islamaumaroc

مصطفى صادق الرافعي (تأليف الدكتور كمال نشأت)

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 يغلب على ظني ، ان الذي دفع الدكتور كمال نشات الى التاريخ للرافعي ، تناوله من شتى جوانبه ، هذا الذي ضرب على حياة اديب العربية منذ ان انتقل الى جوار ربه ، تاركا سبحاته في عالم الفكر، و سوانحه في دنيا القريض، او لعل هذا الوفاء الذي قام به الدكتور نشات ، كان بتوجيه من استاذه الدكتور شكري عياد الذي لفت نظره الى الالمام بهذه السيرة ، و دراسة صاحبها الذي خلف هذا التراث في الادب و النقد.
 و لقد كان المفتتح في هذه الدراسة الحية من خير المفتتحات في دراسة الاعلام ، او هي خير من خير المفتتحات في دراسة الاعلام ، او هي خير ما وفق اليه الكاتب الشاعر .. اذ ليس اصعب من تناول اسرة المؤرخ له ، و الاحاطة بها ، ووضعه بين افرادها ، و مكانته المحددة بين مختلف ثقافاتها، او تباين اتجاهات نشاتها.
لكن هل كان الرافعي الاديب و الشاعر و الناقد من هؤلاء الذين يصعب و ضعهم على صعيد اسرهم، او تحديد معالم ثقافاتهم؟
اعتقد ان الاحساس الذي احاط بالرافعي وحدد مكانته بوظيفته المتواضعة ، قد بث فيه روح النضال، و غرس فيه حب الظهور ، لا سيما ذلك الاحساس الذي قد ظنه ماسا بكرامته ، فعمل على ان يكون برزة بين ادباء العصر ، وواحدا من اولئك الذين يعتزون بمكانتهم ، و يذهبون بانفسهم الى حد الغرور.
يحدد الرافعي نفسه ، و يصف مكانته ، حتى لا يتعب مؤرخيه ، بالبحث عنه ، او التماس وضعه ، فيقول في احدى رسائله الى صديقه : ابي رية : (( انه ارقى من ((برجسون )) لان افكارا له في مقدمة كتابه : (( المساكين )) طابقت بعض افكار هذا الفيلسوف )).
و يحدد معالم ثقافته اكثر ، عندما يقول في رسالة اخرى له : (( لقد قرات : (( اوراق الورد )) هذا الاسبوع ، يعد ان فرغت من قراءة لشكسبير ، و اخرى للامارتين ، و في ظني ان (( اوراق الورد))يرجح عليهما بكثير في معانيه و بيانه ، و لكن هو الحظ..))
غير ان الاسترسال في هذه الاستشهادات التي اوردها الدكتور نشأت ، لممات اخذ من الرافعي ، أكثر مما تعطى له ، و بخاصة اذا لم تجد من يناقشها او يسوق الحجج على الدافع للرافعي الى ان يذهب هذا المذهب ، و يغر هذا الغرور ، و ان كان الرفاعي نفسه ، قد كان يرى انه يعد صنوا للامارتين او شكسبير او برجسون اذا قيس بعديد من أدباء عصره ، و المتنافسين و اياه على عرش الادب في وقته ذلك ، و عصره الذي عمر بالأدباء و الباحثين.
 
على ان المؤلف الفاضل ، لم يقف سلبيا و هو المدفوع الى دراسة الرافعي بدافع التقدير ان لم يكن الاعجاب الذي املى عليه هذه الصفحات حول هذه السيرة الثرة ، امام ما اخذته عليه الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها : (( دراسة في ادب الرافعي )) ، فالرسائل الخاصة التي كان يتبادلها الرافعي مع بعض اصدقائه ، و حاسبته الدكتورة نعمات عليها ، لم يكن يد من ان يفندها الدكتور نشات ، و يرجعها في كتابه الى انها : (( المجال الذي ينفض الانسان فيه كل ما بنفسه دون مواربة )).
  و يذهب المؤلف الى ابعد من هذا ، و هو ان الرافعي ساعة كتابة هذه الرسائل ، لم يكن يعلم الغيب من انه سيموت ، و ان صديقه الذي يراسله سينشر رسائله في كتاب..
