islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  محمد العربي الخطابي

17 العدد

لا أحب أن يفتوني، وأنا أضع العدد الماضي من «دعوة الحق» في الميزان، أن أبدى ملاحظة أراها من الأهمية بمكان عن هذا العدد، وربما تكون هذه الملاحظة صالحة حتى بالنسبة للأعداد السابقة من المجلة.
فالشيء الذي لفت نظري وأنا أتصفح العدد الماضي من مجلة «دعوة الحق» واقرأ ما به دراسات ومقالات وشعر، وهو الأعراض التام عن حياتنا ومشاكلنا الحاضرة، فليس في المجلة دراسة أو مقال أو شعر يعني بالمجتمع المغربي الحديث، وما يسوده من قلق مبعثه التطلع إلى مستقبل أفضل، وحياة أكرم وأرقى، وما يعانيه هذا المجتمع من ضروب الكفاح في سبيل تأكيد ذاته والقضاء على سائر ما يعرقه عن التقدم والسير نحو تحقيق أمانيه الإنسانية الكبرى. وذلك إذا استثنينا مقال الأستاذ المصمودي عن شعرنا المعاصر.
لقد تناول الكتاب الدين شاركوا في هذا العدد موضوعات مختلفة لا يمت أحدها بصلة إلى المغرب الجديد، ومجتمعه المعاصر، وما يواجهه من مشاكل فكرية وإنسانية ومادية كبرى تتطلب الدرس والعناية والحلول الصائبة. والتوجيه الهادفة. كأنه ليس من شأن الباحثين والأدباء والمفكرين أن يعنوا بواقع بلادهم، ويعالجوا بأقلامهم قضايا المجتمع القائمة، ومشاكل المواطنين التي يصبحون عليها ويمسون.
فعوضا من أن يعالج الأستاذ الجراري ـ مثلا ـ قضية اللغة العربية بالنسبة لواقعنا الحاضر ـ وهي مشكلة الساعة في ميدان الكفاح من أجل تعريب التعليم والإدارة في المغرب ـ يحدثنا الأستاذ الجراري عن اللغة العربية وانتشارها في عهد الفتح الإسلامي الأول، وعصر الادارسة...
ويحدثنا الأستاذ محمد كاظم سباق عن الأسماء وأهميتها منذ العهد الذي اقتضت فيه إرادة الله أن يجعل آدم خليفة في الأرض، وعن خطورة هذه الأسماء الأمراض والآفات التي تفت في جسم الأمة وأسماء الأدوية ووسائل العلاج.
ويطيب للأستاذ القادري أن يحدث قراء المجلة عن الدونمة ـ اليهود الذين تحولوا عن اليهودية واعتنقوا الإسلام في تركيا مبيتة ضد المسلمين، وكان الأجدر به أن يتناول بالدرس ـ بالمغرب في مرحلته الانقلابية الكبرى ـ مشكلة من المشاكل الحيوية التي نواجهها... وقل مثل ذلك في بقية المقالات والقصائد والأبحاث، لا نستثني منها إلا مقال الأستاذ المصمودي الذي سبق ذكره.
إنني أعتقد أن العناية «بشؤون الفكر والثقافة» التي هي من أهداف المجلة، كما يحدد ذلك المحرر في كلمة العدد، معناها العناية بالثقافة الحية النابضة، المبدع الوثاب، الثقافة التي من شأنها أن ترسم الطريق واضحا أمام الجيل الحاضر من هذه الأمة، وتنير له طريق المستقبل ليرتاده في عزم وثقة، والفكر الوضاء الموجه الذي يدعو إلى الحياة والنضال والتطور.
فإذا كان لابد لمجلة (دعوة الحق) أن تخصص قسطا من صفحاتها للدراسات والبحوث الإسلامية، باعتبار ذلك شطرا من منهاجها وخطتها، فإن من حق القراء على المجلة أن يكون الشطر الثاني من خطتها الذي هو «العناية بشؤون الثقافة والفكر» ـ متجها إلى الواقع الحاضر للأمة المغربية، يعالج مشاكلها ويدرس القضايا التي تهم حاضرها ومستقبلها.
