islamaumaroc

المولى سليمان بين شعراء عصره

  دعوة الحق

135 العدد

قال الشاعر:
الابن ينشا على ما كان والده
            إن العروق عليها ينبت الشجر
هذه الحكمة التي أطلقها الشاعر حكمة في غاية الوجاهة، وموافقة إلى أبعد حدود الموافقة للواقع المعاش، ذلك أن الطفل عندما يفتح عينه للمرة الأولى يجد أنه محاط بأسرة ترعاه وتحدب عليه، وتيسر له جميع أنواع الرعاية والعطف، ويعمل صاحب القوامة فيها على تكوينه أخلاقيا وعلميا ودينيا. ولا شك أن الطفل في هذه المرحلة الدقيقة بالذات يتلقى بسهولة كل ما يملى عليه أو يشاهده في البيئة التي يعيش في ظلالها، فينشأ نشأة كريمة طيبة طبق السيرة التي تنهجها الأسرة، وكذلك كان المولى سليمان يحيا في جو تسوده روح ندية شفافة، تكلؤه وتعده إعدادا كاملا لمواجهة الحياة.
فتح المولى سليمان عينيه على ضياء الحياة سنة 1180 في حضن والده العالم المولى محمد بن عبد الله، فرباه تربية إسلامية دينية علمية، واختار له نخبة من العلماء تلقى عنهم شتى ضروب العلم، من بينهم السيد عبد الوهاب أجانا والسيد عبد الرحمن ابن الحبيب.
وبعد وفاة أخيه اليزيد الذي لم يستمر عهده غير سنتين أصبح ملكا إثر تحرير علماء القرويين البيعة له، لما رأوا فيه من الكفاءة لهذه المهمة العظمى.
ورغم تقلده منصب الملك لم ينقطع عن حضور المجالس العلمية والاستفادة من أعلام المعرفة في عصره، والعطف على العلماء، وزيارتهم في بيوتهم.
وقد ساهم المولى سليمان العام بدوره في الحركة العلمية فألف وصنف من بين ذلك شرحه لكتاب الخرشي على مختصر خليل و"أمتاع الأسماع بتحرير ما التبس من حكم السماع" ورسالة له تحت عنوان "جواز التجمير بالقسط في رمضان".
وهذه الروح المعرفية التي تحلى بها المولى سليمان دفعته إلى تشجيع العلوم وأصحابها فانعكس ذلك على عهده الذي نعتبره امتدادا لعهد والده(1) في كثير من أنواع الثقافات، والذي ازداد نشاط علمائه أكثر بفضل عنايته. ومن يرجع إلى كتاب العز والصولة(2)، يجد فيه عددا وافرا من العلماء الذين كانوا يتقاضون مرتباتهم في عهد هذا السلطان وذلك حسب طبقاتهم من بينهم الفقيه السيد أحمد بن سودة والسيد العباس بن كيران.
وأما أعماله العمرانية فيمكن لنا أن نلخصها فيما يلي: تجديده المدرسة العنانية، وتجديده قنطرة الرصيف، وتشييده مسجد وزان وتطوان، وأبراجا بطنجة، وإصلاحه القناطر التي بين مكناس وفاس. وكانت وفاته سنة 1238 هـ.
والشعر طبعا كما هي طبيعته يسجل الأعمال الجليلة، ويتتبع بشغف حركات الإصلاح، ويصور مرافق الحياة بما يمكن فيها من رائع نفيس، ويحدد موقفه مما يعايشه فيدلي برأيه، لذلك يلمس في عصر هذا الملك هذا الفن من الكلام يخوض الميدان بإخلاص فيرسم كفاحه في كل حلبة.
وأول شاعر جدير بالتقدير على غيره من الشعراء أبو القيض حمدون بن عبد الرحمن ابن الحاج السلمي المرداسي (ت سنة 1232)لكونه الشخصية الشعرية الأولى لدى المولى سليمان كما كان المتنبي في بلاط سيف الدولة ـ مع فارق الجودة الشعرية بين الشاعرين ـ لذلك واكب شعره تحركات الملك كبيرها وصغيرها، وراح يرسم لوحات تلو لوحات عن إصلاحاته ومكرماته، وخصاله حتى تكون من كل ذلك ديوان قائم الذات سماه "السليمانيات".
ونحن سنحاول أن نقتطف باقات متنوعة من أعماله الشعرية تكفي للتدليل على نظرة الشاعر ممدوحه، ومدى الحب الذي يكنه له في أعاميق نفسه.
في مجلس من المجالس السليمانية أنشد الشاعر السليماني ـ حمدون ـ موشحه معارضا موشـــح (3) ابن سهل الذي مطلعه(4) :
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى
               قلب صـب حلـه عـن مكنـس
هو فـي نـار وخفـق مثلمــا
               لعبـت ريـح الصـبـا بالقـبس
أسقنـي جريـال ثغـر شبمـا
               عندمـا مـر بذلك اللعـــس
بـه سكـر لا بمـا غـش بما
               من عصيـر سر به في تعـس