و التعقيب المستطاب هنا كان اجدر بالدكتور نشات ، الذي قدر الموقف من كل نواحيه ، و احاط به من جميع ارجائه ، حتى كانت هذه اللعنة التي تعلل بها في الدفاع عن صاحبه.
(( يجب ان نضع في اعتبارنا ان هذا التطرف خصلة نفسية ،عرفت عن الادباء و الفنانين عامة )) و هم الذين كان الرفاعي يسلك نفسه في عدادهم ، و يضع قلمه حيث يشاء دون ان يخشى هذا الحساب، او يقدر ان يحصى عليه ناقد ، ما تطرف فيه ، او سبح قلمه به في يوم من الايام .
و في رايي ان الدكتور نشات قد خشي ان يتولى وحده الدفاع عن صاحبه . فراح يلتمس سندا عند صديق الرافعي الاستاذ سعيد العريان الذي كان يحلو له ان يحسم جل قضايا الرافعي بروح موضوعية، و اسناد من التواريخ .
قال سعيد العريان يحدث الرافعي :
(( جلست اليه ذات مساء نتحدث حديثا ، فقال ، و هو يدفع الى طائفة من رسائل القراء : اقرا يا شيخ سعيد ... ارايت مثل هذا ؟ ايحق لاحد ان يزعم لنفسه القدرة على خير مما اكتب في موضوعه؟ ايملك كاتب ان يرد علي رايا من الراي ؟ و مضى في طرائق من خصومه ، فعرفت انه في لحظة من تلك اللحظات التي تنتبه فيها النفس البشرية الى طبيعتها ، فتؤمن بنفسها من دون كل شيء مما خلق الله ، ايمانا هو بعض الضعف الانساني في طبيعتها البشرية ، و هو بعض اسباب القوة في النابغين من اهل الاداب و الفنون . و ذلك الايمان الذي نسميه احيانا صلفا و عنجهية و كبرياء ، و نسميه في النابهين و العظماء ثقة بالنفس ، و شعورا بالقوة )) .
  و قد روى الدكتور نشات ، ما تميز به الرفاعي عند كتابة مقاله ، و ما الزم نفسه به حين كان يعالج موضوعا من الموضوعات ، فهو حينا يلتقط موضوعه من افواه الناس ، و حينا اخر ياخذه مما دونه في ورقات احتفظ بها في (( جيبه )) ، اما اذا لم يدفع الى كتابه الموضوع مباشرة ، فيعمد الى ما اتفق له من الاراء و الافكار ، و يكون منها حصيلة تكون اطارا لموضوعه ، و بنيانا لما اعتزم ان يمضي فيه ، دون تعب ، او اجهاد . و لهذا فقد انفرد الرافعي من بين الادباء عامة في وقته بالكتابة انى شاء ، نتيجة لما كان يستحظره في ذهنه و جيبه من هذه الثروات ، التي يجمعها ، و يحرص على ان تكون حاضرة بين يديه كلما هم بالكتابة ، او انتوى تسجيل خاطرة من الخواطر في صورة مقال ، او سائحة من السوائح على هيئة نفتة من النفتات ، شعرا منثورا ، او نظما محكوما بقافية .
  و لم يفت المؤلف ، ان يسجل ابرز القضايا التي لعبت دورا تاريخيا في حيا ة الرافعي ، فقد سجل راي جورج ابراهيم صديق الرافعي ، و ناقش راي فؤاد صروف في تعليقه على موقف الرافعي من ((مي)) و ما دار في تلك الاونة من تعاطف و افتراق ، و ان كان رايه الذي استقاه من تواتر الانبياء في تهيئة الجو المنزلي الذي كانت زوجته ، تعمل على صفائه ، ابتغاء ان يكون الاديب الكبير في راحة نفسية ، لا يقف طويلا امام المناقشة و اعمال الفكر ، ايا كانت هذه المناقشة ، و ايا كان هذا الفكر في الوصول الى الحقيقة .
 غير ان اخطر قضية في هذا الكتاب ، و هي معارك الرافعي الادبية ، لم يكن من السهل ان تمر ، دون ان يحسب حسابها ، او تناقش على أي وضع من الاوضاع لا سيما و قد شغلت هذه المعارك في وقتها ، الادباء ، و صرفتهم عما عداها من القضايا الادبية الجادة ، لذلك كلن جميلا من المؤلف ان يقف طويلا امام هذه المعارك ، و يسرد ما اكتنفها ، و ما لا بسها من اراء ، و ما احاط بها من قيل و قال ، و ما تمخض عنها من فوائد ، جناها الادب ، و عاش على ثمراتها حقبة طويلة كثير من الادباء.
