islamaumaroc

الإسلام دين الحق لا دين الكراهية والحقد

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  على الرغم مما يلقاه المسلمون في عصرنا الراهن من شدائد، وما يهدد مصيرهم عامة بسبب تحالف كثير من دول الغرب في أوربا وأمريكا مع اليهود، فإنا لا نجد لديهم الشعور بالكراهية أو الحقد تجاه أتباع الديانتين المسيحية واليهودية، وما زال المسيحيون واليهود يعيشون بين ظهرانهم دون أن يكون للأحداث الخطيرة الراهنة، التي تمر بالعالم الإسلامي، تأثير في العلاقات الإنسانية بين هؤلاء وهؤلاء، فهل يمكن تفسير ملك التسامح الإسلامي، الذي تكشف عنه الحياة الواقعية، بأنه نوع من التخاذل أو شرب من الاستسلام أمام ظاهرة التآمر المخربة التي تحاك خيوطها علنا وسرا في عواصم العالم الغربي وفي تل أبيب؟ وهل يمكن القول بأن المسلمين قد فقدوا اعتزازهم بدينهم وبحضارتهم، وأن اليأس أو القنوط قد استحوذ على قلوبهم، وأن الفزع والجبن قد سيطر عليهم، فأصبحوا كالفريسة التي يشلها الرعب فتستسلم موقنة بأن النجاة لن تكتب لها؟
 لقد أصيب العالم الإسلامي في السنوات القليلة الماضية بكارثة من الكوارث الكبرى التي عرفها في تاريخه الطويل. لكن من المؤكد، حسب ما يشهد به الواقع أيضا، أنه لم يستسلم في هذه المرة أيضا. فهل يرجع ذلك إلى أن موجى من التفاؤل الساذج قد غمرته في أيامنا هذه، فوهمته أن كل شيء سينتهي بخير، أو أوحت إليه أن يحيل هذه الكارثة أيضا على القضاء والقدر، وأن ينتظر مستسلما معجزة تنقذه من الفناء أو الإبادة؟ إن كارثة سنة 1967 تعد من الكوارث الكبرى التي حاقت بالأمة الإسلامية في القرن العشرين، إذ اقتطعت أجزاء كبيرة من مصر وسوريا وسقطت فلسطين بأسرها في يد الصهاينة. ومع ذلك نرى، بحسب الواقع أيضا، أن هذه الفريسة التي ظن أعداؤها أنهم أجهزوا عليها لا تزال صامدة، بل نجد أنها بدأت تتحرك، على هيئة ردود أفعال جسام في بعض الأقطار الإسلامية التي قد يظن أهلها أنهم بعيدون بعض الشيء عن منطقة الخطر. وقبيل هذه الكارثة بسنوات قليلة تحررت بلاد إسلامية أخرى كالجزائر ومراكش من السيطرة العسكرية والسياسية التي فرضها المستعمر الغربي لفترة طويلة من الزمن، وبخاصة فيم يتصل بالقطر الجزائري الذي يعد تحريره معجزة الإسلام في القرن العشرين. إنها معركة هائلة بدأت منذ 1830، ولا تزال مستمرة، مع فترات من الهدوء التي يجب ألا تخدع أحدا. لقد تحررت أقطار إسلامية، وانتكست بعض الدول الإسلامية ونرجو ألا تحجب هذه النكسة العارضة حقيقة الأمر الذي تدور هذه المعركة من أجله.
 وأياما كان الأمر فإن العالم الإسلامي يشهد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هزات عنيفة، لا بد أن تكون لها نتائجها الخطيرة. وعلى المسلمين أن يتوقعوا لأنفسهم عهدا جديدا يتراوح بين طرفين: أحدهما النجاة والآخر هو فقد خصائص القومية الإسلامية دون رجعة, وعليهم أن يجيدوا منذ الآن صنع هذا المستقبل القريب بأن يفيدوا من الدروس القاهرة حتى يبنوا مجتمعا إسلاميا أكثر قدرة على مجابهة ما يحمله المستقبل البعيد من أخطار بالغة.
 
لقد كانت بعض المجالات التبشيرية تقول في سنة 1955 أن الإسلام يخطو خطوات العملاق في قلب القارة الإفريقية، وأنه لن يقف في وجهه سوى انتشار الشيوعية في هذه القارة، فكأنهم يفضلون أن يفقد كثير من البشر الإيمان بالله بدلا من أن يؤمنوا به على الطريقة الإسلامية. كذلك استطاع اليهود أن يحصلوا قبل حرب يونيو سنة 1967 على وثيقة دينية من أكبر هيئة مسيحية في الغرب تبرئهم من دم المسيح. ولما هزمت دول المشرق العربي في تلك الحرب الأخيرة لم يخف كثير من الأوربيين والأمريكيين فرحتهم الكبرى، واكتظت شوارع بعض العواصم هناك بالمظاهرات الضخمة التي تنضح بالشماتة والتشفي من العرب والمسلمين بصفة عامة, وربما مهدت تلك الوثيقة الدينية التي أشرنا إليها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، قصدا أو دون قصد، لإشاعة روح المودة بين المسيحية واليهودية. ومهما يكن من أمر فإن تلك الشماتة البالغة التي سيطرت على كثير من جماهير الغرب ربما كانت لا شعورية أكثر من  أن تكون شعورية نظرا لنشئة الأجيال هناك، ومنذ مئات السنين، على كراهية المسلمين ودينهم.
