبتوا فيها «مستعمرات تجارية» ولم يحتكوا بالسكان على نطاق واسع كما فعل الرومان مثلا، وقد جاء في كتابات كزبيل كما نقلها الكاتب «إن قرطاجة لم تبذل جهودا منظمة لإدماج المغرب ولم يستعمر البادية المغربية مثل روما.. » فكيف تمكن (الدم) القرطاجي من الامتزاج بالدم البربري إذا ؟ ولماذا احتفظ البربر بعادات القرطاجيين (التي ذكرها الكاتب) حتى بعد انقراض أمرهم، بينما لفظوا بقية العادات وزهدوا فيها ؟ ولماذا أسس القرطاجيون دولتهم في تونس ولم يؤسسوها في انجلترا مثلا على الرغم من أن هذه الأخيرة أشد بعدا عن الخطر الفنيقي الجاثم في ساحل لبنان ؟ ثم كيف نصدق ما قاله (بروكوب) من أن البادية المغربية كانت تتكلم اللغة البونقيقة مع العلم بأن القرطاجيين ولم ينفذوا إليها ولم يعرفوها ؟.
إن المخرج الوحيد من هذه الحيثيات هي التسليم مبدئيا بأن القرطاجيين الذين قدموا المغرب قي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، والبربر الذين نزحوا إليه في القرن السادس عشر قبل الميلاد، هم من لحمة واحدة وأرومة مشتركة.
وأما بعد....
فمن كل ذلك تظهر أهمية وضرورة إعادة كتابة تاريخ المغرب بروح جديدة تصدر عن حق وتنبع من الكيان القومي، وأحرى بالأستاذ ابن عبد الله أن يسبق غيره ـ وقد فعل ـ إلى ذلك لبواعث كثيرة، ولكن ليسمح لي أن أطلب أن يكون سيء الظن قليلا بما يقرأ وأقل اطمئنانا إلى ما يكتب، فاعتبار المولى إدريس مثلا فاتحا أجنبيا تشبيها له بالقواد الرومان والوندال، أو التحدث عن (لعرف والشرع) كشيء مقرر وضعي يلبي رغبة أرادبة عند سكان المغرب أو إقرار المؤرخين الغربيين على زعمهم بأن الفقه المالكي ينتشر في نصف المغرب العربي فقط وأنه لم يقع مطلقا أي «صراع» بين الفقه المالكي والعرف... كل هذه الأشياء وغيرها لا يمكن أن يقبلها كاتب مؤرخ عربي كالأستاذ ابن عبد الله...
وأظن أن الأستاذ قد اقتنع بعض الاقتناع بأن الوحدة المغربية يجب أن نفتش عليها في مجال غير المجال الجنسي أو الفكري، بل عناصر جغرافية إقليمية، فكما أن هناك فروقا محلية بين الشام ومصر وبين العراق واليمن، فإن هاتيك الفروق توجد أيضا بين الوحدات الإقليمية المذكورة وبين المغرب العربي.
فبلادنا المغربية الكبيرة تمتاز بموقع هام ومناظر جغرافية وظروف اجتماعية خاصة إلى حد ما. وإن الوحدة المغربية تتطلبها اليوم ظروف مستعجلة واحتجاجات طارئة أكثر مما تدعو إليها مقومات أصلية أو نداء قومي، ويجب أن نشبه الدور الذي سيلعبه المغرب العربي بالآلة الموسيقية التي يجب أن تعزف مع الآلات الأخرى (سانفونية الوجوه العربي).
وما أحب إلى نفسي أن أختم هذا التعقيب بفقرة من بحث الأستاذ ابن عبد الله تنم عن روح وثابة وذهنية موضوعية : «وهذه الوحدة الخاصة التي تجعل من المغرب العربي وصحرائه كتلة من جميع الوجوه، لا تتنافى مع الوحدة العامة التي تربط المغرب بالعالم العربي، والتي تتجلى مظاهرها في وحدة اللغة والدين والعواطف وكذلك التاريخ».
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here