كيف يهمل الكتاب والباحثون والمفكرون مشاكل التعليم والثقافة والاجتماع والاقتصاد التي تثقل كاهل المغرب في وثبته الحاضرة، ويتناولون بالدرس والتحليل على صفات هذه المجلة ـ التي تكاد تكون مجلة الثقافة والفكر الوحيد في المغرب ـ اللغة العربية في عهد الفتح الإسلامي، والدونمة، والأسماء، وغير ذلك من الموضوعات التي تصح أن تكون فصولا من كتاب لا مقالات تنشر في مجلة شهرية يلزم أن تكون على اتصال وثيق بقرائها وبمشاكلهم وقضاياهم الفكرية والعاطفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؟
والشعراء ؟ أما كان أجدر بهم أن يتغلغلوا في صميم حياة بلادهم يتغنون بآمالها ورغائبها، ويصورون كدح أبنائها ونضالهم في سبيل مستقبل مشرق راق سعيد، عوضا من أن يستسلموا لترانيم عاطفية قد تريح النفس، ولكنها لا تبعث على الانطلاق؟
لست أدعو بهذا إلى مدرسة أدبية أو فكرية معينة، وإنما قصدي أن تكون الثقافة والفكر من عوامل الحياة والتحرر.
وعندي ملاحظات أخرى على العدد الماضي في جملته أحب أن أبديها قبل الشروع في نقد المواد التي احتوى عليها هذا العدد، تفصيلا.
الملاحظة الأولى تتعلق بالشكل. فترتبت المواد لا يتبع نظاما معينا، فالكلمة المنقولة عن كتاب لتوفيق الحكيم بعنوان «الدين والفن» تسبق في الترتيب المقالات الرئيسية التي حررها الكتاب خصيصا للمجلة، وكذلك القول في محاضرات الأستاذ محمد الفاسي، والمقال المترجم عن طه حسين. وقد يكون من الأنسب أن تخصص المجلة بابا لمثل هذه المسائل أي لما تختاره المجلة لقرائها من الكتب، أو ما تنقله عن الصحف الأخرى لقيمته الفنية والأدبية أو لأهميته العلمية، كما يستحسن أن تترك المجلة بابا خاصا لنشر ما يستحق النشر من الحاضرات والخطب والأحاديث الإذاعة. ويستحسن أيضا أن تتبع المجلة نظاما ثابتا في ترتيب المواد، وهذه مسألة ذوق فقط، وليست قاعدة ثابتة، فتعطي الأسبقية مثلا ـ للدراسات الإسلامية، تليها في الترتيب البحوث العلمية والثقافية ثم المقالات الأدبية والقصص والروايات ثم الشعر.
ومما يسترعي الانتباه كثيرة الأخطاء المطبعية والتصحيف مما يلزم مضاعفة العناية بالتصحيح.
ولما كانت المجلة تعنى زيادة على الدراسات الإسلامية بشؤون الثقافة والفكر، فأنني ألاحظ نقصا بينا في العناية بشتى ألوان الثقافة، فهي تخلو من كل دراسة أو تعليق أو شيء مترجم عن المسرح والموسيقى والتصوير والنحث، وعن مختلف الاتجاهات الفنية والفكرية التي يزخر بها عالمنا الحديث.
وقد لاحظت من خلال «دعوة الحق» ضعف الإنتاج القصصي والروائي عندنا، ولا يد للمجلة ـ بطبيعة الحال ـ في هذا النقص، وربما كان في الامكان تعويضه بنقل بعض روائع الإنتاج الأجنبي في هذا الباب.
انتقل الآن إلى نقد المواد التي احتوى عليها العدد الماضي عن هذه المجلة، مراعيا الاختصار ما أمكنني.