 
 ولكن هل كانت هذه المعارك خيرا كلها ؟؟ ذلك ما امر به الدكتور نشات دون ان يقول رايا فيه ، و ان كان الرافعي نفسه قد تولى الاجابة عليها بعد القضاء ، او إخماد أوارها في وقت من الاوقات ...
و اللذين طالعوا هذه المعارك ، او يطالعونها اليوم ، انما يهولهم ما حملته بين طياتها من الشتم و السب اللذين جرى الرافعي وراءهما ، دفاعا عن نفسه ، او دفاعا عن ادبه ، حتى انه اضطر الى ان يقول : (( فان كان اسلوبنا من الشدة او العنف ، او القول المؤلم ، او التهكم ، فما ذلك اردنا ، و لكنا كالذي يصف الرجل الضال ، ليتمتع المهتدي ان يضل ، فما به زجر الاول بل عظة الثاني )) . و كان يقول رحمه الله : (( انها كان يسب العقاد بنفس الطريقة التي كان العقاد يسبه بها ))
و لا يبعد المؤلف كثيرا ، او ينفك عن مساق هذه المعارك ، حتى يذكر معركة الرافعي مع طه حسين ، حين انتقد تدريس الادب في الجامعة ، و كتب طه حسين عن كتابه : (( جريدة السياسة الاسبوعية)) و تعرض الدكتور طه لكتابه (( حديث القمر )).
 و لقد ركز الدكتور نشاة على معركة الشعر الجاهلي ، و تناول الاساليب الساخرة التي كان يقلد فيها الرافعي ابن المقفع في (( كليلة و دمنة ))، و شرح الفرصة المواتية التي اتاحتها ظروف المعركة ، متمثلة في هذا الكتاب الذي وجد فيه الرافعي ما يسهل له الرد ، و ياخذ بيده الى الانتقام ، و يقوده الى ما يرضاه في هذا الموقف ، و يثلج صدره في هذه المعركة ..!!
 و ان نسي الادباء فلن ينسوا ذلك الخلاف الشخصي الذي قام بين الرافعي و عبد الله عفيفي على وظيفة ادبية كان يشغلها الثاني في وقت كان يتطلع اليها الرافعي ، و يرى نفسه احق بها ، و ان كان عبد الله، قد لزم الصمت ، و ءاتر السكون ، الى ان واتته فرصة الانتقام لنفسه ، حينما تناول الرافعي نبوغ شوقي في الشعر ، و ارجعه الى دمائه غير المصرية ، فكتب منتصفا لنفسه ، و مدافعا عن الشعراء المصريين الذين ظلمهم الرافعي ، و سلبهم اعز ما يملكون من الخيال و الملكة ، ان لم يكن المعنى و اللفظ ، و القدرة على الوقوف امام سائر الشعراء ...
و للرافعي بعض معارك ادبية ، كان يقضي عليها في حينها ، و تموت لوقتها ، لدقة الموقف الذي كان يتعرض له ، او لحساسيتها الرهيبة في ذلك الوقت ، و ان كان حكم الدكتور نشات عليها كلها ، انها : ((عداوات لم يستطع الموت ان ينال منها )).
 و من خير ما صنعه المؤلف في هذا الكتاب ، انه افرد صفحات كثيرة لمؤلفات الرافعي ، و تحدث عن كل منها باسهاب و مناقشة ، و تعدى هذا الى كتبه التي لم تطبع في حياته ، او التي كانت متناثرة، لم يكتب لها ، ان تاخذ ضمينتها في كتاب .
 و قد اثار الدكتور جملة القضايا ، تعد خلاصات لاتجاهات الرافعي في ألوانه البيانية ... فالرافعي الذي حقق ذاته ككاتب في لون معين من الوان الادب : شعرا ونثرا ، و قد كان اميل في جملته الى روح التراث في وسائل صياغته ، و طريقة تعبيره ، بل و في معجمه اللفظي ، و زخارفه البيانية ، حتى يمكن ان يصدق عليه قول تلميذه سعيد العريان :
 (( تقرا له فتحسبه رجلا من التاريخ ، قد فر من ماضيه البعيد ، و طوى الزمن القهقرى ، ليعيش في هذا العصر و يصل حياة جديدة بحياة كان يحياها منذ الف سنة او يزيد في عصر بعيد )).
