islamaumaroc

أجنحة النسور

  دعوة الحق

135 العدد

 سيشهد التاريخ لأجيال متلاحقة أن أسرة ملكية عريقة ـ يتقدمها ملك جليل عظيم المكانة ـ خرجت من حياة الملك بهناءته إلى حياة المنفى بقساوته... قيادة للمواطنين الأحرار الراغبين في تحرير المغرب العزيز، فكان أن رسم الطريق أمام أحرار آخرين ليحرروا أوطانهم.
الجو أفريقي حار لافح، ولكن الرجل الأشيب اتخذ مجلسه تحت شجرة أفريقية عظيمة غريبة الاسم من حيث استوى في ارتخاء على كرسي وتير مصنوع من أعواد الخيرزان، قائم على نصف دائرة من نفس الأعواد وبذلك كان يتحرك أماما وخلفا في تنعم وترفه.
 تعلو رأسه قبعة كبيرة تغطي الجبهة والقفا، وهي شبيهة بخوذات الحرب، أولا أنها من الخفاف المبطن بالثوب (الكاكي) ومن نفس الثوب اتخذ الشيخ قميصه القصير الأكمام، وسرواله المتين وإن كان الساقان والقدمان يغطيهما حذاء جلدي أسود لامع ومتين، وفي اليد اليسرى كان يعبث بعصية أنيقة، بينما اليمنى تتلمس الغليون الضخم الذي احترقت فيه عدة علب من خالص التبغ وما زال صالحا للاستعمال.
 وفي مثل هذا المجلس الهادئ لا بد وأن تثور الذكريات في نفس العجوز، المسيو (بروطال): لقد وهن منه العظم، وجف الجلد، وابيض الشعر، وكل البصر، ولم يبق سالما فيه إلا الفكر وخفقان القبل وحاسة التذوق... فهو منطقي التفكير حار التعبير، قوي الجدل، صارم في وجهة النظر لا يتنازل عن رأيه بسهولة... وهو كفرنسي قح يحب الجمال في كل شيء، فلا أشهى على نفسه من محادثة سيدة مهذبة، جميلة المحيا، رنانة الصوت، تضعضع كيانه بمداعبة خصلات شعرها أو تتخذلق أمامه متحدثة بملامحها وحواجبها وأكتافها وبمقدمة صدرها...
إن يوما يتيسر له فيه مثل هذا اللقاء مع مثل هذه السيدة لهو يوم سعيد، يضاف إلى سجل الأيام السعيدة الذي تحفل بها أيامه، وما هي بقليلة...
 وما نسي ولن ينسى أيام (باريس) حين كان العمر في أوجه، والشباب في روعة تفتحه، واللذائذ يمكن أن تتصل ليلا ونهارا في الصالونات والمقاهي والمسارح والحدائق والغناء النادرة... لولا الحروب الفظيعة التي تشتعل بين الحين والحين فتنهك الشعب الفرنسي وتذهب بزهرات مجتمعه. إن كل فرنسي ملزم بأن يحمل السلاح ويواجه الموت دفاعا عن الوطن وهو يرضى أن يحطم ويسحق في أتم شعوره ولا يرضى لباريس أم العواصم أن تسحق وأن تحطم ويستحق في أتم شعوره ولا يرضى لباريس أم العواصم أن تسحق وأن تحطم، لقد سجنه الألمانيون وأذاقوه مرارة المكر البشري، ولما أفلت من الأسر خرج راكبا باخرة من البواخر، قيل له أنها في طريقها إلى مرفأ (كوتونو)بالداهومي.
 ارتحل دون ن يأخذ بالاحتياط لهذا الرحيل، الذي يأخذ به ـ عادة ـ أمثاله من الأوربيين الحاذقين، قد فاجأه كل ما في إفريقيا: بيئة غير البيئة، وشمس محرقة طالعة وغاربة، لا أثر لصقيع ولا ثلوج ولا ضباب، وأشجار وحيوانات وبشر وطبائع وسلوك مخالف لكل ما يعرف، لكن الخصب والنماء والدفء في كل مكان، والأوربيون المهاجرون سمر السحنات، ضخام البطون، كثيرو الأكل والشراب، قليلو النفقات كثيرو الأرباح، ذهب عنهم انقباضهم وأصبحوا سباقين للتعارف والتوادد ولذلك فوجئ بهم وهم يحسنون استقباله، ويكثرون من الاحتفاء به وأخذوه باتفاق مع حاكم البلاد ـ إلى أرض تركوا له حرية تحديد القدر الذي يريد أن يملكه منها، وملكوا له عشرينا زنجيا وزنجية من الفتيان والفتيات، وتركوه يفعل في هذه (الهبة) ما يشاء ..