  ومع ذلك، فإن ذلك كله لم يحرك عواطف الكراهية والحقد عندنا على اتباع الديانتين المسيحية واليهودية، بدليل أنه لم تحدث مظاهرات مضادة في بلاد المسلمين وبدليل أن التآخي بين المسلمين والمسيحيين وبخاصة في لبنان لم يمكن الغرب من فتح جبهة مجاورة لإثخان العرب عامة بجراح  جديدة – نقول لم يحدث شيء من ذلك، وكل ما هنالك أننا بدأنا نسمع أصواتا تكاد تكون خافتة تطالب بإحياء الرابطة التي أصابها كثير من الوهن منذ نجح الاستعمار الغربي في بسط سلطانه على الجزائر ثم تونس ومصر ومراكش وليبيا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد ساعد على ضعف هذه الرابطة أن تركيا أنهت الخلافة الإسلامية وارتضت أن ترتبط بالغرب. وقد حاول جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وتلاميذهما من المصلحين والسياسيين بعث هذه الرابطة في أواخر القرن التاسع عشر، عندما أحلت انجلترا الديار المصرية. فأنشأت جمعية العروة الوثقى. غير أن الاستعمار حاربها في كل مكان في الهند ومصر وشمال افريقية، بل في تركيا نفسها.
 ومع ذلك فإن الأعداد القليلة التي صدرت من جريدة العروة الوثقى سرت في النفوس وأدت إلى تعديل كبير في الوضعين السياسي والاجتماعي في مصر والشمال الإفريقي. إن أصحاب العروة الوثقى، أو الدعاة إلى الرابطة الإسلامية، وكلا التعبيرين سواء، لم يتخذوا دعوتهم هذه إلا وسيلة من وسائل الدفاع عن الكيان الإسلامي وإلا من أجل الحفاظ على الأمة، ولم يفكروا قط في أن تكون هذه الدعوة إعلانا للجهاد أو مقدمة للغزو لأوربا. وقد أدى إنشاء جريدة العروة الوثقى إلى بعث الأمل في النفوس وتوحيد القلوب، وكان من الممن أن تجعل هذه الرابطة الإسلامية بتحرير جميع شعوب المسلمين نولا تكتل قوى الدول المسيحية ضد تركيا في الحرب الأولى مما أدى إلى وقوع كارثة فلسطين فيما بعد ثم إلى الحرب في منطقة الشرق الأوسط على فترات منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.
ومن الحق أن نعترف أن إحياء الرابطة الإسلامية يحتاج إلى كثير من الجهد والإخلاص. ومن المؤكد أن الأمم الإسلامية لو كانت اليوم أكثر تضامنا واتحادا لاستطاعت أن تختصر كثيرا من التضحيات، وأن تتجنب كثيرا من الكوارث. لكن من يدري فلعل ما حدث حتى الآن كان أمرا طبيعيا. فإن الأمة التي تفقد حربتها لمئات أو عشرات من السنين لا تستطيع استرداد هذه الحرية بين يوم وليلة، وشأنها في ذلك شأن المريض الذي ترهقه العلة سنين طويلة، فيعجز عن استرداد الصحة دفعة واحدة. ومن الخير أن تقوم الرابطة على أساس من الدراسة والتخطيط المحكم لا على أساس من الانفعال العابر المؤقت، وأن ترتكز إلى العمل الجاد مع الإفادة من الأخطاء، لا إلى التعلل بالأماني مما يقود، إن آجلا وإن عاجلا، إلى الانخراط في جو من القنوط القاتل للنفوس. لقد وصف الأفغاني المسلمين بأنهم أجدر الناس بتحقيق هذه الوحدة فهم «بما أشربت قلوبهم من عقائد دينهم أشجع وأسرع إقداما على الموت من يجاورهم، وهم بذلك أشد ازدراء للحياة الدنيا... فهم بأصول دينهم أنور عقلا وأنبه ذكرا، وأشد استعدادا لنيل الكمالات الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق»، ونضيف نحن أن المسلمين ما هزموا مرة إلا كان ذلك بسبب كفرهم بالحق وإيمانهم بالباطل، أي بنسيانهم لخصائصهم التي أشار إليها الأفغاني، أو لإيمانهم بالباطل وهو اعتقادهم أن الحياة تحت نير الذل خير من الاستشهاد دفاعا عن الحق.