من الدراسات الإسلامية التي اشتمل عليها العدد الماضي مقال للأستاذ أبي الأعلى المودودي، شيخ الجماعة الإسلامية بباكستان، تحت عنوان «المصدر الحقيقي لقوة المسلم» وقد عودنا هذا الأستاذ الكبير بما كنا نقراه له في مجلة «المسلمون» وفي أعداد ماضية من «دعوة الحق»، أن نرى في كل ما يكتبه من دراسات عمقا في التحليل وإشراقا في العرض، وإيمانا بقوة الإسلام وصلاحية دعوته ومقاصده لكل زمان ومكان.
وقد جعل الأستاذ المودودي في بحثه المذكور، الإيمان والنية والأخلاق وطاعة الله ورسوله مصدرا لقوة المسلمين الحقيقية. ولاشك أن الأستاذ الفاضل مصيب فيما يراه من أن ذلك الإشعاع الروحي الكبير الذي كان يغمر قلوب المسلمين في الصدر الأول للإسلام مصدر قوتهم وتفوقهم على كثير من أقطار الأرض. وأنا متفق مع الأستاذ المودودي فيما ذهب إليه من أن الذي يجعل «أمة غالبة بين الأمم هو البادئ التي تقوم عليها حضارتها، ثم هو رسوخ تلك المبادئ في القلوب، وهيمنتها على الأعمال...»، ولكني لا أتفق مع العالم الفاضل فيما قاله من أن الأمة «التي توفرت فيها هذه الأمور الثلاثة فلا جرم أن تكون غالبة بين الأمم... إن كانت الأكواخ وتلبس الأسمال، وكان أفرادها ضامري البطون في الحاح الفاقة.
لست أتفق مع الأستاذ المودودي لأن الفقر عدو الأخلاق، فلا بد إذن أن تقوم بجانب المبادئ القويمة حضارة صالحة ونظام اقتصادي واجتماعي سليم يكفل للناس جميعا العيش الكريم، ويضمن لهم المساواة والعدل وتكافؤ الفرص.
كما أنني لا أتفق مع الأستاذ المودودي في أن الإسلام «لم يدع المسلمين أن ينشئوا الكليات ويقيموا الجامعات ويؤلفوا الشركات ويقيموا المصانع..».
فكتاب الله وأن لم يدع صراحة إلى هذا، فإنه أرد للمسلمين العزة والغلبة حين دعاهم إلى الإيمان والعمل الصالح، وهم لذلك لابد أن يقيموا دولتهم على أساس من العلم الصالح، وهم لذلك لابد أن يقيموا دولتهم على أساس من العلم والمدنية، لأن الأخلاق لا تستقيم بدون على علم ولن يكون إيمان بدون أخلاق، ووسيلة العلم المدارس والجامعات والمصانع وغيرها، ثم أن الإسلام كما نعرف هو دين التطور والتجديد، وهو لذلك لابد أن يساير تقدم العلوم وازدهار المدنية والعمران، ويأخذ من هذا كله بالنصيب الأوفى.
و «هداية الأربعين»، للأستاذ مصطفى الزرقا، مقال عن مزايا الصيام وفضائله، يدخل في باب الوعظ والإرشاد، وفيه تذكير لكثير من شبابنا الذين يكادون يجهلون كل شيء عن الإسلام وعن القيم الروحية الكبرى التي ينطوي عليها.
ويلي مقال الأستاذ الزرقا، فصل بعنوان «الدين والفن»، منقول عن كتاب «فن الأدب» لتوفيق الحكيم، ولست أتفق مع الكتاب البارع في وقوله «... من أجل هذا كان لابد للفن أن يقوم على قواعد الأخلاق»، وذلك لأنني اعتقد أن الفن في حد ذاته فضيلة فطرية تلقائية، فلا يصح أن تقوم على الأخلاق أو على اللااخلاق، أما الدين ففضيلة اجتماعية تقوم حتما على قواعد الأخلاق، لهذا لا تصح المقارنة من أسسها بين الدين والفن، بالرغم من الصفات التي ذكر الأستاذ الحكيم إنهما يتفقان فيها.
