islamaumaroc

في صناعة تاريخ هذه الأمة

  دعوة الحق

135 العدد

الشعوب التي تصنع تاريخها تقف لتتملى الصنعة عندما تواتيها المناسبة...
وصناعة التاريخ تعبير ربما يكون أقرب إلى الشعر، ولكن جسامة العمل لا يدركها إلا من يملكون إحساسا حضاريا بصعوبة الإنجاز.
لا يدرك جسامة العمل إلا من يملكون إحساسا بعنف الحركة التي تدفع المجتمعات المتيقظة إلى تحقيق مصائرها.
إن التاريخ من نسيج الزمان، وقد ينساب الزمان سهلا لينا طائعا، ولكن التاريخ لا تكتب فصوله العظيمة إلا الإرادات العظيمة.
لأن تركيب التاريخ ذو طبيعة أخرى وإن كان من نسج الزمان، لأن مداميكه أبقى وأمتن.
التاريخ العظيم لأمة من الأمم، لحمته الإخلاص وسداه العمل الصالح، وغايته خلق عالم أفضل.
ولقد صدق الذي قال إن النقد سهل والإبداع صعب. فصناعة التاريخ عمل إبداع، لأنه تغيير لوجه الأرض ولطبائع العمران والعيش ولطبائع النفوس أيضا.
ذلك التغيير الجليل الذي قال عنه جل وعلا: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» [الرعد: 11]
إن هذه الأمة الكريمة تغير ما بنفوس أبنائها من حال إلى حال، وتغير مظاهر عيشها من حال إلى حال...
إنها بكلمة أخرى تتحرك، ومن يتحرك يعش ويتقدم ويسعد.
ومن ينظر إلى الخمسينيات والستينيات من هذا القرن بعين فاحصة متجردة يقارن ويستنتج يدرك مدى حركة هذه الأمة.
إنها منطلقة لا ريب، وإن انطلاقها يحكمه ويقوده عقل مدبر، وإرادة حاسمة، وقلب كبير.
إن ملك هذه الأمة وفي لصناعة التاريخ.
واحتفاء هذه الأمة بوقفة متدبرة من وقفاتها المصيرية تقليد حكيم.
لأن الشعوب التي تحافظ على تقاليدها، هي التي تحافظ على تماسكها واستمرارها. فتقاليد الأمم هي الحلقات التي تربط سلسلة تاريخها، تجعل الماضي يلتصق بالحاضر.
وعيد العرش واحد من هذه الحلقات التي تشدنا إلى أنفسنا أولا، فنحن لا نكون إلا انطلاقا من مقوماتنا التاريخية والحضارية.
وعيد العرش هو بالنسبة للمغاربة ذكرى عزيزة لأنه ذكرى حضارية، ولأن فيه استعادة وفية تذكر بمجد تبلور في الماضي ويتبلور في الحاضر على يد جلالة الملك الحسن الثاني.
ورغم أن الشعوب لا تنهض إلا بطيئا تبعا لسنة التاريخ ولحتمية التطور الجماعي، فإن النهضة تقاس بمقارنة شعب من الشعوب بذاته منذ بداية نهضته، لا بمقارنته بشعوب أخرى سبقته بمئات السنين في طريق النهضة الإنسانية المعاصرة.
وإذا سلمنا بهذه الحقيقة وقفنا على نمو في مجالاتنا المختلفة تكاد أن تبهر، ومصداق على ما نقول هو تلك الدراسات التي تقوم بها مؤسسات خارج الوطن عن النمو الاقتصادي والمالي والفلاحي والصناعي، كلها يعدها مختصون أكفاء في ميادين اختصاصهم.
هذه التقارير تعطي صورة بلغة العصر التي هي الإحصاء والحساب والمقارنة، وتعطي صورة لما هو عليه بلدنا اليوم.
هذا ما يخص مظاهرنا الخلفية التي تحتاج إلى العين المختصة النافذة لاستقطابها. أما إن نظرنا إلى ظاهر واقعنا المغربي فإننا نتوقف على مظاهر البناء ومظاهر التغير.
مجتمعنا المغربي يتغير، ومظاهر مجتمعنا المغري تتغير بشكل قد لا يلحظه بصورة جلية من يعيش في قلب هذا التغير، ولكن من يراقبه تصل به المراقبة إلى أن هناك شيئا ما يحدث، ويحدث باستمرار فيغير من مظاهر تباطئنا الاجتماعي والمادي الذي ابتلينا به خلال حقب من تاريخ الاستعمار.
عيد العرش هو مناسبة للوقوف من أجل تدبر ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، هذا الوقوف ميسر لكل من يريد أن يتدبر ما يحدث من تغيير في أمورنا.