 إذن كيف نفسر موقف المسلمين من الغرب المتحالف مع اليهود، أي من هؤلاء الذين لا يريدون
إلا إذلالا للعرب أو إباداتهم إذا أمكن لهم الأمر؟ فهل يعد هذا الموقف الإسلامي دليلا على فقد المقومات الإسلامية جملة، أم هو دليل على شيء آخر؟ إن عدم الاستسلام الذي نشهده اليوم يؤذن بأن هناك عناصر أكثر عمقا في طبيعة المسلمين. وربما كان في مقدمة هذه العناصر أن الإسلام ليس دين كراهية وتعصب، وإنما هو دين محبة للبشر. فهو الدين الذي يعترف بالأديان السماوية، والذي ينظر إلى أهل الكتاب من النصارى واليهود نظرة تختلف عن نظرته إلى عبدة النار وإلى أهل الوثنية، وهو الدين الذي يدعو إلى الإيمان بالله الواحد عن طريق الحكمة والموعظة والجدل الحسن لأنه هو الدين الذي يحترم العقل ويدعو إلى تحريره من سلطان الأوهام العنصرية ومن نير النظرة الشخصية الضيقة، فالعقل يوجب أيضا أن يكون الناس سواسية وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
إن المسلمين المعاصرين يعلمون كأسلافهم موقف الرسول صحابته من أتباع الموسية والمسيحية. ولقد حزن المسلمون عندما انتصرت فارس على الروم فنزل القرءان يفتح أمامهم باب الأمل في انتصار أهل الكتاب على المجوس فقال تعالى: «غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون» كذلك نعلم من تراثنا مقدار ما لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى اليهود وتآمرهم مع مشركي مكة، ومن غدرهم في الأوقات العصيبة التي أحاطت بالدعوة الجديدة إلى الحق، ومع ذلك كله فنحن نعمل جميعا أن الرسول قام لجنازة يهودي فقيل له أنه يهودي، فقال: «أوليس نفسا». فالإسلام في جوهره دين التسامح والإخاء والمساواة. وقد حقق ذلك كله بالفعل. وهو لا يستمد قوته من تنشأة أبناء المسلمين على كراهية الآخرين بل من تنشئتهم على أساس من الثقة بالله والنفس ومن الدعوة إلى العمل لنشر دعوة الحق بالحسنى والمثل الصالح. وإذا كان قد وصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس فذلك لأنها الأمة التي تدعو إلى الحق وتصدع به.
 وفي أيام عصيبة كأيامنا هذه سمعنا إماما مسلما متسامحا يقول أن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى»، ويعني بهم هؤلاء الذين لم تبلغهم دعوة الحق أو بلغتهم مشوهة فهم معذورون. أما من بلغتهم الدعوة على حقيقتها وأصروا على إنكارها لأنهم أعداء للحق وللبشر فشأنهم شأن آخر. حقا استطاع الصليبيون قهر الشرق طيلة قرنين من الزمن ثم تحالفوا مع التتار على أن يواصلوا تنفيذ ما عجزوا هم عن تحقيقه من القضاء على المسلمين ودينهم. وتتابعت موجات التار على شرق العالم الإسلامي، وساعدهم بعض الخونة من المسلمين، لكن انتهت الحروب الصليبية وهزم التتار ثم أسلموا. وتنفس المسلمون الصعداء واستردوا حرية بلادهم لكن لم تمتلئ قلوبهم بالكراهية والحقد، كما امتلأت بهما قلوب خصومهم. ثم عادت جخافل الغزو الأوربي في القرن الماضي وانضم إليهم اليهود منذ أوائل القرن الحالي، لكن روح الحقد والكراهية تتجه إلى هؤلاء، كدول مستعمرة، لا إلى الأفراد من حيث أنهم يهود أو نصارى، وذلك على الرغم من أن الاستعمار الأوربي حاول أن يطبق على الجزائر منذ مائة وأربعين سنة ما سبق أن طبقه الأوربيون في الأمريكيين حيث أبادوا ثلاثين مليونا من  أهل البلاد الأصلية تحت ستار نشر الحضارة الأوربية والمسيحية. والحق أن الاستعمار أبادهم، كما كان يريد إبادة أهل الجزائر، حتى يفسح مجالا هائلا لتوطين النازحين من أوربا. لقد أرادت فرنسا أن تجعل الجزائر مقاطعة من فرنسا ثم فرضت حمايتها على تونس وأخيرا امتدت هذه الحماية في مطلع القرن الحالي إلى مراكش, غير أن المستعمر متى عجز، لأسباب قاهرة، عن إبادة أمة بأسرها، كما فعل في أمريكا، حاول