أما مقال الدكتور طه حسين الذي ترجمه الأستاذ محمد برادة عن الفرنسية بعنوان «الاتجاهات الدينية في الأدب المصري المعاصر» فأنني لا أجد فيه جدة أو طرافة، ولعل الدكتور طه حسين كتبه للأجانب الذين ليس لهم إلمام بالحركات الفكرية والأدبية المعاصرة في العالم العربي، وحبذا لو كان الأستاذ برادة قد ترجم لنا «مناظرة في مراكش» للأستاذ «طيري» وهو بحث منشور في نفس العدد من مجلة (الإسلام والغرب) التي ترجم منها مقال الدكتور طه حسين، ويتناول البحث المذكور مقابلة الفيلسوف ابن رشد للأمير أبي يعقوب بن عبد المؤمن الموحدي في مراكش، والمناظرة الفلسفية التي دارت بينهما بحضور ابن طفيل. وهو تحقيق تاريخي طريف.
وكتب الأستاذ محمد كاظم مقالا في هذا العدد بعنوان «في الأسماء» وهو بدون شك بحث جمع بين الطرافة والإمتاع، طرقه الباحث من الوجهة الدينية الإسلامية في الغالب، ولكنه مع ذلك بحث ناقص، لأنه لم يتعرض للأسماء ومدلولها والطرائف التي تروى عنها عند الأمم غير الإسلامية. والبحث، بعد هذا، لا يفيد القارئ، فهو متعة وتزجية للوقت ليس إلا.
ويلي هذا البحث، الفصل الأخير من محاضرة الأستاذ محمد الفاسي بعنوان «الرحلة المغاربة وآثارهم، وقد علق عليها كل من الأستاذين فريد رمضان وأحمد زياد في العددين السابقين.
أما الدراسة التي قام بها الأستاذ محمد العابد الفاسي عن ابن عبد الملك المراكشي، صاحب كتاب «الذيل والتكملة» فإنما لم تنشر بكامها في هذا العدد، ويشكو الأستاذ الفاسي من قلة المصادر التي تحدثنا عن هذا العالم العربي الجليل وتعطينا ترجمة وافية له. وهذه العقبة، التي تبعث على الأسف، يصطدم بها كل باحث يريد أن يترجم لأحد المشاهير من الأدباء أو المؤرخين أو العلماء المغاربة، وهي عقبة يتغلب عليها بعض المؤرخين أو العلماء المغاربة، وهي عقبة يتغلب عليها بعض الباحثين المنقبين الذين يتاح لهم الإطلاع على المخطوطات والكتب النادرة المبعثرة هنا وهناك.
وقد بذل الأستاذ محمد العابد الفاسي مجهودا حميدا في إبراز شخصية ابن عبد الملك المراكشي معتمدا على ما أمكنه الإطلاع عليه من المصادر القليلة التي لا تعطينا أية صورة واضحة كاملة عن هذا العالم المغربي.
وقد أهمل المترجم السيد محمد العابد الفاسي الإشارة إلى الصفحة والعدد الذي نقل عنه ما قاله ابن الزبير في صلة الصلة، وأورده الأستاذ الاهواني في مجلة المعهد المصري بمدريد. كما أنه لم يشر بشيء إلى كتاب المرتبة العليا للنباهي، والريحانة لابن الخطيب (رقم الصفحة، والطبعة أو المخطوط،) وفي ذلك فائدة للباحث المحقق.
