islamaumaroc

الأعياد الثلاثة.. عرش..هجرة.. ربيع

  دعوة الحق

135 العدد

عيد العرش
وعيد الهجرة
وموسم فصل الربيع
تلك أعياد سعيدة، ومواسم حافلة، ومهرجانات شائقة رائعة يستقبلها الشعب المغربي النبيل وهو يحتفل، في نشوة من الفرح والغبطة، والمسرة والابتهاج، بعيد العرش السعيد، وذكرى جلوس العاهل الهمام على عرش أسلافه المجاد، وأجداده المنعمين ...
وأيام غرة طافحة بالبشر والصفاء يستفتح بها هذا الشعب الكريم صفحات بيضاء من صفحات الحياة تهديها سنتنا الهجرية الجديدة، نأمل أن نضيف إليها أمجادا ومآثر ومفاخر، وأعمارا حافلة بالحركة والانتاج، وسنجل فيها تاريخا مزدحما بالذكريات الكبرى، والمناسبات السعيدة، والأيام الخالدة ...
وربيع باسم، وجو طليق، وطبيعة تفرق في النعيم، وتفيض بالبشر والأنس والحبور .. وقلوب تزخر بالعواطف، وصدور تجيش بالأماني، ونفوس تسبح في مرح العافية، وفيض من النعيم المقيم ... صور رائعة وضيئة تتألق في إطار مشرق جميل تألف من عيد العرش المجيدن وعيد الهجرة المحمدية، وموسم فصل الربيع الذي تتراقص على حواشيه الخضر عرائس المنى، وأطياف الحسن والجمال ...
إن عيد العرش السعيد الذي يحل كل عام في الثالث من شهر مارس، وفي مستهل فصل الربيع الذي جعله الله نشورا للحياة، ومتاعا للحي، ومعادا للفتوة والشباب، ومبعثا للدفء والحب والصفاء، وانتعاشا للأعشاش الناعمة المفردة التي تمتاز بالطهارة والفضارة والنضارة، والبركة والإنتاج، ليشير إلى هذه المعاني كلها ... فقد شاء الله أن يكون لهذه الأمة ربيعا للقلوب، ومظهرا للفرح، ومهبطا للسرور، ومصدرا للإخاء والود والابتهاج، وفرصة ميمونة لتقوية النفس، وبراءة من التقصير، وعزما أكيذا على الجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، والانطلاق في سبيل الحق والخير والجمال ..
                                              *  *  *
انقضى عقد كامل، ومرت عشر سنوات من أيام الله قضاها صاحب الجلالة والمهابة أمير المومنين مولانا الحسن الثاني في الكفاح والنضال، والتشييد والبناء، يسوس أمة، ذكية القلب، يقظة الفؤاد بالصراحة والسماحة والحرية والعدل، ويولد في نفوسها وقلوبها معاني الإنسانية والعدل والديمقراطية ...
فلقد أعطى حفظه الله لهذا الشعب الكريم الذي أخلد إليه بالثقة، وألقى في يده المقاليد، ذوب قلبه، وعصارة تفكيره، ونضارة وجوده، وما زال – رعاه نشاطا بنشاطا، ويبذل جهودا أثر جهود بدافع من نفسه، وحافز من شعوره، وباعث من وطنيته التي تملأ شعاب القلب بالإكبار والإعجاب ... همه أن يرى هذا الشعب سعيدا كريما يعيش حرية مهذبة الأطراف، منمنمة الحواشي مأمونة من الطرف والسفه والميع في مغرب حر كريم، صريح الاستقلال، موفور الكرامة، قوي الدعائم ، رفيع الذرى، شامخ الأركان، تضوع في إبهائه نفحة الإسلام، وتخفق في جنباته الرايات والأعلام.
وإنها لمناسبة سعيدة  يستقبلها الشعب المغربي، وهو يحتفل بالذكرى العاشرة لجلوس عاهله العظيم على عرش أسلافه المجاد، والعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه يحتفل هو أيضا بحلول العام الجديد من السنة الهجرية التي كانت حركتها فتحا مبينا في صدى الإسلام، وقاعدة انطلاق التاريخ، ونقطة تحول، وأصل تقدمه وامتداده لما لها من صدى عميق في أوساط الإنسانية، وأثر بالغ في تاريخ البشرية، غير وجه الحياة العتيقة البالية، وقلب نظام المعيشة الفاسدة، ودفع بعجلة الإنسانية نحو التقدم والرخاء والازدهار ...