تحقيق هدنة بصورة أخرى، أي حاول القضاء على خصائص هذه الأمة وتقاليدها ولغتها ودينها حتى يسهل عليه إدخالها في فلكه أو إدماجها في شعبه. وقد طبقت سياسة محاربة الدين واللغة تمهيدا لعملية الإدماج في الجزائر، بعد أن فشلت سياسة إبادة البشر. فأخذ المستعمر يوهم أهل الجزائر بأن بلادهم أصبحت جزءا لا يتجزأ من فرنسا، وأن لكن فرد من أفرادها أن يخضع للقوانين الفرنسية حتى يغدو مواطنا كاملا. لكن الشعب الجزائري لم يكن ساذجا، فرفض فكرة الإدماج التي كان يحاربها المستوطنون الفرنسيون في الجزائر. فإن الرجل الفرنسي العادي كان يصارحك هو الآخر بأن شعب الجزائر من جنس غير جنسه وعلى دين غير دينه، وأنه لا يقبل آخر الأمر، أن يقف على قدم المساواة مع العرب. وأخيرا حلت مشكلة الجزائر منذ سنوات قليلة على أساس آخر فرضه الجزائريون بأنفسهم عندما اتخذوا لأنفسهم شعارا قرءانيا وهو: «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» أي عندما آمنوا بالحق  وهو أن بلدهم بلد عربي وإسلامي أول أو أخيرا. وقد كان هذا الشعار الأخير هو الذي غرسه أهل الإخلاص والدين كالإمام عبد الحميد بن باديس وزملائه في نفوس الجيل الذي حرر الجزائر. فبفضل هذا الشعار الذي كان كامنا في نفوس إخواننا الجزائريين صمد أهل الجزائر أمام كل غزو حربي أو ديني أيا كان مصدره. وقد ساعدهم على تحقيق معجزة تحرير الجزائر سلامة بنية دينهم وبداهة عقائدهم وموافقته للطبيعة الإنسانية السليمة ألتي تفضل الموت على امتهان الكرامة الإنسانية.
  وربما كان هذا الإيمان العميق بكرامة الإنسان هو الذي يفسر لنا حنق خصوم الإسلام وشدة سنفهم في محاولة القضاء عليه. ومع ذلك فإن قلوب الجزائريين لم تمتلئ فيما اعتقد، كراهية وحقدا على خصومهم بالأمس، ولم يفعلوا سوى أن عقدوا الصلات بكثير من الدول لدفع عجلة التقدم في بلادهم وللحفاظ على انتصارهم. فليست المسألة اذن عند المسلمين اليوم مسألة استسلام أو تخاذل، بل ربما قيل أن هذا التسامح العميق الذي ينعكس في نفوس المسلمين هو نوع من الثقة اللاشعورية بالنفس. لكن من الضروري أن تخرج هذه الثقة بالنفس من أعماق اللاشعور إلى بؤرة الشعور أو إلى حافته في الأقل، حتى تغير سمة القبح في وجه العالم الإسلامي.
إن قوة الإسلام تكمن في تسامحه، وفي بغضه للعصبية القبلية وللتفرقة العنصرية. وليس التسامح أو النزعة الإنسانية الكريمة في الإسلام دليلا على التخاذل، بل هو دليل على الثقة بالله وبالنفس، وسبيل إلى تحقيق مبدأ إسلامي جليل وهو احترام الكرامة الإنسانية، وكل هذا مزيج فريد من النضج الروحي الذي يشهد حقيقة بأن الإسلام خاتمة الأديان السماوية، وهو مزيج فريد لأنه يضم إلى نضج الروح نضج العقل. هذا إلى أن عواطف الكراهية والحقد أو التشفي بمصائب الآخرين، والابتهاج للكوارث التي تحل بهم هي من سمات الفقر أو الاجداب الروحي، كما أن القول بأن أجناس البشر تتفاضل فيما بينها بسبب تفاوت ألوان بشرتهم من البياض الناصع إلى السواد المشرق أو الكدر دليل واضح على ضعف العقل، فإن أحدا من الناس لم يختر لون بشرته، كما لم يختر أحد مسقط رأسه، ابتداء من خط الاستواء حتى القطبين شمالا أو جنوبا.
 ومما يشهد بهذه السمة الإنسانية المجيدة لدى المسلمين أن بعض المثقفين من الاسبان يفخرون بانحدارهم من آباء المسلمين على حد ما يرويه لنا الأستاذ عبد الله كنون في مقاله عن الدراسات الإسلامية بمدينة مالقة الاسبانية، فقد اخبرنا أنه فوجئ بمحافظ مدينة مالقة يحيي الباحثين المشاركين في حلقة هذه الدراسات، فينوه بعظمة الإسلام، ويعترف بأن الإسلام الذي كان دين أجداده خلال ثمانية قرون هو باعث حضارة الأندلس ونافخ روح الجد والعمل في اسبانيا التي كانت قبل دخوله إليها تغط في نوم عميق (1).