يا ما أحلى الذكريات!
 لقد كان ذلك منذ خمس وثلاثين سنة، يوم جاء وعمره خمس وثلاثون سنة، بنى بيته، استنبت حديقته، وغرس الأشجار، وشق مجرى المياه من النهر القريب، وأنشأ الحظائر لبهائمه، وأكواخا لعبيده وإمائه، وشرع يحرث ويبذر ويغرس... فإذا الجانب الأيمن من الضيعة العظيمة مغرس للبن، والجانب الأيسر مغرس للقطن، والبن والقطن يقبض ثمنهما من شركة التصدير وما زال الإنتاج في براعمه.
 وأمعنوا في كرمهم فسمحوا له بالتوسع شرقا في ضيعته، وأمدوه بعشرين زنجيا آخرين مكتملي الرجولة، أجرتهم اليومية لا تتعدى قوت يومهم، مع بعض الأخشاب البالية لإشعال النار عند حفلات الرقص، تلك الحفلات التي يستعد بها الزنجي بلباسه الخاص، ويقبل فيها على الرقص والغناء الصاخب، حائما حول النار مع أصدقائه، وضاربا بكفيه على الطبل المزخرف بخطوط مستطيلة ومربعة، ألوانها من عصارة نباتات خاصة يعف كيف يقتنيها من بين الأعشاب... وتكون حينذاك سهرات صاخبة حول لهيب النار القاني، وتحت سماء سطعت نجومها أو استدار بدرها.
 إنما نفس المسيو (بروطال) تضيق وهو يرى هؤلاء الزنوج يتزاوجون ببساطة، ويتوالدون بكثرة، إلى حد أن ضاقت بهم أكواخ الضيعة، فلم يسعه إلا أن يسرح كل زوجة ولود مع أبنائها ويبقى الرجال الأشداء وتكرم الإخوان المبشورون والأخوات المبشرات بالعقيدة المسيحية في هذه الأراضي الإفريقية فأخذوا الأبناء والبنات ـ بعد إغراء أمهاتهم ـ وراحوا بهم إلى الإديرة لتعليمهم وتهذيبهم وهوايتهم. ما أحسن ما فعلوا، ويا ليتهم لم يفعلوا!لقد علموهم اللغة العالمية العذبة، فعرفوا كيف يقرأونها وإن لم يعرفوا قط كيف ينطقونها... إن المسيو (بروطال) ليعجبه أن يرى الزنجي قارئا للكتاب الفرسيين، ولا يعجبه قط أن يلقي تحية المساء، إن أذنه الرهيفة الحساسة لا تستطيع ذلك مطلقا... وأحرز الأذكياء على الباكلوريا، وذهبوا إلى باريز ثم عادوا وقد قبضوا في اليد اليمنى على (الليسانس) وفي اليد اليسرى على غادة من الغيد الباريزيات خلابة بصباها وفتنة جمالها وروعة شقرتها.
 كيف أمكن هذا، كيف أمكن هذا؟ إن المسيو )بروطال( يغمض عينيه عند مثل هذه المشاهدة، ويهز عجبا وهو يسمع أن الزنجي ـ فلان ـ قد عادت به شقراؤه إلى باريز وأدخلته البرلمان الفرنسي كممثل لبلاده في المجلس الوطني.
 يستسبغ فكر السيد (بروطال) شيئا من هذا، ولا يستسيغ البعض الآخر، إلا أنه تربى على أن يحترم (الرأي العام) في أرض الوطن، حتى ولو جر هذا الرأي العام البلاد إلى ما فيه أخطار وبلايا.. ألم يؤيد البرلمان نفي ملك المغرب محمد بن يوسف وابنه الحسن وعيد الله، ولم يتمعن فيما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة.
 وأية عاقبة أخطر من الإقبال على الجرائد، وعلى الإذاعات العالمية لتتبع أخبار المغرب، البلد الإفريقي الموجود في الشمال، لقد كذب المسيو (بروطال) هذا لما بلغوه له، ولكنه بعد جولته في الأسواق وبين كراسي المقاهي وفي بعض الأركان لاحظ ذلك بالفعل!