والأمة المغربية المسلمة المؤمنة التي تحتفل في اهتبال عظيم، ونشوة غامرة، وحماسة دافقة وشعور واثق مطمئن بعيد العرش السعيد يسعدها أن تستقبل عام هجري جديدا يجدد في أذهانها ما طمس من معاني الإيثار والإخاء والمروءة والفداء، فتتداعى إلى قلوبها وخواطرها أيام حامية للجهاد، ودامية بالضحايا، ومواقف خالدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وتستلهم من وحي تلك الذكرى روح التضحية والفداء، وبذل النفس والنفيس لنشر دعوة الإسلام، وحماية دياره من كيد الظالمين، وعنت المعتدين...
كانت الهجرة المحمدية، التي جمعت بين روعة الكفاح والفداء، وعظيم الأثر وخطير اللقاء أعظم حادث فذ في تاريخ الإسلام، ومنطلق القيم الخالدة لدى الإنسانية جمعاء، ومثلا عظيما من أمثلة الدفاع عن الحرية والكرامة ..
إنها عيد الإنسانية الأكبر .. وعيد التضحية والفداء .. وعيد الإخاء والمساواة والمثل الرفيعة في حياة الناس...
وإذا كانت الهجرة أتعاب شاقة، وجهود مضنية، واستئنافا لجهاد قام به الرسول عليه السلام لتحويل العرب عن وثنيتهم المشركة، وجاهليتهم الخرقاء، وعبوديتهم الدليلة إلى حياة العز والسلام، فأحيى أمة، وأيقظ شعبا سارت مواكبه عبر الأجيال. ومدى القرون تحمل المشعل الوحيد الذي يضيء الطريق في دروب الحياة ... فإن الحياة اليوم جهاد ... ومعركة ونضال وهجرة من التخلف إلى التقدم والنماء، ورصد لملكات الأمة وكفايتها لدفع الفقر، وطرد الجهل، ومعالجة المرض، وحماية الشباب الذي يلقى في هذه الحياة فتنة العقائد المريضة، والمذاهب الواغلة التي تقدم إليه ملفوفة في تيارات منحرفة أفسدت عقله، وبلدت حسه، وحملت إليه السم الزعاف، والبلاء المبين ....
لقد كان ملوكنا العلويين أكرم الله متواهم، وبرد بالرحمة تراهم لا يدعون فرصة تمر دون أن يغتنموها لتوجيه امتهم إلى ما فيه صلاحها وفلاحها، وخيرها وإسعادها.
ففي بداية السنة الهجرية لعام ثلاثمائة وألف، وجه أمير المؤمنين المولى الحسن الأول الذي جبر الله به صدع الذين، ولم شعت المسلمين، وأخمد شهاب الباطل وأنار سبيل الحق المبين، رسالة جامعة إلى معاشر أهل الإسلام اشتملت على كثير من المواعظ الحسنة، والأوامر المطاعة، والنواهي الزاجرة، والنصائح الغالية لجميع بلاد المغرب.