 وإذا كان الإسلام قد أحدث مثل هذا التحول في اسبانيا، فإنه قد فعل أكثر من هذا بكثير في العرب ومن جاورهم من الأمم، أي في مصر والهند وتركيا والدول الإسلامية في افريقيا وآسيا. فالسبب في صلابة هذا الدين ومتانته رغم تحالف قوى الشر عليه وعلى معتنقيه في القديم والحديث يرجع إلى أنه لا يستمد قوته ومتانته من كراهية البشر أو قهر الشعوب روحيا وسياسيا. فهو دين مفتوح للرحمة والتسامح والخير. وهذا هو الأساس القوي لتلك الرابطة العجيبة بين المسلمين، وهي رابطة قد يدركها الوهن أحيانا، لكنها تؤتي المعجزات إذا قدر لها أن تحتل بؤرة الوعي. ولا نعدم أن نجد لدى بعض المسلمين ممن يجهلون ثقافة أمتهم وتاريخها، من قد يسخر من الحديث عن تلك الرابطة التي يعرف الغرب قيمتها وخطرها كوسيلة مثلى للدفاع لا للهجوم. فعقلاء الغرب يعترفون بأن تلك الرابطة أقوى من أي رابطة يعقدها أي دين آخر بين أتباعه ويمكن تعليل ذلك السر بأنها رابطة تدعو إلى الخير وتعلي من كرامة الإنسان، وتجعل كل فرد وجها لوجه مع خالقه، فكأن كل نفس من نفوس البشر لا يوجد في العالم سواها وسوى الله، مما ينعكس أثره الأخلاقي البالغ في الصلة بين جميع البشر. وقد شهد «لونورب ستودارد» بأن « من يريد حقيقة أن يعرف الهدف الذي يرمي إليه الإسلام من الرابطة الدينية، فليلق ببصره على المسلمين في العصر الراهن، وليستمع إلى تجاوب التعاطف والحنين بينهم، حتى يقف على سر هذه الرابطة وعلى مكانتها في نفوس المسلمين. ففي الحق ليس هناك دين من الأديان يؤلف بين قلوب أبنائه ويوحد شعورهم ويحفزهم إلى التضامن والأخوة والاستمساك بعروتها مثل الدين الإسلامي، ولقد فتح المسلمون من الأمصار ما فتحوا، ودخل في دينهم كثير من الأمم، ثم حلت بهم الكوارث، فلم نسمع أن شعبا صبا بعد أن أسلم» فقوة هذه الرابطة بني الجزائر.
 
 
ومراكش منذ عهد قريب هي التي أتاحت لكلا القطرين تحقيق أهدافه، كما أن ضعفها في نهاية العقد الثالث من القرن الحالي هو الذي حال دون  أن تؤدي ثورة الريف المراكشي إلى نتيجتها المباشرة.
وتؤكد من جانب آخر أن الغرب، يعلم حق العلم وعن دراسة موضوعية، أن الرابطة الإسلامية ليست تعصبا، في الوقت الذي يعرف فيه أيضا أنها سلاح دفاعي ناجح، غير أن موقفه من الرابطة اليهودية التي تتزعمها الحركة الصهيونية موقف آخر. انه يدرك أنها رابطة تدعو إلى الغزو وإخراج العرب من ديارهم التي سكنوها منذ آلاف السنين. لكنه يغمض عينيه حتى لا يرى فيها ذلك الجانب العدواني، ثم يبذل ما في وسعه لتعضديها في الوقت الذي متى أحس فيه بأقل اتجاه من المسلمين نحو إحياء رابطتهم، فإنه يوجه دعاية بكل طاقتها لمحاربة هذه الرابطة وللقضاء عليها في مهدها. ومن الأساليب الدعائية المفضوحة ما نراه اليوم من أن إسرائيل تحاول خديعة العالم بأن توهمه بأنها ليست دولة دينية، وذلك لكي تشعر الأخرين من حلفائها، وممن لا حاجة بهم إلى دعايتها، بأن المسلمين هم المتعصبون دينيا. وقد ثارت ضمائر بعض المتدينين من اليهود في إسرائيل نفسها عندما ادعت الصهيونية أنها ليست حركة دينية، ثم هدأت نفوسهم حينما قيل لهم أن هذا الاتجاه اللاديني المزعوم إنما هو أحد الأساليب التي تقتضيها المعركة بينهم وبين العرب والمسلمين بصفة عامة.
