islamaumaroc

سلطان الطلبة وأمير النيروز بين الجد والهزل

  دعوة الحق

135 العدد

 لم يكن من اتساع رقعة العالم الإسلامي ليمنع بأي حال من اتصال أبناء هذا العالم ببعضهم البعض على بعد الشقة ونأي الدار، وما أكثر الحوافز التي كانت تدفع للانتقال إلى مختلف أرجاء هذا العالم طلبا للعلم أو سعيا للتعليم أو التماسا للارشاد أو ميلا للحظوة والركون إلى كثف دوي الجاه أو حبا للاستطلاع ورغبة في المعرفة. وكان المجتمع الذي يجد فيه الفرد حيثما حل أهلا ومكانا سهلا ينسى معهما كل أثرا للغربة مما سهل هذا للقاء بين سائر البلاد الإسلامية. والسفر إلى أرض الوحي النبوي على الخصوص أعز ما يتوق إليه كل مسلم، وكم يحط الرحال في الطريق إليها ببلاد أخرى فيتعرف على أمرها ويعيش بينهم ردحا من الزمن، وكم أدى الحال إلى الظغن هناك. لذلك من الطبيعي أن نسمع كثيرا من الحيل إلى بلاد المشرق، كما أنه أصبح من المألوف الإقدام على السفر من مغرب هذا العالم إلى  مشرقه. وقد استفاد المغاربة من نتائج هذه الرحلات لطول المسافة. وتذكر المصادر كثيرا ممن رحلوا من بلاد فاس إلى في الادب بلاد فارس1-  ونجد إثر ذلك يتردد صداه في إشارات  الفارسي مثلا شعرا ونثرا. ومن جهة أخرى لم تكن الحركة من المشرق إلى المغرب بأقل من الأولى، بدأت منذ الفتح الإسلامي لهذه البلاد ثم عرف المد السياسي الذي وصل شمال إفريقيا والأندلس انتقال المشارقة إليها. وفيما خصصه المقري في كتابه نفح الطيب للوافدين على الأندلس من المشرق2-  ولمن حل من الأندلسيين إلى المشرق 3- وأخبارهم ما يكفي دليلا على نشاط هذه الحركة وبعد أثارها.
 بمثل هذا استحكمت الصلات بين سائر أطراف العالم الإسلامي شرقية وغربية عربية وعجمية حتى أنه ليس من الصعب أن نجد آثار ذلك حيثما نقبنا عنها، ل هي واضحة للعيان في حياة كل فرد يضمه .هذه المجتمع
 ولهذا لا نستغرب أن في بلاد الاندلس وعامة بلاد المغرب أثرا شرقيا يتميز منه على الخصوص الأثر الفارسي الذي يطبع .كثيرا من مظاهر الحياة فيها.
 ليس إذا من العجيب أن نجد لبعض المظاهر في مجتمعنا المغربي ما يشابهها في المجتمع الفارسي، ولا من الصعب أن نجد تفسيرا لذلك. ومثل هذا جدير بالاهتمام، فقد ارتبط بحياتنا حتى أصبح جزءا
منها، والبحث فيه من خلال عادات وتقاليد وأقوال مأثورة وأساطير.. .يلقي الضوء على مختلف جوانب شخصيتنا
  من بين هذه المظاهر نذكر اليوم"سلطان الطلبة" وما تخصص له من الاحتفالات، وما يرتب لذلك من الأشايء وما يقام من المظاهر، وما يحيط كل ذلك من العاداتوالتقاليد التي جعلتها صالحة لأن تكون إحدى مظاهر المسرح المغربي الأولى 4-