وأكثر ما شاع هذا ـ قراءة الجرائد وتتبع الإذاعات ـ كان من بين الداهوميين المسلمين، ولم أنهم يمثلون الجانب غير الغني، وغير الواسع الثقافة، فهم جانب من الشعب الداهومي المرموق الشديد التأثير.. إن منظرهم فاتن عجيب باعث على الاحترام عندما يذهبون لصلاة الجمعة زرافات ووحدانا، في لباسهم الأبيض الأنيق الجذاب، ومنظر الحجاج منهم جليل وهم يسيرون في أبهة وجلال وسط المجموع إلى الميناء للركوب نحو الحجاز، ومنظرهم عامر بالمهابة والخشوع، وهم يسيرون بلباسهم الأبيض البراق وراء جنازة سائرة إلى مرقدها الأخير، ومنظرهم الأروع يكون يومي عيدي الفطر والأضحى ـ إنهم يحملون حملات تلقائيا كل الداهوميين على مشاركتهم في عيدهم باعتزاز وافتخار.
 إن هؤلاء المحمديين أصلب عودا أمام أحداث وتقلبات الأيام، إنهم السابقون على مقاومة، وإلى منزلة كل خصم، وهم القاهرون الغالبون دائما.. إنهم يخشعون أمام المقاومة بالمغرب ويكبرون من شأن أولئك الذين يهبون أرواحهم فداء لوطنهم، وبودهم لو تسنح لهم فرصة اعتداد أو هجوم ليفعلوا مثل ما يفعل الأبطال!
 وبقيت الحادثة ـ حادثة نفي الملك وأسرته ـ تفعل فعلها في نفسه، لأنه بثاقب فكره كان يتوقع عواقب وخيمة... وخيمة جدا. ولكنه شعر بالحقد والمرارة حينما علم ـ عن طريق عضو من البرلمان الفرنسي ـ أن الحكومة الفرنسية تنوي نقل الملك وأسرته إلى جزيرة إفريقية نائية هي جزيرة (مدغشقر) فلم يسعه إلا أن يتناول القلم ويكتب بصفته أحد قيدومي المعمرين بإفريقية إلى المسؤولين في باريز.. ناشد ألا تنقل العائلة المالكة المنفية إلى أرض إفريقية، إن الطائرة التي ستجتاز القارة الساخنة الدافقة النور ستكون بمثابة نسر عظيم يضرب بجناحيه العظيمين أديم الرمال الحامية فيثير غبارا في أعين القاطنين الفرنسيين وغير الفرنسيين فيعمي أبصارهم ويفوت عليهم مصالحهم، في نفس الوقت يكون بمثابة ظل يستطيبه الأفارقة ويحلو لهم (التحرك) في ظله الوارف...
 تعاظم ما بنفس المسيو (بروطال) وراح يتنشق من كل جهة ولذلك أشترك في جميع صحف المغرب الفرنسية (بيتي ماروكان) و(والأفيجي ماروكان) و(ماروك بريس) وكل هذه الصحف كانت تعطيه نظرة عن أفكار الفرنسيين القاطنين بالمغرب، وقد وجد أنهم حقا دعاة أقوياء عارفون بخطط أعمالهم.
 لم يكتف بهذا، فعقد العزم وقوى إرادته وسافر إلى المغرب فزار مراكش وبني ملال، وتردد كثيرا قبل أن يزور الدار البيضاء والرباط، وهناك فاز بلحظات فريدة شارك أثناءها في مجالس كبار المعمرين ونخبة رجال الصحافة الفرنسيين... وبذلك أخذ نظرة عن الحالة بالمغرب ورجع ـ بالتالي ـ غير مطمئن.
إن نظراته التي عمقها في أعين السكان المغاربة أكدت له أن المسلمين الأفارقة البيض هم أيضا غير مستسلمين، إن في أعينهم صرامة، وفي أفواههم المزمومة عنادا، وفي ملامحهم العابسة علامات اللارضى... فكيف يشعر القطانون الفرنسيون بالاطمئنان، إن فشل مخططاتهم الجريئة محتومة.. وهذا ما كان يتوقعه من بعيد.
وزاد في اعتقاده هذا ، وشدة مرارة ما يجد في نفسه أن الجزائر تحركت تحركا ثوريا مريعا، ومعلوم ـ يا أسفاه ـ أن بجوار الجزائر توجد النيجر، وفي حدود النيجر توجد الداهومي... إن أفكار المروق والتنطع لا تحتاج إلى أذن، لنتطفل عب الأقطار المسالمة مثل النيجر والداهومي!