و الحكم الذي ارتضاه المؤلف بالنسبة للرافعي من انه لا يمكن ان يكون قصاصا ، مهما قرا ، او استعرض من ادب الغرب الذي افتتن فيه مرة ، و راح يطالع الفرنسية ، عله يصيب محزا ، كما اصاب في العربية عرشا ، لا يمكن ان ينسحب على الرافعي ككل ، الا اذا رايناه يرضى لنفسه بالتبريز ، و السبق في اداب العرب ، و يتراجع عما فتن فيه ، و يولي وجهه نحو السلفية المحافظة التي لفتت نظر صاحبته ، و عرفوها عنه ، حتى كان (( ابو رية )) ينصحة بقراءة اناتول فرانس ، و جمهورية افلاطون ، و غير هذا من الادب الغربي المترجم ، الا انه كان قليل الاقبال الى الحد الذي لم يؤثر فيه ، او يتاثر به ...
 و السؤال الذي يتطلب جواب الدكتور نشات ، و يدعوه الى الدقة في تحديد معالم الطريق ، او وضوح الرؤية امام الادباء ، يطرح نفسه في ذات الوقت الذي كان فيه الرافعي ، يجري وراء عدة اغراض من اغراض الادب ، و يحاول الزيادة فيها ...

 
هل نجح كأديب يمثل القرن العشرين ؟
يقول المؤلف :
(( اقتصر الرافعي على قراءة التراث ، و قراءته لا تمسك اود كاتب يظهر في القرن العشرين ، و لذلك كان الرافعي اديبا مرحليا )).
على ان هذا الحكم الذي ركن اليه المؤلف ، لا يمكن ان ينسيه دينونة الادب العربي للرافعي في وقته، فقال محاولا الدفاع : ((ان الزمن الذي عاش فيه الرافعي . كان للادب الكلاسيكي فيه صولة ، وكانت فيه بقية رغبة في تقليد النماذج التراثية الشامخة ، و كان جمهور القراء ، اميل الى روح الادب القديم، وكان المجددون لا يزالون في كفاحهم دون جمهور عريض يشد ازرهم )).
و القضية الكبرى التي ناقشها المؤلف ، و ابدى فيها رايه صراحة ، هي قضية الرافعي شاعرا، و ان انتهى به الامر الى هجر الشعر الذي كان يتطلع من وراء الاشتغال به الى منزلة عليا ، تسلكه بين شعراء عصره : مكانة و منافسة ، الا انه لم يكتب له ان يقف وشوقي او حافظ ابراهيم او البارودي على ساق و قدم ، و ان كانت قد تحققت شاعريته في كمالها و نضجها في كتاباته النثرية و بخاصة في (( اوراق الورد )).
 و استكمالا للبحث ، عقد المؤلف فصلا حلل فيه الرافعي كناقد ، و حصره في لون معين من الوان النقد المتعارضة في عصره . اذ انه قد كان رحمه الله ينظر الى الاثر المفقود ، و يفتش فه على اخطاء لغوية او نحوية ، صارفا النظر عن المعنى ايا كان نوعه ، و ان كنت انا ارى ، اننا نظلمه اذا نحن جردناه من النقد الادبي ، و بعدنا به عن مسرح النقاد في مواضعات عصره ، و عرف بيئته .
فالرافعي الذي حدد لونه النقدي بنظرته ، لا يمكن الحكم عليه بان (( اغلب ما كتبه في هذا الباب مساجلات ، هي ادخل في باب المعارك القلمية منها في باب النقد بمعناه العلمي الحديث )) و الا ما اختلفت الاراء حوله في يوم من الايام ، او اشير الى ان هذا الاختلاف دليل حي على اهمية الرجل في مرحلة من مراحل ادبنا المعاصر الذي كان لابد من وجوده للوقوف امام الانكباب العنيف على حضارة الغرب منذ مطالع هذا القرن .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here