  تقام حفلات سلطان الطلبة في مدينة فاس في فصل الربيع. تعرض السلطنة على المزاد العلني بين الطلاب، ويعلن من وفق في هذا المزاد سلطانا للطلبة، ومنذ ذلك الحين يحف بالتعظيم والإجلال وتهيء له الدولة جميع مظاهر السلطنة المعروفة في البروتكول المخزني المغربي من اللباس الخاص. والهيئة الحكومية التي يعينها بنفسه. ومن الخروج لصلاة الجمعة راكبا فرسا تظله …المظلة ويحيط به وزراؤه وأعوانه وخواصه ويحظى سلطان الطلبة بزيارة ملك البلاد له والإنعام عليه بالهدايا وبقبول مطالبه من عفو عن سجين أو طلب حظوة. ويحاط سلطان الطلبة طيلة يامه بكل أبهة حتى يتراءى أن الأمر جد، ويزيد ذلك جدية موضوع الاحتفال بهذه السلطنة الذي هو الاحتفال بالعلم وأهله، فلا ينقصها من الحقيقة إلا الاستمرار، غير أن الهزل يمنعها أن تبقى أكثر من أسبوع واحد, ويعتمد من أجل ذلك مزجها بلقطات وأدوار هزلية تذكر بطبيعة هذه الاحتفالات على حقيقتها. وفي هذا المجال ”هناك شخصية لها دور مهم في هذه الحفلات هي شخصية “المحتسب فمهمته أن يقوم بأنواع التهريج في مختلف الاسواق زيادة في استثارة همم الناس وانتباههم وسعيا وراء إشراء المدينة كلها في جو .الفكاهة والتسلية ينطلق راكبا بغلته، ويتزين بلباس خاص مصطنعا بطنا منتفخة وعلى رأسه ” مكب “ طابق، وحركاته كلها مرح وهو ينبه الناس .إلى مخالفات مفتعلة ويزجرهم على ذلك كما يدعو لهم وبعد أسبوع يسدل الستار على هذا الحادث السنوي بين الجد .والمرح
 وإذا راجعنا العناصر الأساسية لهذه الحفلات وأبطالها على الأخص عنصرا الزمن والشخصيات، نراها تلتقي إلى حد بما اعتاد الفرس أن يقيمه طليعة كل عام من حفلات النوروز.
يستقبل الفرس مطلع سنتهم باحتفالات النوروز، وفي ذلك احتفال بحلول فصل الربيع، إذ في هذا الوقت تبلغ الشمس برج الحمل وهو الاعتدال الربيعي. يقول الشاعر أبو محمد الحسن بن :المؤمل الحربي
يا شمس أهل المشرق اسعد بقد
حلت برأس الحمل الشمــــس
وأشرب على طلعت نيروزها
كأس مــــدام يـــدم الأنــــــس
وقد انتقلت عادة الاحتفال بالنوروز إلى البلاد الاسلامية من جملة ما ولع به الملوك من مظاهر الحياةالفارسية من لعب الشطرنج والنرد والصولجان وعيد المهرجان. ونقف قليلا لنتتبع الاستعراض الكبير الذي كانت تقيمه القاهرة بهذه المناسبة في عهد الفاطميين. تستعد الدولة لحلولها وتحشد الناس لها وتفتح رحاب القصور وتبط الموائد، ويظهر في حلبة القصر وحواليه أصحاب السماحات. وقد قرب إلى أذهاننا صورة هذه الحفلات وصف ذكره المقريزي 5-
نتعرف من خلاله على تفاصيل أكثر. يذكر أن المصريين كانةا في عهد الفاطميين يحتفلون بالنوروز، فيختارون أميرا للنوروز يلبسونه ثوبا أحمر أو أصفر، ويطلون وجهه بالدقيق الأبيض أو الجيو ثم يركبونه حمارا ويسيؤ معه جمع كبير، ويتسلط على الناس في طلب رسم رتبه على الأكابر بالعدد الكبير ويكتب .مناشير ويندب مترسمين، غير أنه يقنع بالميسور من الهبات