فكر المسيو (بروطال) في أن ينصح القاطنين الفرنسيين بالداهومي أن يكتتبوا لجمع قدر من المال تشترى به جميع الصحف الواردة من فرنسا لم تطعم بها النيران، إن ذلك خير من أن يطلع القوم الداهوميين على ما كتب فيها، ويتمتعوا بإعجاب وتقدير ما فيها من صور مثيرة... أن ريبورتاج مجلة (الردار) وهو يمثل مقام محمد بن يوسف وأسرته بالمنفى في ذلك البيت البسيط على لحاف رقيق، بجانب مذياع عادي... أشياء لا بد وإن تفعل في النفوس فعلها، وتبعث الكثير من التقدير والإعجاب والإكبار والتقديس لمن سلموا في المجد والرفعة والجاه الكبير وجاءوا إلى المنفى، وسلموا في القباب والرياض الرائعة وآووا إلى بيوت بالية، حجراتها بسيطة، أراضيها الجرداء من حول ذلك محاطة بالأسلاك الشائكة... إن الإفريقي الصافي الذهن سيقوم بمقارنة سريعة ليدرك قيمة التضحية الوطنية ويتشبع بها، ويهون عليه وهو ساكن الكوخ المفروش بالتبن وأوراق الشجر الملئ بالأثاث البسيط الرخيص... يهون عليه أن يعد نفسه لمثل هذه التضحية وهو يسرى الأميرين الشابين وقد استبدلا فاخر الثياب بلباس بسيط كأبسط ما يكون اللباس... كل هول على الإفريقي بعد هذا يهون!
إن صحافة (باري) تجاوزت حدود جريتها، إنها تفد القوم على القاطنين الأوروبيين، وتعطيهم (دروسا) على صحافتها... فتبا لحرية لا تقدر حدود الأضرار، ولتسقط صحف مثل هذه، ولتحرق?
كل أسبوع وليذهب ثمنها في سبيل خنق أنفاس الشيطان.
ولم يمنع هيجان (المسيو بروطال) ولا أفكاره المضطربة من أن يفكر في مشروع المزرعة المتفتحة على الشاطئ التي عول على إنشائها مع ميناء خاص بها، منه يصدر القطن والبن إلى أرض الوطن الأم، دونما حاجة إلى ديوانة أو إجراءات... إن مزرعته لتبيح له بأن يفعل برزقه ما يشاء، وله من العزم والقوة والخدم والحشم ما به يفعل ما يشاء.
بات الليالي يقدر لمشروع الميناء الخاص بالتصدير، مقدرا له خمسين مليونا من الفرنكات بناء، وخمسين مليونا تجهيزا، أما اليد العاملة التي ترفع الثمن عادة فهي رخصة رخص التراب.
وفي شان اليد العاملة ـ التي يجب أن تكون وافرة إلى أقصى حد ـ ذهب إلى الحاكم العام للداهومي وما راعه إلا أن وجده حانقا، إن أفكار الأهالي السود تبدلت، وإن فوارق الدين تضاءلت، فالمسلمون أخذوا يعيدون مع المسيحيين، والمسيحيون يساهمون في ابتهاج في أعياد المسلمين، وأضحت الرؤوس وأمست تتقارب من بعضها، وصار هؤلاء يفيدون أولئك، والعارفون بالأحداث الواقعة في أقطار إفريقيا الشمالية يبلغون إلى من لا يعرفون، وكثر الهمس والتناجي بقرب مرور (النسور)فوق أرض إفريقيا في طريقهم إلى المنفى الجديد، فأسف البعض أن تعتبر إفريقيا منفى وهي أرض الخصب والنماء والخيرات والطيبوبة وحب الخير، بل أن قلوب أهلها تعتبر أصفى قلوب على وجه الأرض.. بينما فرح البعض الآخر إذ تأوي إفريقيا ابنا بارا من أبنائها، يمثل شخصية إسلامية كبرى، هي أحسن مثال يقدمه الدعاة لعموم الأفريقيين، ملك شريف النسب، عرشه عريق في التاريخ، كان يعيش في العز والرفاهية، ويتمتع بمحبة شعبه بلا استثناء، كل أحواله مستقرة لا انزعاج فيها... هذا الملك يتقدم الصفوف المطالبة بالتحرير، وتحمل تبعات هذه الزعامة بما فيها من قسوة وآلام، ينقل إلى كورسيكا بلاد الجدب والجفاف، ثم ينقل إلى جزيرة إفريقية منعزلة... حقا أنه نسر ونسر عظيم، وبجانبه نسور، تطير في شموخ، وتتوقف في اعتزاز واقتدار...