وتابع الأستاذ محمد الطنجي في هذا العدد بحثه عن «الموارد المالية في دولة الإسلام» وهو يبحث في هذا القسم الأخير موضوع أخذ الزكاة على جميع ما تنبته الأرض، وأورد آراء الأئمة في هذا القسم كمن بحثه «ولا بأس أن نشير مقدما إلى أننا نبحث في إمكانيات أحياء قاعدة الزكاة على أساس عملي دقيق، يتلاءم ويتمشى مع مقتضيات العصر الحاضر...» فقد حسبنا أن الأستاذ الفاضل سيأتينا بدراسة مقارنة عن التشريع الجبائي في الإسلام وفي الأنظمة الجديدة الأخرى، وخاصة التي استنتها وتسير على بعض «الأقطار الإسلامية» إذ بذلك يمكن استخلاص تشريع جبائي يتلاءم مع روح الإسلام ويساير مقتضيات العصر، غير أن الأستاذ الطنجي اكتفى برد بعض الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة واختلافهم في باب زكاة الحبوب وما تنتبه الأرض من خيرات.
ولم نجد في بحث الأستاذ الجراري عن «اللغة العربية في المغرب» شيئا جديدا أو طريفا. وقد كنا نود أن يحدثنا عن الطريقة التي أتبعها الفاتحون العرب لتعليم سكان البلاد الأصليين اللغة العربية، وإلي أي مدى ثم لهم ذلك بالنسبة لسواد البربر، وهل استعرب هذا السواد وتمكن من اللغة العربية أبان الفتح وفي العهود التي تلته.
ونريد من الأستاذ عبد السلام الهراس الذي كتب في هذا العدد مقالا بعنوان «فلسفة الحركة» نريد منه أن يبسط الموضوع الطريف الذي طرقه بسطا ويزيده إيضاحا، ويعطينا أمثلة حسية عن الحركة الخالية من الفكرة، والحركة الناقصة التي تتولد عن الفكر الناقص والوعي السطحي، كما نود أن يحدثنا عن الفكرة التي يراها محور الحركة الحية الناجعة، الفكرة التي تسرى في شرايين الأمم فتدفعها إلى النهوض والتطور وتحبب إليها النضال لرفع مستواها الإنساني والمادي.
وكتب الأستاذ عالم إدريس بحثا بعنوان «الوحدة العربية وتوفر مقوماتها» وهو بحث قيم مستند على البراهين العلمية والحجج التاريخية. ولن يتأتى الحكم الصحيح على هذه الدراسة إلا بقراءتها كاملة وستنشر بقيتها في لعدد القادم.
أما البحث القصير الذي كتبه الأستاذ القادري عن «الدونمة» فهو طريف أيضا أظهرنا فيه على معلومات عن هذه الجماعة الذين كان أصلهم من اليهود فأسلموا إسلاما مشويا. وربما يكون الأستاذ القادري مبالغا في قوله بأن هؤلاء الدونمة هم الذين قضوا على تراث تركيا المسلمة، وأبعدوها عن العروبة والإسلام والمسلمين.
لقد كانوا ولا شك عاملا مهما في ذلك لكن هناك عوامل أخرى من جملتها المطامع الأوروبية في الشرق والحركة المناهضة للأتراك العثمانيين التي ظهرت في كثير من أقطار الشرق العربي في أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن.
وكتب الأستاذ المهدي البرجالي مقالا عن مشروع معاهدة الاوراتوم، وهو مقال مركز لم ينس كاتبه أن يربط ما بسطه عن مشروع الاوراتوم وعن الاتجاهات التعاونية التي تتحكم في توجيه كثير من التيارات الدولية في منطقة النصف الغربي من أوروبا، لم ينس أن يربط ذلك بما يثيره في ضميرنا الواعي «كامة نامية أولا وكجزء من المركب الإفريقي الشمالي ـ على حد تعبير الكاتب» ـ وقد جعلنا الأستاذ البرجالي نفكر في ينابيع الطاقة والثراء التي تزخر بها أقاليمنا الصحراوية، وما يحوم حولها من مساومات وأطماع أجنبية، كما جعلنا نفكر في المصير الاقتصادي والدولي لهذه الوحدة الجغرافية والسياسية والسلالية التي نطلق عليها المغرب العربي.