ويقول واصفا ممدوحه:
يـا هـلالا عـاليـا أفقا سما
                وهزبرا غـالبـا للحمـــــى
بالذي آتاك ملكـا قسمـــا
               ما يعاديك سوى النكس المسي

ويذكر بعد ذلك مسجد "الرصيف" الذي بناه الملك سنة 1209
لو رآى جـودك خالـد لـمـا
                  كـف عن جـدة ذيل الحنـدس
ولقد أبـدى لنـا قـدرك مــا
                  شدتـه مـن مسجـد كالمقـدس
بقعـة قـالـت على من خصني
                  بالـذي أوفـى عفـاة رفدهــا
وعلى تقــوى الآلـه رضنـي
                  كعـروس زادهـا الطـرس دها الخ.. (5)

  وعندما بعث المولى سليمان أخاه المولى الطيب إلى الجبل لضبط الأمور هناك وأقام إثر ذلك احتفلا بذكرى المولد النبوي الشريف قال حمدون لامية استهلها بمقدمة غزلية:
أسرت إلى القلب ما باللحظ من ثمل
            ونار خدي مباري الشمس في الحمل

ثم بعد المقدمة الغزلية انتقل إلى المديح النبوي، وما عتم أن راح يحدثنا عن ممدوحه مبينا حنكته الحربية تجربته السياسية وشغفه في الطعن في مناوئيه، ولذلك أعداؤه لا يستطيعون المجازفة بأنفسهم في حرب ضروس معه، وسيرة هذا الملك فاضلة كريمة بها أضحت الأيام مخضرة يانعة، لأنه اكتسب الفضل عن أصالة، وورث الخلق عن كرام أجداده، فلا غرابة ـ إذن ـ أن حاله التوفيق في كل ما يعزم على الاضطلاع به، والبرهان على ذلك أنه كثيرا ما حقق العز والأثيل والمجد الكريم بصبره وجلده:
أزمانهم سعدت فيه كما سعدت
                   أزماننا بسليمان ابنه البطل
للضرب والطعن في العدا يميل كما 
                  يميل صب لضم القد والقبل
خرصانه في عواليه مبنية
                  عادات آبائه النيران في القلل
وأن تنائي عدو قال رمحه في
                  طوال الوصول فخل السيف في الخلل
وإن قارب قال السيف في يده
                  في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
بحسن سيرته الأيام باسمة
                  وزانها زينة الثغور بالرثل
أصالة الفضل زانته ولا عطل
                  لمن حمى نفسه من ساحة السفل
وحلية الفضل زانته ولا عطل
                  لمن تحلى بخلق السادة الأول
يا باديا سيف الدولة وحاميها
                  ما قاله المتنبي فيك لم يحل
إن السعادة فيما أنت فاعله
                  وقفت مرتحلا وغير مرتجل
كم امتطيت مطايا العز مدرعا
                  بالصبر معتملا بالبعد عن فشل

ويذكر الحادثة الحربية التي صالت فيها جيوشه فأبلت البلاء الحسن وقد قادها أخوه المولى الطيب:
أرسلت جيوشا عليهم يؤزرهم
               ازا كما ترسل البازي على حجل
فيه اخ لك طيب بصلب أب
               له تمطى العليا ولم يزل

ويدعو الشاعر للمولى سليمان بالخير والوقاية من شر الطغاة، وأن يظل دائما متحليا ـ كما هي عادته ـ بخلال العفو والسماحة والصفح:
كفاك شر الطغاة في البلاد فدم
                  في ظل أمن ظليل غير منتقل
ودم على العفو والصفح الجميل ولا
                  تعجل وإن خلق الإنسان من عجل

وفي مجلس آخر من المجالس السليمانية العطرة قال حمدون قصيدة عارض بها قصيدة ابن الخطيب:
سلا هل لديها من مخبرة ذكر
                  وهل أعشب الوادي ونم به الزهر(6)