استفاض الحاكم أمام المسيو (بروطال) في حديثه، وكأنه مجرى ماء كان محبوسا، وتحمس صاخبا، وبشكل لم يترك للزائر مجالا للتعليق... فبقي ساكنا على مضض، يتحرك كأنه طور بيد ينتظر ملامسة لينفجر.. ولما سكت الحاكم انطلق المسيو (بروطال) يقول:
ـ إن عملية نقل السلطان إلى أرضنا الإفريقية خطأ ما بعده من خطأ، لقد كأتبت الحكومة ولبعض أعضاء البرلمان، وقلت لهم إننا بصفتنا أصحاب هذه القارة في معظمها لا تقبل أن تمر بأرضنا طائرة الوطنيين المنفيين، مهما كان شأنهم، فأحرى أن يكونوا أمراء عريقي النسب من ذرية محمد. إن محمد ابن يوسف في نظر المسلمين ـ وحالتهم في الداهومي تعرفونها ـ أمام من سلالة الرسول، لهذا سيصير بمثابة (الإمام علي) في نظر أنصاره على مر التاريخ! إن منحة هذا الرجل ستكون محنتنا نحن، إن الناس ـ بعض سداجهم اقصد ـ يعلقون عيونهم بالسماء، متوقعين أن تمر طائرة المنفيين في سمائهم، وبودهم لو يتحول اتجاهها نحوهم، ليعظم شانهم، ويجدوا ملاذا يتبركون به، رغبتهم هي أن يصير بلدهم مقرونها بالتاريخ ما ذكر السلطان في التاريخ.
وعلق الحاكم:
ـ والراديو الملعون، إن الفلاحين ـ في حقولك يا مسيو بروطال هم أيضا يستمعون للراديو، بالليل والنهار، وهو يفعل في نفوسهم فعل السحر.
قال المسيو بروطال:
ـ أني بمجرد ما أضبط أحدا منهم ومعه راديو إلا وسأطرده للفور.
رد الحاكم:
ـ الطرد لا يخفف المشكل بل سيضاعفه، سيصبح مطرودك صعلوكا، فينعم بالاستماع بين الصعاليك، وويل لنا يوم يستيقظ الصعاليك... إن حادثة المغرب خطيرة وبعيدة الأثر، إذ المغرب تاج في جبين إفريقيا، والماس بهذا التاج في نظر الإفريقيين مساس بهم كلهم... إن هناك حضارة وعمرانا وتجارة وأرباحا، وحياة رافهة ومعرفة بفن العيش، وهناك ديانة متينة، وتصلبا في الدفاع عنها... لقد كان الأفارقة يبحثون عن مثال فأوجدناه لهم، فهنيئا لنا بدهائنا السياسي ودهاتنا السياسيين!
تصور، أن ممثل الداهومي في البرلمان الفرنسي صار أوسع نفوذا مني، لقد جاء إلى هنا مرتين، ومعه غادته الفرنسية، ولم يأت لأداء واجب الولاء، وإنما اكتفى بإرسال بطاقة بسيطة فيها تحية  مختصرة مع ورد رخيص... ومع ذلك لم يسعني إلا أن أقبل الباقة والورقة، وأن أبلع الإهانة... ولو تسرعت وأهنته، لأصبح زعيما، ولست مستعدا لخلق زعامات، ولا مستعدا لتوريط حكومتي، إنني موظف مسؤول، أقدر مسؤوليتي، ولو اضطررت إلى مغادرة هذه البلاد فليس هنا ما أندم عليه.
وعبارة (ليس هنا ما أندم عليه...) نزلت على راس المسيو بروطال نزول صخرة ضخمة، إذ سرعان ما امتدت أمامه ضيعته الفسيحة الواسعة الأكناف النافذة على البحر، وتخيل الميناء وهو يتحرك نشيطا تصديرا وإيرادا، والمال يتدفق على الصناديق بدون حساب... فعاد إلى أوراقه واحد يشرح للحاكم  ـ الذي لم يكن مهتما كثيرا ـ المشروع الجبار ومزاياه على صاحبه وعلى الداهومي.
قال الحاكم:
لقد تمر النسور في سماء إفريقيا، وتصفق بأجنحتها فوق الرؤوس، فيزداد المستيقظون تيقظا ويصحو الغافلون من غفوتهم... أنصحك أن توفر ملايينك إلى حين.
قال المسيو بروطال:
ـ سيدي الحاكم، قد أضطر إلى تصرف شخصي، فمشروعي لا يتحمل التأجيل ولا الإهمال، وداعا وداعا... ... ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here