islamaumaroc

الإسلام والمسلمون في جمهورية الداهومي

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 جمهورية الداهومي من الدول المستقلة حديثا في غرب إفريقيا بعد أن استعمرتها فرنسا مدة طويلة، وهي تطل مثل (التوجو) على المحيط الأطلسي الذي يحدها شرقا ومن الغرب تحيط بها جمهوريتا فولتا العليا والنيجر، أما في الشمال فتقع جمهورية نجيريا ويحدها جنوبا جمهورية التوجو.
 
ويرجع تسمية هذه الجمهورية إلى أسطورة قديمة يتناقلها الناس حتى الآن ويؤكدون صحتها وذلك أنه في سنة 1610م كان لمنطقة فون (Fon) ملك اسمه دان (Dan) وكان للمنطقة المجاورة لها واسمها ألدا (Allda) أمير اسمه أبو (Agbo) ويقال إن هذا الثاني نزل ضيفا على الأول (دان) وبحكم الصداقة أخذ منزلا خاصا ليقيم فيه مدة ضيافته، ولكن الضيافة طال وقتها وأخذ (أبو) يستحضر بعض أتباعه شيئا فشيئا، ويستولي على بعض أراضي (دان)، فضاق هذا به ذرعا وذات يوم قابله وقال له ساخرا، ألا تريد بناء منزل على بطني؟ بعد أن استوليت على كثير من أراضي مملكتي، فاستشاط (أبو) غضبا، وأقسم أن يجعل هذا الكلام حقيقة، وذات يوم استحضر قواته، وباغت بها جيوش (دان) فانتصر عليها وقتل (دان) نفسه أثناء المعركة، فوضعه في أرض فسيحة، وبنى على بطنه أول قصر في هذه البلاد، التي عرفت باسم (داهومي) والتي حرفت عن كلمة دان هومي ومعناها بطن (دان) كما أن معنى دان (الثعبان) أي أن معناها (بطن الثعبان).
 
ويبلغ سكان هذه الجمهورية حوالي المليونين والنصف تقريبا، وعاصمتها (برتنوفو) ولكن العاصمة الفعلية التي بها دور الحكومة والسفارات الأجنبية ومركز التجارة هي (كوتونو)، كما أنه يوجد كثير من المدن الشهيرة مثل (أبومي، بدا، باركو، سانيتي) ولكن الشيء الذي يثير الانتباه كالعادة في الدول الإفريقية، هو كثرة اللغات واللهجات وتعددها، وقد تجد لكل مدينة بل لكل قبيلة لغة خاصة بها، وهذا أنشأ من تشجيع الاستعمار ليمكن تفريقهم والظفر بهم، واللغة الأولى هنا المستعملة في دور الحكومة، ودور التعليم هي الفرنسية، وبعدها لغة فون (Fons) ثم لغة اليوربا التي يتكلمها المسلمون اليوربا والذين يرجعون أصلهم إلى العروبة من قبيلة يعرب، والتي حرفت بتداول اللغات، وقد يطلقون عليها (أناجو) كما يوجد أيضا لغة (أجا وبربر والغلانية ولغة زوبا)، وهذا كما قلت بخلاف اللهجات واللغات الداخلية لكل قبيلة.
 
ويبلغ عدد المسلمين الحقيقي في داهومي حوالي 50  % من عدد السكان، وهم متمسكون بالدين الإسلامي بالرغم مما يدخلونه فيه من الجهالات والعادات الضارة، ويوجد في العاصمة (برتنوفو) كثير من الجمعيات الإسلامية أشهرها جمعيات "أنصار الإسلام" و"أنوار الدين"، ويمثل نشاطها في بناء المدارس العربية التي يدرس بها مدرسون من نفس البلاد، لم تصل إليهم بعد الطرق العصرية والنطق الصحيح.
 
وأشهر هذه المدارس وأقدمها "مدرسة الحاج مجدد" التي تخرج منها طلاب كثيرون يختار الممتازين منهم لمساعدته في المدرسة، وتوجد مدرسة أخرى عربية فرنسية تعرف باسم "كولج أراب فرنسية" لها مصاريف خاصة، والغرض من تدريس الفرنسية مع العربية فيها هو فتح باب عيش للخريجين منها، حيث لا تعترف الدولة ولا تعطي عملا إلا لمن يجيد الفرنسية، فضلا عن ربطه بالمجتمع الذي يعيش فيه.
 