وهي رسالة تجديدية بالمفهوم الصحيح لكلمة التجديد أرسلها مولانا الحسن الأول منذ تسعين سنة إلى عموم المسلمين في كل مكان، وهي طويلة جدا، نستأنس هنا ببعض فترات منها ... فقد ختمها رضي الله عنه بقوله :
« ... وقد ظهر في الناس من المخالفة لأمر الله وإتيان ما حرم الله والتفريط في جنب الله والأعراض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخشى معه من حلول عقاب الله ونقمته، لولا حلمه وعفوه، ويابق رحمته. قال تعالى : «ولو يواخذ الله الناس بظلمهم» .. الآية. نطلب الله أن يلهمنا المسلمين لما يوجب رضوانه، ويرشدنا لما يجلب آمانه وغفرانه، فإن هذه الدار قنطرة إلى الآخرة، وسبيل لمن وفقه الله إلى الوصل للمنازل الفاخرة، والسعيد كل السعيد من أستعمله الله في أعمال صالحة، وألهمه إلى إتباع سنة رسوله التي هي المتاجر الرابحة، فخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، وتزود من تقوى الله، وخير الزاد التقوى، وقدم ما ينفعه من هذه الدار للآخرة، وذكر فنعته الذكرى، فينبغي تكرير الوعظ والتذكير، والتنبيه والتحذير، ليلا تقسو القلوب، ويتولى الذنوب، « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» وفي الحديث عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة أحيانا مخافة السآمة علينا، ويجب الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وتجديد نية الإخلاص ونفي الإصرار. والعمل بالسنة هو السبيل الموصل إلى رضوان الله فألزموها، واجتنبوا البدع والمنهيات واحذروها، ففي الحديث : « عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة» فيتأكد على كل من ولاه الله تعالى أمرا أن يظفر لرعيته. ويعمل على إخلاص عمله وتصحيح نيته. ويرشده إلى ما ينفهم دنيا وأخرى، ويحملهم على ما يقربهم إلى الله زلفى، قال سبحانه : « وذكر فغن الذكرى تنفع المومنين» وقال : « إن الذين تقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون»، وذلك بعد أن يعمل العامل بطاعة ربه، ويجعل سعيه فيما يوجب الفوز بقربه. فإنه لا ينفع الوعظ في أبناء جنسه، إلا بعد تطهير نفسه. فيبدأ العامل بنفسه فيصرفها عن هواها، ويأمرها بما يأمر به سواها، ولا يكن ممن يدعو إلى طريق البر وهو قد حاد عنه وخرج، وتستقيم أحوالها في السر والعلانية.. ».
كلمات حية صافية، وتوجيهات سامية مضيئة اعتادت الأمة المغربية أن تتلقاها بالقبول الحسن من ملوكنا العظام الذين عقلوا جهودهم للحفاظ على تربية هذا الشعب، وأرصدوا ألاهب الحسد لتوجيهه وتتقيفه كلما صادفته مناسبة من المناسبات الإسلامية أو الوطنية والقومية ..
وقد ألفنا من مولانا صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده أن يصدع بالنصح المحض والتوجيه الحسن في ضلال الحكم الصالح والديمقراطية الواعية، وجمال العدل والنصفة والمساواة كلما دعا داع إلى ذلك ...
وتلك نفحة قدسية من نفحات مولانا محمد الخامس تغمده الله برحمته، وثمرة كريمة من غرس يمينه، وتربية من بطل عظيم له مواقف أولي العزم من الرسل في الذياذ عن كرامة الوطن، واستقلال البلاد، وتحرير المواطنين ...
وما الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني إلى أصحاب الجلالة والفخامة ملوك ورؤساء الدول الشقيقة والصديقة بشأن توتر الحلة في بلدان الشرق الأوسط يدعو فيه حفظه الله إلى تظافر جهود الدول المحبة للسلام من أجل تحقيق حل عادل ودائم لازمة الشرق الأوسط إلا مبادرة حميدة ومواقف حاسمة ترمي إلى تحقيق انسحاب القوات الإسرائيلية التي شنت حربا عوانا في صراحة ووقاحة ضد إخواننا الفلسطينيين الذين يكابدون برحاء الأحزان والأشجان، ومرارة الظلم والعناد والطغيان، وتهديم الأماكن المقدسة التي تعتبر قبلة الإسلام، ومهد الأنبياء ومسرى الرسول عليه السلام.
وإن البلاد المغربية المسلمة المومنة التي حضيت بملك عظيم، وحباها الله بطلا فذا، وإيمانا مجاهدا يذيب روحه في سبيل إنشاء أمته وادعاء نهضتها، وإحكام الصيغة وتوثيق العرى بين أفرادها لجديرة بأن تختال مزهوة في هذه الأيام السعيدة، والأعياد المجيدة الخالدة التي تعيشها الأمة في سلسلة من المهرجانات والحفلات التي تتوج جهود مولانا الإمام، وتكلل بغار الظفر والنصر أعماله العظام، حيث الخير عميم، والشمل جميع، والقلوب مؤتلفة، في ظله الرخي الوارف.
فيا سيد البلاد، ويا حامي حمى الوطن والملة .. حفظ الله زمانا أطلعك..
وحفظك في ولي عهدك المحبوب الأمير الجليل سيدي محمد وباقي الأمراء والأميرات والأسرة العلوية الشريفة وشعبكم العظيم ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here