islamaumaroc

رائد من رواد الدعوة الإسلامية الشيخ محب الدين الخطيب

  دعوة الحق

العددان 127 و128

   لقد تكالبت عند اواخر القرن الماضي و في مطلع هذا القرن ـ كما هو معلوم ـ على العالم الاسلامي قوات مختلفة الاجناس و مختلفة الاتجاهات و المناهج ، قصد اذلال اهله و السيطرة و الهيمنة على ما تختزنه اراضي البلدان الاسلامية من ثروات ، و تنافست في الاستئثار بمواقعه الإستراتيجية ، و في اعقاب الحرب العالمية الاولى ، خرج الخلفاء المنتصرون بتخطيطات بعضها علني و الاخر سري قرروا فيها مصير البلدان العربية و الاسلامية في نطاق المكاسب و المغانم التي حصلوا عليها من تلك الحرب الضارية ، و من جملة ما تضمنته تلك المخططات مناهضة الدعوة الاسلامية الاصلاحية التي كانت قد ابتدات في اواخر القرن الماضي و باساليب مختلفة ووجد من بين هذه الاساليب (( التخذير الديني )) ، عن طريق تنشيط الشعوذة و المشعوذين ، و اعضاء فلسفة (( القضاء و القدر )) مدلولا يساوي الخضوع و الاستسلام لمشيئة اطلق عنها زورا و بهتانا انها مشيئة الله ، كما عززت عملية التخدير هذه بتوسيع الحملات التبشيرية في البلدان الاسلامية سواء منها البلدان التي تتكون من اغلبية اسلامية او تلك التي تقطنها اقليات مسلمة .
و كان نصيب المغرب في هذا المخطط نصيبا (( محترما )) قوامه الشعوذة الدينية و التبشير و جاء عقد الحماية ليبلور فلسفة القضاء و القدر في شكلها الصليبي الاستعماري ، بينما تشعبت حملات التبشير في جهات مختلفة من المغرب ، و بالاخص في النواحي الاطلسية .
و لم يكن استصدار الظهير البربري سنة 1930 سوى بند من بنود فصول مخطط يرمي الى تمزيق كيان الشخصية المغربية تمزيقا معنويا يتلاقى مع التمزيق المادي للتراب المغربي الذي كان قد تقسم الى مناطق لكل منطقة لها و ضعيتها و تشريعاتها و جنسياتها .
 و لم يكن للشعب المغربي الا ان ينتفض انتفاضته التاريخية الشهيرة لمقاومة الظهير البربري الذي يعتبر في تاريخ المغرب النضالي نقمة كانت تنطوي
على نعمة ما في ذلك من شك اذ كان من نتائج استصداره ظهور الشعب المغربي في حواضره و بواديه بذلك المظهر التلقائي و الجماعي الذي وقف امامه دهاقنة الفلسفة الاستعمارية حيارى و مشدوهين .
  و في تلك السنة أي سنة 1930 ، كانت جروح عملية فرض عقد الجماية ما تزال طرية و بالتالي فان المغرب لم يكن يملك من الوسائل التي تمكنه من اسماع صوته للعالم شيئا لا قليلا و لا كثيرا ، فاخذ يبحث لنفسه عن منفذ ، و لئن كان (( الصندوق الاسلامي )) الذي عبر عنه المارشال ليوطي بقوله : ان دقة على جانب من جوانبه لا بد ان يتردد صداها في بقية اجزائه ـ فان الوضع مع ذلك كان يحتاج الى تحقيق عنصر التجاوب فيما بين اجزاء ذلك الصندوق ، و بالفعل فان هذا التجاوب قد ولد و حدث و ذلك حينما استنجد المغرب بالعالم الاسلامي في محنة الظهير البربري ، و تلقى هذه النجدة في مواقف مختلفة و اشكال مختلفة كذلك ، و كان من جملة الذين هبوا لنجدته ذلك الرائد الاسلامي الصامت الشيخ محب الدين الخطيب ، حيث جند صحيفة الفتح ، للتشهير و التنديد بالفعلة الاستعمارية و كانت صحيفة الفتح يومئذ محطة امال و معقل رجاء ، و اداة من الادوات الفعالة التي قفت في وجه الغزو الاستعماري ، و في مظاهره المختلفة التي هي و ان كانت تتباين من حيث الاساليب فانها كانت متفقة سلفا من حيث الغايات و الاهداف .
 و يومئذ تعرف المغرب على الشيخ محب الدين الخطيب ، و تطلع اليه كداع من دعاة الاسلام .
و منذ ذلك الوقت بدا يتلمذ عليه افراد جيل الكفاح الوطني و الرعيل الاول في طليعة ذلك الكفاح الذي ابتدا مريرا و انتهى مريرا كذلك .
 لقد وضع الشيخ محب الدين الخطيب صحيفة (( الفتح )) تحت تصرف الحركة السلفية منذ اول وهلة ، و سرعان ما اصبحت صلة و صل فيما بين الدعوة الى المشرق .
و بالرغم عن الاسوار المنيعة التي كان الاستعمار قد اقامها للحيلولة دون وقوع هذا الاتصال فان العزائم القوية استطاعت ان تجعل من مناعة تلك الاسوار مجرد اسطورة ، اذ سرعان ما اخذت صحيفة ((الفتح )) تصل الى المغرب ، و بالطبع فانها كانت تصل اليه مهربة عن طريق الحيل التي تفتحها ظروف الحرمان و الاحتياج في كل زمان و في كل مكان ، ثم اصبح لها زبناء قارون في المغرب يقتاتونها و ينشرونها و يذيعونها في خلايا ذلك الوقت .