  وعلى عكس ذلك، نجد أن فكرة الرابطة الإسلامية عند المسلمين المعاصرين لا تشوبها شائبة من التعصب الديني أو العنصري. ذلك أن هذا التعصب ليس شيئا أصيلا فيهم، بل يتعارض مع سماحة دينهم وواقعيته، إذ يقول الله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة»، كما قال: « إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء»، وان الرابطة الإسلامية التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني في أواخر القرن الماضي لم تكن تدعو إلى تحقيق الخلافة الإسلامية في العصر الحديث على غرار ما كانت عليه في أيام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب. فإن ذلك يكاد يكون مستحيلا، بل من حسن السياسة في التفكير أن ينشئ المسلمون اتحادا إسلاميا عاما شبيها بالنظم السياسية الحديثة، فلم يكن يدعو إذن إلى ملك واحد يسيطر على الأقطار الإسلامية جميعها، فإن ذلك أمر عسير جدا بعد ظهور القوميات الحديثة لظروف تاريخية عديدة. لكنه كان يرجو أن تكون عقائد الإسلام وأخلاقه دستورا لجميع المسلمين، فتصبح الوحدة الدينية هدفهم الأكبر، بحيث توجب على ملوك المسلمين التضامن والتعاون، على نحو تضامن شعوب الغرب لتعويق تحرر الشرق والحيلولة دون استرداده لقوته. فهذا هو معنى الوحدة السياسية التي كان يريدها جمال الدين الأفغاني. فهو إذن لم يكن يدعو إلى عداوة أي ملك من ملوك المسلمين ما داموا يضعون مستقبل الأمة الإسلامية نصب أعينهم. وفي الجملة كان يوصي المسلمين بأن يعملوا على تحقيق هذه الرابطة، مهما يكن من اختلاف نظم الحكم في دولهم، وذلك أفضل قطعا من الانقطاع إلى البكاء على المجد الغابر. فإن البكاء لا يحيي الميت والأسف لا يرد الغائب، بل البكاء والحزن مصرعان يقودان إلى اليأس والجبن. وكل من رضي اليأس والجبن لنفسه فهو ممن يؤمن بالباطل ويكفر بالحق.
لكن ربما يزعم بعض المسلمين، ممن تأثروا بدعايات الغرب أحيانا أكثر من تأثرهم بثقافتهم التي ينظرون إليها أحيانا نظرة الزراية والاستخفاف، بسبب ظاهرة الاجترار لقشور هذه الثقافة وجهل كنوزها المطمورة التي توجد صور مقاربة منها في الانتاج الفلسفي والأدبي في العصرين الوسيط والحديث (2)
أقول ربما تأثر هؤلاء بدعاية الغرب فوصفوا الرابطة الإسلامية بانها نوع من التعصب أو التخلف الفكري، ورأوا أن السبيل إلى الخلاص هو العلم النظري والتطبيقي على نحو ما دعا إليه أحمد خان في الهند عندما نجحت انجلترا في منتصف القرن الماضي في القضاء على ثورة المسلمين هناك. وبعيد عن ذهننا أن ننكر قيمة العلم ما دمنا نقرر أن نهضة أوربا الحديثة إنما قامت أساسا عندما تحرر مفكرو أوربا، ابتداء من القرن الثالث عشر من منهج أرسطو، وارتضوا منهج العرب والمسلمين الذي كان يعتمد على الرياضة والتجريب. ومع اعترافنا بسلاح العلم فهل لنا أن نقول أن العلم وحده لا يكفي لضمان بقاء حضارة الغرب الراهنة، إذ لا بد للعلم من أن يساند الخلق. وليس العلم منبعا للأخلاق، بل الدين هو منبعها الأصيل. وهل هناك ما يحول دون تحصيل العلم مع الإيمان بالقيم الأخلاقية السامية، وهي قيم دينية في جوهرها، إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية ، إذ أن هذه الديانات الثلاث من نبع واحد.ومع ذلك، فنحن نتفق مع هؤلاء المتشائمين في
 نقطة هامة، وهي أن الرابطة الإسلامية لن تكون مثمرة بل ستكون ضارة إذا هي اقتصرت على التحسر والشكوى واعتمدت على الانفعال أو العاطفة العمياء، أي أنها لن تؤدي إلى نتائجها الإيجابية إلا إذا كانت رابطة تدعو إلى العلم والعمل في الوقت الذي ندعو فيه إلى الحق والخير. فمن المحقق أنه لن يتم أي إصلاح ديني وبعث للقيم الإسلامية الصحيحة بعد التحرر من رواسب عصور التدهور والتخلف الثقافي، ان لم تسانده حركة علمية وثقافية شاملة، وإن لم تفتح السبل أما إصلاح المناهج في مدارس المسلمين، وإن لم تعد طبقة كثيفة من العلماء في مختلف فروع العلم الحديث، أما التركيز على العاطفة الدينية وحدها، دون اهتمام بضروب الإصلاح الضرورية الأخرى، فإنه لا يعدو أن يكون علاجا ساذجا لمشكلات ضخمة، بل نقول أن الإثارة العاطفية ستكون أكثر ضررا منها نفعا، وستكون مادة خصبة يتخذها أعداؤنا وسلة إلى تزويد دعايتهم بعناصر جديدة مدمرة لتأليب دول العامل المحايدة ضد المسلمين.
  أما هؤلاء الذين نفضوا أيديهم جملة من ثقافتهم الإسلامية، فرأوا في الدعوة إلى الرابطة الإسلامية لونا من التعصب الديني الذي لا يعدمون أن يجدوه سافرا أو غير سافر لدى كتاب الغرب – فهم هؤلاء الذين وصفهم الأفغاني من قبل بأنهم أبواق تردد ما يزعمه الغرب من تعصب المسلين، مع أن هؤلاء المسلين المعاصرين هو أقل الناس تعصبا لدينهم بحسب الواقع.