جمع في أبيات منها شمائل المولى سليمان التي نستقطبها فيما يلي: مكانته الرفيعة، وتشجيعه العلم، ونشر أنواع المعارف، وكريم منبته ونسبه وتقواه التي دفعت الرعية إلى طاعته لذلك فالنصر حليفه، تجري مراكبه فلا تقوى الحوت والأسماك في الماء ولا العصافير في السماء أن تحاول سباقها مهما بذلت من محاولات:
مولاي يا بيت المعالي وركنها
                  "لك الصدر دون العالمين ولا قبر"
فإن لك الذكر الجميل ميسرا
                  وليس يموت المرء ما حبي الذكر
وأحييت أحياء العلوم بنشرها
                  وكشف محياها فطاب لك النشر
وآباؤك الأشراف قوم تحافظوا
                  على نسبة زهراء دام بها طهر
وأخوالك الأحلاف قوم تحالفوا
                  على شيمة غراء قام بها فخر
ولما أطلعت الله جهد استطاعته
                  أطاعك كل الخلق والبر والبحر
إلى رياح النصر زفت مراكبا
                  جواري تجلس والقلوع لها أزر
يسابقها في الماء حوت وفي السما
                  ء طير، ولا حوت حكها ولا طير

وفي شهر رمضان أرسل المولى سليمان للفقهاء أغطية فقال شاعره حمدون مخلدا هذه المكرمة:
أيد الله هماما
            به ثغر المجد باسم
وبطيب المدح فيه
            طيب الله المباسم
انجلى في رمضان
            مخجلا جود النواسم

وكيفما كانت الحال فقد اضطلع شعر السيد حمدون ابن الحاج بتسجيل المراحل الحياتية للسلطان المولى سليمان، وإحصاء ما حفلت به أعماله من بطولات شتى في مختلف الميادين، كما أنه استطاع أن يتفاعل مع الأحداث، ويعبر عنها بعاطفة صدق متدفقة، وشعور متجاوب حي على الرغم مما قد يشوبه من تقريرية وخطابية في بعض الأحيان، ولذلك التحق هذا الشاعر تبؤ الرتبة الأولى بين شعراء عهده، وكان من الممكن أن نجتزيء به عن الباقي لو كان عنوان البحث "المولى سليمان من خلال شعر حمدون ابن الحاج".
وهذا شاعر آخر هو الكاتب المتمكن أبو عبد الله محمد (7) بن إدريس العمراني الفاسي نسبه من بني إدريس،استقر أجداده في بني عمرو من قبيلة زمور فنسبوا إليهم (ت سنة 1264) يقول همزية في فتن فاس افتتحها بمقدمة غزلية جريا على الطريقة التقليدية للشاعر العربي القديم:
أعين العين للمحبين داء
                  والدوا في شفاهها والشفاء
فإذا ما رميم سهما لصب
                  فالهوى قد هوى به الهواء