و منذ ذلك الحين ارتبط اسم الشيخ محب الدين الخطيب بهذا البلد الذي ظل رحمه الله و فيا له اشد الوفاء حتى في اخر ايامه .
 و افراد الفوج الذين تلمذوا عن الشيخ محب الدين الخطيب في المغرب عديدون فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا .
 و بعد مرور فترة من الزمن انضم الى الشيخ خص المغرب بجزء غير قليل من جهاده .
ان جهاد الرائد الصامت محب الدين الخطيب كان جهادا امتد بفعله و تاثيره الى كافة انحاء العالم الاسلامي ، و ليس في وسعي ان الم بكافة اطراف ذلك الجهاد و صوره الرائعة المثالية ، و لذلك فضلت ان ابرز من مراحله المديدة و الشاقة الوجهة التي تخص المغرب ، و فاء و اعترافا بما اسداه الرجل لهذا البلد من خدمات ، و بما وقفه من مواقف مشرفة هي و ان كانت من صميم وواجب الدعوة الاسلامية التي كان يضطلع بها هو الى جانب جماعة من المصلحين الصالحين فانها تطوقنا نحن بصفة خاصة بجميل ليس من الشيم الاسلامية ان ننساه او ينسينا اياه تعاقب السنين و قدم العهد ، و ما جد من الامور في البلدان الاسلامية بخيرها و شرها .
لقد علمنا الشيخ محب الدين الخطيب اشياء كثيرة ، و كما علمنا الاعتزاز بالسيادة السياسية فانه لقننا الاستمساك بالسيادة الفكرية .
و اذا كانت صحيفة (( الفتح )) تعتبر وسيلة من وسائل الكفاح من اجل انتزاع السيادة السياسية فان ما كان ينشر في (( الحديقة )) من ضروب الثقافة العربية و فنون الاداب العربية كان بمثابة تذكير بالسيادة الفكرية العربية الاسلامية . لما كنت في مصر خلال محنة من محني زرت الشيخ محب الدين الخطيب زيارة تقدير و اعتراف ووفاء ، فوجدته حريصا اكثر من ذي قبل على ان يكون المسلمون في عهود استقلالهم ، رشداء حتى لا يتهموا بالقصور و السفه ، و هي التهمة التي كان يبرر بها الاستعمار
وجوده في ديارهم ، و كان مما قاله رحمه الله : ان استرجاع قوة المسلمين امر صعب و سهل في نفس الوقت ، صعب لان المسلمين لم يتفقوا فيما بعد على سلوك خطة واحدة في اكتساب وسائل القوة ، و هي وسائل لديهم في متناول ايديهم اليوم اكثر مما كنا نعهدها نحن و نعيشها بالامس و هي امر سهل لو انهم التزموا بمبدا الأعمال ، بدلا من عادة الاقوال .
 ان حياة الشيخ محب الدين الخطيب المديدة و المليئة لتنبسط امام الاعين و هي في شكل دروس قيمة تشخص الاخلاص و انه لا يوجد دين تفتح اكثر من غيره عن افاق مختلفة من انواع الفكر البشري وضروب المعرفة الانسانية مثل الدين الاسلامي .
 فلو ان مسلمي اليوم انكبوا بنفس الرغبة و بنفس الحماس و بنفس العصامية على التلقي و التلقيح و التطعيم مثلما فعل آباؤهم و اجدادهم الذين ترجموا علوم اليونان ، و اقتبسوا من حضارة الفرس و الرومان لما وقفوا حيارى مشدوهين امام هذا الزحف التكنولوجي ، ذلك لان المسلمين قد تعرفوا الى التكنولوجيا التي كانت سائدة في عصرهم ، و لا اقل انهم اخذوا منها ، بل انهم اغترفوا منها باقداح كبار )) و اذا كان الشيخ محب الدين الخطيب قد ترك هذه الدنيا فانه خلف ميراثا ثريا كل الثراء ، و غزيرا و بكل ما تنطوي عليه الغزارة من معاني الكمية و الكيفية ، ميراثا ما يزال يتجلى في خزانته التي تضم مائتي الف مجلد ـ و افضل ان اثبتها بالارقام هكذا 200.000 ، نعم مائتا الف ، و المكتبة السلفية التي كان لها شان كبير و دور اصيل في تعليم و تثقيف جيل بكامله ، كما يتجلى ذلك الميراث في العدد العديد من تلامذته و مريديه و الاخذ عنه بطريق مباشر او غير مباشر .
فرحمه الله رحمة واسعة ، و جزاه عنا و عن الاسلام و المسلمين خيرا ، و انها لكلمة عزاء ووفاء اهديها الى روح الشيخ الفقيد و اعتبر ذلك مرتبة من مراتب الايمان ، و هي و الله اضعف الايمان ، و ارجوا ان يكون اسهاما في تخليد ذكرى مولد الرسول الاعظم صلوات الله عليه و سلم ، لان الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله كان من دعاة اعزاز رسالته التي ولدت بمولده و كان لها الاشعاع الذي كافح و ناضل من اجل الابقاء عليه الفقيد الشيخ محب الدين الخطيب .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here