ويشترك في هذه الحفلات عامة الناس فيتراشون بالماء ممزوجا بالأقذار ويتراجمون بالبيض، ويتصافعون بالجلود والأنطاع. ولا تتدخل الشرطة في ذلك. فإن غلط مستور وخرج ذلك اليوم من داره .لقيه من يرشه ويفسد ثيابه ويستخف به ومن عادات النوروز التي درج عليها الفرس ايضا، إهداء الأكابر لمن دونهم أو العكس، وقضاؤهم لحوائج الناس6-  وطلاق السجناء والعفو عن المجرمين.7-
 وهكذا تستمر احتفالات النوروز وهزليات أمير النوروز وأصحاب السماجات ستة أيام، ثم يرجع الناس إلىحياتهم العادية بعد ان أخذوا من ربيع المتعة والراحة، واستقبلوا طلعته بالإفراح والمسرات. وتنتهي إمارة النوروز بانتهاء الستة ايام، يقول حافظ الشيرازي:
زكوى يارميايد باد نوروزي
أزين باد أرمددخواهي جراغ دل برأفـــــروزي
سخن دربرده ميكويم جو كل أزعنجه بيرون آي
كه بيش أزبنج روزنسيت حكم مير نـــوروزي
وترجمته
أن نسيم ريح النوروزي ينبعث من حي قلبـــك
فإن شئت مددا من همه الريح فتر مصباح قلبك
إني لأقول كلاما مرموزا فتفتح كأمـام الــــورد
فإن حكم أمير النوروز لا يتجاوز الخمسة أيـام
ورغم أننا لا نعلم بالتحديد اليوم الذي تقام فيه حفلات سلطان الطلبة من السنة حتى نقارن به بداية الربيع من النوروز، ولكن اختيار أيام الربيع لهذه الحفلات في المغرب، يرتبط بالمناسسبة التي من أجلها تقام تلك الحفلات عند الفرس، سيما وإن شخصية سلطان الطلبة ومحتسبه تشابه إلى حد كبير أمير النوروز ومحتسبيه، ولولا الموضوع الذي اختير في المغرب لذلك لا يمكن أن نرى سلطان الطلب يركب حمارا بدل فرس ويقوم بالهزل المبتذل كذلك. ومع ذلك فالمرح والهزل واضح كلا الاحتفالين. ولقاء الشعب والملك رمزهما، ترفع احداهما الشعب إلى مقام السلطان .وتنزل الأخرى السلطان إلى مستوى الشعب
  إن البحث في هذا الموضوع كان يمكن أن يقف عند هذا الحد من المقارنة من غير أن يدفع بنا إلى أكثر من ذلك لولا بعض إشارات حول الحتفال بأعياد النوروز بالمغرب وشيوع ذلك واهتمام الناس به وانصرافهم إليه حتى استثار الأوساط العلمية ودفع بهم إلى مناقشة هذا الموضوع والكتابة فيه وقد ذكر ابن القاضي كابا يتغلق بهذا الموضوع هو :الفيصيل المنتضى المهزوز في الرد على من منع صوم يوم النيروز” لمحمد بن علي بن محمد بن النجار الجدامي المتوفى سنة 720   وهذا ما يدعم ما ذهبنا إليه، ويقتضينا إثبات ذلك تفصيل الكلام عن هذا الإطارالذي تحل فيه حفلات سلطان الطلبة وهو مظاهر النوروز في الأندلس والمغرب وهو ما ستعود للحديث عنه بحول الله. 

  1- أنظر بعض هؤلاءفي مقالنا بمجلة البحث العلمي العدد السابع، السنة الثالثة.
  2- نفح الطيب، المقري، ج 4 ص 4 ـ 147. 2
  3- التقليد المسرحي في المغرب، الأستاد حسن المنيعي، الملحق الثقافي للعلم، السنة الثالثة العدد 101    
  4- الخطط، المقريزي، ج 1 ص 267 ـ 269 ـ 493.      
  5- صبح الأعشى، ج، 1 ص. 418  
  6- شرح عشرون بابا، البير جندي   
    


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here