 ففكرة التعصب الديني التي تشب إلى المسلمين عادة، عند كل محاولة من جانبهم لإحياء الرابطة بين الشعوب الإسلامية، زعم يزعمه الاستعمار القديم أو الجديد، فالمستعمر يصف المسلمين بالتعصب وكراهية المستعمرين لا لشيء إلا لإنه على دين غير دينهم لكنه يعلم بينه وبين نفسه سبب الكراهية للاستعمار، وهو أنه يفتك بالأمم لكي يضع يده على ثرواتها لا أقل ولا أكثر. وليس الاستعمار في حاجة إلى هذا الزعم إلا كلافتة مزيفة يجهز خلفها الجيوش أو كسحابة مضللة تتقدم قنابله للفتك بالمدنيين، نساء وشيوخا وأطفالا. غير أنه يلاحظ أنه متى نجح شعب إسلامي في فرض إرادته على المستعمر، فسرعان ما تختفي تهمة التعصب التي كانت توه إليه بالأمس، لتحل مكانها أساليب معسولة للاحتفاظ ببقية من النفوذ في البلاد التي استطاعت أن تتحرر من سيطرته.
 فإذا نحن ألقينا ببصرنا إلى أحداث هذه الحقبة العصيبة التي نمر بها وجدنا أن أهل المسيحية أكثر تعصبا لأبناء ملتهم من المسلمين فيما بينهم، فهم أكثر انحيازا إلى إسرائيل، وليس ذلك من أجل الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية فحسب، بل تنفيسا، في الوقت نفسه، عن تلك العقد القديمة التي ترجع إلى تاريخ بعيد. وإذا نحن وجدن أن بعض حكومات الغرب تقف في الأمثل موقف الحياد، أو تحاول العطف على العرب والمسلمين، فربما كانت المصالح الاقتصادية هي التي تدعوها إلى ذلك، في حين أن جانبا كبيرا من شعوب هذه الدول لا يخفي تعصبه لإسرائيل وفرحه لكل مغامرة تقوم بها إسرائيل. لكنها تؤثر الصمت عندمنا تكال لإسرائيل ضربة من الضربات بين حين وآخر.
 إن التمسك برابطة الدين التي يحاربها الغرب متى وجدت عند المسلمين ليست حقيقتها أمرا مرذولا في ذاته، لكنها تقبح كل القبح عندما تخرج عن حد النخوة، عند دول الغرب مثلا، لكي تلحق الضرر بأتباع دين سماوي مثل دينهم. وكيف يستمع بعض المسلمين إلى دعاية الغرب مع أنهم يرون أ، كتابات أهل أوربا لا تخلو من الحديث عن الروح المسيحية وعن الحضارة المسيحية؟ وكيف نراهم يعجبون أو يسخرون من هؤلاء الذين يتحدثون عن الروح أو الرابطة الإسلامية؟ ومن الواجب ألا يخدع أحد منا نفسه حتى يغمض عينيه فلا يرى الأمور على ما هي عليه.
 إن أهل أوربا قد ينكرون على المسلمين اعتزازهم بدينهم، ويزعمون أنهم يعتزون من جانبهم برابطة الجنس لا برابطة الدين. لكن ذلك الزعم لا يغير حقائق الأشياء لأن رابطة الجنس عندهم رابطة دينية، في الوقت نفسه، ما دامت أوربا مسيحية بأسرها تقريبا، ولكن هل يكفي أن يوهمنا الأوربيون بأن رابطة الجنس الآري وحدها هي التي تدعو إلى تكلتهم ضد غيرهم من الأجناس، ومن بينهم المسلمون والعرب؟ وهل تكفي رابطة الجنس مبررا يدفع أصحابها إلى ظلم الآخرين أو محاولة القضاء على حرية المخالفين الآخرين لهم في الجنس وفي العقيدة أيضا؟ لقد سبق أن حكم المسلمون شعوبا مسيحية ولم نسمع من المسيحيين أنفسهم من الأجناس الأخرى أن حكامهم العرب جاروا عليهم أو أكرهوهم على ما يخالف عقائدهم.