ويساعد على هذا التدبر خطاب العرش الذي هو تقليدنا الوطني لاستعراض «حالة الأمة»، وهي سنة حميدة أصبحت كثير من دول الغرب والعالم أجمع تقلدها اليوم لتطلع الشعوب، في مناسبة مختارة، على ما يجري في الوطن، وعلى الرياح المتضاربة التي تعصف به يمينا وشمالا، أماما ووراء.
عيد العرش أحد وجوه هذه الأمة الحميدة، لأنه تقليد عن حياة الأمة.
إن تاريخنا هو حقيقتنا، ونحن اليوم، وبهذه المناسبة الكريمة، نعيش حقيقتنا التي دامت واستمرت، ذلك هو ربط صلات الوصل بين ملك منكب على تدبير شؤون أمته بالليل والنهار، يأخذ اهتمامه بها كل وقته وراحته، وبين شعب لا يترك مناسبة تمر من دون أن يعبر عن إخلاصه ووفائه.
وإذا كان عيد العرش يعتبر جزءا ملتصقا بماضينا وتاريخنا، فهو أيضا نافذة نطل بها على المستقبل.
لأن المستقبل ليس عماء يعاش اعتباطا، ولكنه تخطيط وتصميم وتدبير، كل ذلك يبدو من خلال تلك الوقفة التي يقفها جلالة الحسن الثاني مع شعبه، يحدد له مظاهر المستقبل على ضوء الأشواط التي حققها في ماضيه، ووقف عليها في حاضره.
يقف جلالة الملك الحسن الثاني يبين لأمته معالم الطريق، بل يبين هذه المعالم لكل العالم الذي ينظر إلى المغرب بعين ملؤها الاحترام، هذا الاحترام الذي لا يقتصر على الحكومات فحسب، وإنما يتعداه إلى أفراد الناس كذلك.
ومن يسرت له الظروف أن يتجول في مناطق مختلفة من أرجاء المعمور يدرك مدى سمعة المغرب في آفاق الدنيا.
 عيد العرش مظاهرة وطنية تخص هذا الشعب المغربي، وتفتح الحوار بينه وبين ملكه، ولكنه أيضا مناسبة لأن يظهر وجه هذا البلد للناس، وأن يظهر كذلك التحامهم بتاريخهم وبقوميتهم وبمسيرتهم الحضارية وبملكهم.
 لأن عيد العرش ليس تقليدا سلبيا يتكرر روتينيا ليحسب مرور السنوات، ولكنه يحمل مغزاه من خلال هذا الالتحام بين الملك وشعبه، وبين الشعب المغربي والقضايا التي تعم حياته ومصيره، وبين المغرب وبقية أمم العالم. إنه مناسبة لالتقائنا بأنفسنا وبالعالم المحيط بنا.
ولو نظرنا إلى عيد العرش من وجهة نظر فلسفية وحضارية إنسانية لوجدناه رمزا للاستمرار الذي ينشده كل شعب، إذ بدون اتصال الماضي بالحاضر انكبابا على المستقبل تضمحل معالم الشعوب التاريخية والإنسانية، ولهذا كانت مناسبة كبيرة مثل هذه التي نعيشها اليوم تعتبر غذاء لميراثنا وحضارتنا، بل هي محرك ضروري لكي نعرف أنفسنا ونعرف ما نريده من أنفسنا.
هذه الأبعاد كلها يبرزها جلالة الملك الحسن الثاني في خطابه لأمته، وفي استعراضه للقضايا التي تشغل بالها وتأخذ وقتها واهتمامها.
نحن إذن أمام عدة مغازي لمناسبة وطنية نعيشها اليوم، مغزى تاريخي وحضاري وإنساني، ومغزى تحتمه ضرورة التخطيط لآفاق المستقبل، ومغزى استمرار الالتحام بين الملك وشعبه والشعب وملكه.
فلا يسعنا أفرادا وهيئات إلا أن نعطي مناسبة هذه أهميتها الوطنية حظها من الاعتبار الذي يليق بمقامها، ومظاهر اعتبارنا تتجلى في فرحتنا من أقصى المغرب إلى أقصاه باحتضان هذا اللقاء بيننا ومليكنا.
إن تاريخنا حاضر أبدا بين أعيننا وفي نفوسنا لأن مناسباتنا الوطنية تعيد إحياءه فتحيي في نفوسنا تقديرا لماضينا القومي التليد، وتحيي في نفوسنا طموحا لمستقبل قومي مزدهر، يعمه الرخاء، وتحف به النعم في ظل من الوفاء لملك وفي، وهبه الله من الذكاء والحكمة والتبصر ما جعله محط إعجاب من لدن كل من اتصل به من قريب أو بعيد، وآمال هذه الأمة كلها منصبة على ما يخططه جلالة الحسن الثاني من مشاريع طموحة لمواجهة متطلبات العصر، ومتطلبات أمة تسعى إلى الأخذ بمدارج الرقي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here