ونلاحظ أن الشاعر طفر طفرة محببة من غزله فعرج الحديث على صفاته الحميدة كالجود والخلق الطيب ونسبه الكريم وفضله وكرمه المتناهي ورعايته للمعارف، وهو بهذا قد زهت شخصيته بشمائل سامية جذابة:
ليس إلا أبا الربيع ربيع
               خلقه الجود والجدى والوفاء
ملك ملك العلا والمعالي
               وسما فله الفخار سماء
نجدة المجد درة العقد من قد
               راق من فضله السنا والسناء
نجل خير الورى وأفضل من قد
               نبات بظهوره الأنبياء
من إذا رجاه راج لنول
               قبل حل الحبى أتاه الحباء
خلق دمت وخلق بهي
               فمه ذكي نوره ثغار ذكاء
كفه راحة لكل فقير
               بحياء تحيا به الأحياء
روضة راضت العلوم ولكن
               رفعها العرف والثراء الثناء
إلى أن يقول باسطا ما قام به الغوغاء من الفتن عندما ضلعوا رقبة الطاعة، فاجترحوا ذنوبا عظمى من بينها القتل والسلب والنهب، وأولئك بفعلهم ذلك خانوا ذمة الإسلام لكونهم اعتدوا على أناس ـ اليهود ـ يعيشون في كنف الإمام يرعاهم امتثالا لأوامر الشريعة، وهكذا انتهت الفتنة بقيام جنود الإمام بما تفرضه عليهم المسؤولية، ثم دعا للإمام بالسداد في مهمته، وإعانته على إقامة الحق:
قتلوا سلبوا أضافوا وحافوا
                  ما ثناهم عن القبيح ثناء
ما رعوا ذمة ولا فعل ذم
                 بل عراهم من الحياء عراء
نهبوا حارة اليهود وهدوا
                 دورهم وعرى النساء سباء
لو تراهم بين الرعايا عراة
                  يحتذيهم رجالهم والنساء
خفروا ذمة النبي فذموا
                  فعلماء فلا سقاهم عماء
فعبيد الاله خير عبيد
                  قد كفى منهم الإمام كفاء
حاربوا ضاربوا على الحق راعوا
                    ذمة الله لاعداهم علاء
يا إله الأنام خذ بيديه
                    وأعنه فقد عناه العناء
فينام الأمن في ظل أمن
                     ورداه للماردين رداء
وعليه السلام ما سار سار
                  وشدت فوق ورقها الورقاء(8)
ثم تلتقي بعد هذا بشاعر آخر هو العلامة الطيب بن صالح الغماري الزريني  يمدح المولى سليمان بقصيدة عصماء يفتتحها بالحديث ـ محتذيا نسق الشعراء القدامى ـ عن سفره والمتاعب التي لفيها في ترحاله ليؤم أمير المؤمنين:
كم بالصريمة من جذيل عبقري
                     يفرى فلا يلوى على متعذر
قذفت به النوى قلب الفلا
                    متعجرا ثوب الظلام الأعجر
ليؤم مولانا سليمان الذي
                  قال السماح عليه أثنى خنصري
ويشرع بعد المقدمة التقليدية في المدح فيرى أن هذا الملك يعتبر بلا منازع مقلة المحجر بالنسبة لملوك الأرض، لكونه شخصية عظيمة متحلية بالثقافة والحلم ومحامد رفيعة، وبالإضافة إلى ذلك فهو مقدام بطل مغوار لا تراه إلا ممتطيا صهوات الخيول، وعندما يتأهب للحرب نراه يشمر عن ساق الجد لمجابهة الشدائد في صلابة وبسالة منقطعة النظير:
هو في ملوك الأرض غير مدافع
                  فيهم بمنزل مقلة من محجر
علما وحلما في مقام تحكم
                  وشمائلا تزكو بطيب العنصر
ما أن يرى إلا بصهوة سابح
                  يمشي العرصنة أو بصهوة منبر
ما زال يعتد العتاد مشمرا
                  من حزمه للحادث المتنمر
وأمير المؤمنين خلال هيجان الحرب يبدو في حماسته وقوته كالأسد الهائج القوي، ورعيته لولاه ما عاشت في ظل نعيم مستطاب من الإنصاف والعدل والأمن.
وبدأ أمير المؤمنين يمقنب
                 زجل كليث في الهياج غضنفر
تحاذت رعيته به وتأنقت
                 من عدله في ظل عيش أخضر(9)
هذه هي سياحتنا مع شعراء المولى سليمان، ولو استرسلنا في الحديث عنهم وعن أعمالهم لطال الكلام وتشقق، وفي ذلك كفاية وأي كفاية لإظهار مكانة هذا الملك العالم من خلال بعض أعمال شعرائه


(1)  أنظر بحثنا "المولى محمد بن عبد الله بين شعراء عصره" في مجلة دعوة الحق العدد الثالث ـ السنة الثالثة عشرة ـ فبراير ـ مارس 1970.
(2)  ج 2 ص 167 وما بعدها ـ المطبعة الملكية ـ الرباط 1962 .
(3  عارض هذا الموشح لسان الدين بن الخطيب بموشحته الشهيرة "جادك الغيث إذا الغيث همى"
(4)  المطلع عند الموشحين هو مجموعة من الاشطار، والموشح الذي يبدأ بمطلع يسمى " التام" والذي ليس له مطلع يسمى"الأقرع"
(5)  أورد الموشح الفيلالي في كتابه التاريخ المفترى عليه في المغرب ص 154 .
(6)  أنظر القصيدة في النفح ج 3 ص  45 وما بعدها ط  1.
(7)  أنظر ترجمته بتفصيل في ذكريات مشاهير رجال المغرب الحلقة 3 ط. تطوان للأستاذ كنون.
(8) القصيدة أوردها صاحب الاستقصا في ج ص144 وما بعدها. ط. دار الكتاب  ـ الدار البيضاء 1956 وقد حذفنا منها بعض الابيات نظرا لطولها.
(9) القصيدة أوردها الأستاذ كنون في كتابه "النبوغ من 899 وما بعدها ط، 2 دار الكتاب اللبناني، وقد حذفنا بعض الأبيات منها لطولها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here