 إن الذي يؤخذ حقيقة على المسلمين ليس تعصبهم الديني المزعوم، بل هو ضعف رابطتهم الدينية وتخاذلهم عن نشر القيم الإسلامية السامية بين أنفسهم في الأقل. فليت المسلمين أشبهوا المسيحيين الذين يعيشون بينهم في ترابطهم وتعاونهم. فإن هذا المسلك جدير بالإعجاب والمحاكاة، بل إن المسلمين أولى بأن يحققوا هذا التعاون والتضامن لأن دينهم يدعوهم إلى محو الفروق بين الأجناس المختلفة في ألوانها ولغاتها وعاداتها، بل في أديانها أيضا. وهم أجدر من غيرهم بأن يكونوا دعاة الخير والحق التسامح؛ فإن دينهم هو الذي نادى بالإخاء والمساواة وحققها بالفعل بين أتباعه على اختلاف أجناسهم وألوانهم. وهذه الرابطة الاجتماعية الإنسانية هي التي يحاول الأوربيون مسخها عندما يطلقون عليها اسم التعصب الديني لدى المسلمين، على نحو ما كانوا يلمسونه من صراع بين المذهبين الكاتوليكي والبرتستانتي منذ بدء حركة الإصلاح الديني، بل على نحوما يشهدونه من صراع اجتماعي بين أتباع المذهب الواحد إذا اختلفت ألوان معتنقيه، كشأن التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة، وفي بعض المستعمرات الأوربية التي يؤمن فيها السود بدين حكامهم من الجنس الأبيض. وهل من الممكن أن نطلق اسم التعصب الديني على  الأخوة الدينية الإسلامية التي تسوي بين الأصفر والأبيض والأسود والأحمر، وهي مساواة طبيعية جدا بين أهل العقيدة الواحدة، إن هذه الأخوة الدينية هي التي قضت على العصبية القبلية وأنشأت أمة مما يشبه العدم، وجعلتها من أرقى الأمم في أقصر وقت عرفه التاريخ.
 ويشهد التاريخ أن العغرب لم يكرهوا أمة على ترك دينها، بل أوصاهم الرسول خيرا بأهل الكتاب، على الرغم من غدر اليهود وعدائهم لدعوة الإسلام. وأكثر من ذلك فقد حمى العرب اليهود في بلاد الأندلس، وعاش أصحاب الملل الثلاث عصورا طويلة في الشرق والغرب في وفاق ووئام، فقد تركت لغير المسلمين حريتهم الدينية لقاء جزية رمزية هي الثمن البخس للدفاع عن أموالهم وأرواحهم وعقائدهم، وهي لا تقارن في ضآلة بما يدفعه الناس في عصرنا ها من ضرائب على الدخل إلى جانب ضرائب الدفاع، ويمكن تفسير دفع الجزية تفسيرا يقبله العقل ويؤكد تسامح الإسلام. فهي تشبه أن تكون وسيلة تتيح لصاحبها أن يعترض موجة انتشار الإسلام إذا رأى ذلك. فمسلك الإسلام هنا هو مسلك القوي الكريم الذي لا يريد أن ينازل أحدا إلا إذا وضع في يده سلاحا يدفع به عن نفسه.
  ونحن لا ننكر أن بعض الولاة اضطهدوا أهل الكتاب في فترات نادرة من التاريخ الإسلامي، ولكنهم كانوا ولاه ممن لا ثقة بعقلهم، وربما بدينهم أيضا، كالحاكم بأمر الله الذي ادعى الألوهية، وكان  يغضب على المسيحيين أو اليهود فينكل بهم ويهدم معابدهم، ثم يرضى عنهم، فيقربهم إليه حسبما كان يمليه عليه مزاجه النفسي المضطرب. غير أننا لا نجد في تاريخ المسلمين ولاة يشبهون الحاكم بأمر الله. كما أننا لم نسمع عنهم أنهم أقاموا محاكم التفتيش لمخالفيهم في العقيدة على نحو ما حدث في أوربا ابتداء من القرن الثالث عشر حتى بعد خروج المسلمين من اسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر بزمن طويل. لقد ادعى الحلاج حلول الله فيه ولو يحكم بقلته إلا بعد محاكمة استمرت تسع سنوات كان يقيم خلالها في قصر الخليفة.
 وليس من هدفنا أن نفرط في ضرب كثير من الأمثلة لتعصب المسيحيين ولحروبهم الدينية الدامية منذ عصر النهضة ولعدة قرون، تلك الحروب التي خفت حدتها كثيرا بعد أن وجد الأوربيون عدوا مشتركا ينفسون، في قتاله ومحاولة الإجهاز عليه، عن رواسب عواطف الكراهية والحقد الدفينة في النفوس. نقول ليس من غرضنا أن نطيل في وصف التعصب الديني عند الأوربيين الذي دعاهم إلى تبرئة اليهود من دم المسيح تمهيدا لحملة جديدة في بلاد المسلمين. ونحن لا نطيل في هذا الوصف لأن ديننا ليس دين كراهية أو تعصب، بل هو دين حق وخير وتسامح، ولأنه يدعونا إلى ما هو أجدى من الكراهية والحقد، أي إلى العمل الجاد لإظهار دين الحق ولو كره المشركون.
وهذا العمل الجاد الذي نشير إليه لا بد أن يكون عملا متكاملا يمس كل تفصيل من تفاصيل البناء الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والروحي والعلمي في بلاد المسلمين.

 

 

1) مجلة العربي عدد محرم 1390، أبريل 1970.
2) هذا ما نحاول بيانه في دراستنا الأكاديمية.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here