والمسلمون هنا ليس لهم أي كيان سياسي معترف به في الدولة، من ناحية المساعدة المادية لبناء مدارس أو مساجد، إلا ما يستطيعون جمعه من التبرعات والاشتراكات في الجمعيات السالفة، بخلاف الفئات الأخرى، فإن الحكومة تتكفل بكل احتياجاتهم، بالرغم من أن المسلمين، كما قلت يمثلون نصف الدولة وحتى استدعاء الأساتذة لهم من الخارج، لا يراد أن يكون بطريق رسمي.
 
وذلك يرجع لعدم وجود القيادات القومية، وربما الصراع الداخلي على الزعامة فيما بينهم، هذا بالرغم من وجود مسلمين في مراكز هامة في الدولة مثل السكرتير العام لرئاسة الجمهورية، ومثل رئيس مجلس الأمة قبل الانقلاب الأخير، ولهذا السبب ربما يرجع عدم وجود أي تلاميذ لهم مبعوثين للعالم العربي والأزهر الشريف، لتعليم اللغة العربية والدين، وتكاد تكون داهومي هي الجمهورية الإفريقية الوحيدة في هذا المجال، وبعد الانقلاب اتفق المسلمون على إنشاء اتحاد يضم كل الجمعيات برئاسة الزعيم عبد الوهاب.
 
ويتناقل مؤرخوهم المسلمون أن الإسلام دخل إلى داهومي في القرن الحادي عشر الميلادي، عندما جاء إلى غرب إفريقيا من الجهات الساحلية حتى بلغ نيجيريا إلى حدود الكونغو على يد الصحابي الجليل عقبة بن نافع رضي الله عنه، كما يقال أن من أتى بالإسلام إلى داهومي أبو بكر بن عمر على أصح الأقوال.   
 
وأما حاصلات هذه البلاد فكثيرة وإن كانت الاستفادة الاقتصادية معدومة، ذلك أن الاستعمار كعادته ينظر إلى المستعمرات على أنها مزارع لأخذ المواد الخام منها، وأسواق لتصدير المنتجات إليها بأضعاف أثمانها.
 
ومن أهم المحصولات هنا: اللبن والكاكاو والزيتون وجوز الهند، وتوجد هذه الزراعة بشكل هائل وبأرخص الأثمان، حيث لا يصدر منها إلا ما يحتاج إليه المستعمرون، والباقي يتداوله المواطنون، ثم يلقون بالباقي في المزارع حتى يشاء الله.
 
كما يوجد في داهومي القطن والفول السوداني ونبات المنبوك، وطعمه كالبطاطس وحجمه ضخم جدا، وتوجد الذرة والبقول، ويلاحظ في هذه البلاد أن المسلمين يتمركزون في العاصمة "برتنوفو" وفي "كوتونو، وزوجو" وأيضا في الشمال.
 
ويستلفت النظر ما لهم من عادات تستحق التأمل من ذلك، مثلا أن كل حاج قبل أن يسافر إلى البلاد المقدسة، يدعو العلماء وكبار القوم ويطعمهم ويحتفل أيام احتفال ثم يطلب دعواتهم له أن يعود بسلامة الله، وقبيل سفره يقدمون له ما يستطيعون من الهدايا، ويودعونه بالبكاء والحزن، كأنه اللقاء الأخير. 
 
وعند عودة الحجاج ترى جموعا حاشدة في استقبالهم يرقصون، ويدقون الطبول، وهم يرتدون فاخر الثياب، بينما الحجاج أيضا في أفخر الثياب الحريرية اللامعة، وقلنسواتهم الخاصة التي يسمونها "المكية" نسبة إلى مكة المكرمة، وينسجون حولها الكثير من الحكايات الخيالية ويذكرون أن من يرتديها من غير الحجاج يموت بمرض في رأسه.
 