وتنتقل الآن إلى الصورة الخيالية التي وقعت للأستاذ السميحي فسجلها بعنوان «مع حكيم القردة» وحيث أنني لا أستسيغ في الأدب والسياسة أن يتحدث فرد بلسان البشر، لاسيما حين يريد الكاتب أن يجعل من القرد حكيما، فأنني لم أتذوق ما كتبه السيد السميحي على لسان هذا الحيوان ولم أطرب له. وقد جرت العادة أن ينطق الكتاب حيوانات ألفية تعيش مع الإنسان مثل الحمار والكلب والديك...
تاني بعد ذلك القصائد، ألأولى للأستاذ ابن ثابت بعنوان «سوسة عروس الاساحل» وأنا أعيب عليه فيها وحدة القافية التي لا تنسجم مع تعدد الصور والمناظر التي تجعل من سوسة عروس الساحل. والمقطوعة ليست وصفا لسوسة وما قد يكون فيها من مناظر جميلة، وإنما هي إرتسامات عاطفية طبعتها هذه البلدة في نفس الشاعر ابن ثابت.
والقصيدة الثانية للأستاذ أحمد البقالي، وهي بعنوان «أنا الأعمى»، وأعيب على الأستاذ البقالي أولا، أنه سبق له أن نشر هذه القصيدة في مجلة الأنيس سنة 1953، وأظن أن مدة ست سنوات كافية لأن ينمو فيها الخيال وتتكامل إحساسات الشارع، وتتغير نظرته إلى الدنيا، خصوصا وأن الأستاذ البقالي قد رحل إلى الشرق طلبا للعلم وعاش فيه مدة طويلة عايش خلالها الأجواء الأدبية هناك، وأطلع على مختلف الاتجاهات الشعرية. وأعيب عليه ثانيا النزعة التصوفية التي طغت على قصيدته هذه، تلك النزعة التي لا تهدف إلى شيء. إننا نحب أن نقرأ للشاعر البقالي شعرا منبثقا عن تجربته الحاضرة التي ترتبط حتى بالانقلاب الذي حدث في وطنه، في السنين الأخيرة، وأنا أعرف أن له رصيدا من الإحساسات الإنسانية أود أن يصوغها في شعر جديد  بروح مجددة.
أما القصيدة الثالثة فهي للأستاذ مصطفى المعداوي بعنوان «أنشودة للبلد الأخضر» وهي مقطوعة تنم عن صفاء في الإحساس، إلا أنه لا يبدو فيها ذلك التوقد الذي يبعث في النفس الحماس والانفعال. فالشاعر يتغنى في أنشودته بموطنه ـ موطن الكفاح ـ فلا يوفق إلى العبارة القوية، والنبرة المشتعلة، وهو فيها عدا ذلك ذو خيال متسع، واستعداد فني يبشر بالخير.
ولا أحب أن أتعرض بشيء للرد الذي كتبه الأستاذ علال الفاسي على نقد الأستاذ فريد رمضان لقصيدته المولدية المنشورة في عدد ديسمبر الماضي من «دعوة الحق»، وذلك لأن «إصلاح الميزان» رد مستفيض على نقد، وهو كذلك بمثابة بحث في اللغة ولشعر.
وانتقل إلى مقال «في شعرنا المعاصر» للأستاذ محمد الأمري المصمودي، الذي أثار فيه قضية التقصير في دراسة الشعر المغربي، واستقصاء آثار الشعراء المغاربة، وخاصة المعاصرين منهم. والحقيقة أن الأستاذ المصمودي أثار مسألة حيوية نحس جميعا أنها لم تعط الأهمية التي تستحقها، ولاشك أن لكثير من الشعراء المغاربة المعاصرين آثارا رائعة طيبة من الشعر الجيد الرصين، وهي في حاجة إلى أن تدرس دراسة نقدية، كما أن كثيرا من هذه الآثار في حاجة إلى الإخراج والنشر.
وإني لأهنئ الأستاذ المصمودي على جرأته الأدبية، وأرجو أن يوفق إلى دراسة الشعر المغربي الحديث وإظهار خصائصه ومميزاته في الإعداد القادمة من هذه المجلة.

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here