وفي كل مسجد تجد للحجاج الصفوف الأولى، والكلمة المسموعة، وعند إقامة احتفالات الاستقبال لهم يحضرها كبار مسئولي الدولة ورئيس الجمهورية بنفسه، احتراما وطلبا لدعواتهم المستجابة، ولهم اجتماعات مقفلة لا يحضرها غير الحجاج فقط، حيث يكون الجميع في ملابس موحدة، متفق عليها من الحرير المزركش اللامع، وقلنسوات خاصة بهم، ومثل هذه الأمور هي التي تشعر الكثيرين بالروحية والخضوع الديني، وتحبب الكثير في زيارة بيت الله، كما أنها تجذب كثيرا من غير المسلمين للدخول في الإسلام، ولهم جمعيات خاصة بهم تقيمها طائفة اليوربا (يعرب) كما يقولون لا يقبل فيها غير الحاج، وويل لمن ينسى أو يخطئ لينادي حاجا مجردا من لقبه، فإنه يعطى درسا بالغا في احترام الحاج وقلنسوة الحاج التي فوق رأسه.. وفي الاحتفالات بمولد النبي الكريم يذبحون الأبقار والطيور ويوزعونها مع الحلوى على الفقراء والمساكين ويقرأون سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ويروي لي أحد المعلمين اليوربا واسمه عبد العزيز أقوش وهو من يهتمون باللغة العربية أن من العادة عند دفن الميت أن يشتري كل من له صلة نسب به ثيابا جديدة يلبسونها وهم يشيعونه إلى مثواه الأخير، بينما أولاده من حوله في أفخر الثياب وأحلاها.
 
وعادات الخطوبة والزواج عندهم لا تقل غرابة عن هذا، حيث يطلقون على طلب الزواج "الرنا" أي الدليل أو الهادي وعندما تعجبه إحدى الفتيات، يخاطبها مباشرة، ودائما ترد عليه بأنها ستفكر في الأمر، وتذهب للمشاورة مع أمها التي تنصحها بالكتمان، ثم يأتي الخطيب بنفسه إلى دارها، ويطلبها من أمها التي ترده أكثر من ثلاث مرات، بينما هو مستمر في كل مرة في تقديم الهدايا. ثم يقولون له سوف نسأل عن نسبك وحسبك، فإذا ما رأوا بعد البحث الطويل أن ليس هناك عداء بين العائلتين أو ليس في نسبه مشرك أو فاسق وافق أهل العروس، وعملوا احتفالا ضخما بيوم العرس يحضره أقارب الأسرتين ومعهم الوعاظ، لبيان أمور الزواج لهم والطلاق، وبعد ذلك تضرب الدفوف، وتوزع الحلوى حتى الصباح. ومن الجدير بالتنويه به تلك المكانة الكبيرة التي يحتلها الإمام في نفوس المسلمين من التقديس والاحترام، ومن عادته في كل عام أن يقوم بجولة في الريف، يعظ فيها الناس عموما، ويدعو غير المسلمين إلى الإسلام، وفي نهاية الجولة يعود بحصيلة ضخمة من عبدة الأوثان، أو النصارى صغارا وكبارا، فهناك بعض الطاعنين في السن الذين لا يستطيعون الذهاب معه، فيعطونه أبناءهم ليعلمهم الإسلام واللغة العربية، كما حدث أثناء زيارتنا لأحدهم، وشرحنا لهم بعضا ليعلن أنه قد تبرع لأعضاء البعثة العربية بولدين لتعلمهم الإسلام واللغة العربية اقتناعا منه بالدعوة.
  وإن العجب ليأخذ المرء كل مأخذ عندما يدخل بيت الإمام فيرى منزله مكتظا بهؤلاء الأطفال الذين أحضرهم، في زي واحد، وعمل لهم مدرسة واحدة، يطعمهم ويكسوهم من نفقته الخاصة، وبعض تبرعات أهل الخير، وإن منظرهم ليشرح الصدر، وهم في صلاتهم يركعون، ويسجدون لله، وهم في هذا الزي الواحد، يناجون الله الواحد. وفي الصباح ينتظمون في طابور المدرسة كأنهم أبناء رجل واحد.
 
وبالرغم مما رأيته ولم يعجبني فقد حمدت الله وشكرته على أن الإسلام ما زال بخير يحميه الله ويرعاه، ينشر من تلقاء نفسه، ويقيض الله له من يرعاه، ولو في مجاهل البلاد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here