islamaumaroc

الجسور الحضارية بين الإسلام وأوربا

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 كانت قصة الجسور الحضارية بين الإسلام وأوربا، قصة دخلتها كثير من الظنيات والحدسيات..!وكان الباحثون في شأنها يعتمدون على الفروض والاستنتاجات، أكثر مما يعتمدون على النصوص والآثار الصحيحة..! المكتوبة أو المرسومة..!
 
ولكننا الآن وفي النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تيسرت لنا من الإمكانيات في ميادين البحث والاطلاع فرص مواتية..! أصبحنا نتحدث عن هذه الجسور باعتبارها من الأمر الواقع الذي ليس له من دافع..! وباعتبارها جسورا حقيقية كانت منصوبة بين الإسلام الذي يسمونه الشرق..! وأوربا التي يسمونها الغرب..! واستمر عبور الثقافة والحضارة عليها طيلة أحقاب.. بأساليب وكيفيات أصبحت بعد البحث والدرس يقينية، لا مجال فيها للحدسيات ولا للظنيات..!
 
ونستطيع الآن أن نقول- والنصوص والآثار تؤيدنا- أن لكل جسر تاريخا حقيقيا وروادا وأبطالا وأدوارا لا مجال لسدل الستار عنها.. وإدخالها في عالم الظلام والنسيان..!
 
والقصة تبدأ كما تبدأ كل قصة بين غالب ومغلوب..! وقوي وضعيف..! فأوربا بقضها وقضيضها، مرت بحقبة تاريخية وقفت فيها موقف الحيرة، والاندهاش، واليأس..! حينما شاهدت تقويض الإمبراطورية الفارسية..! وتفكيك أجزاء الإمبراطورية البيزنطية، وسيطرة الامتداد الإسلامي على حوض البحر الأبيض المتوسط..! بما فيه قبرس، وسردينا، وصقلية، وجنوب إيطاليا.. بالإضافة إلى الأندلس والشمال الإفريقي..! وحقبة الاندهاش هذه امتدت ما يزيد على ثلاثة قرون من عمر الزمان..!
 
وطبيعي في حقبة الاندهاش واليأس.. أن يسود التعصب والجمود والحقد والجهل..! وأن تغلق هاته الأشياء كل باب من أبواب التعارف والتفاهم..! فتجاهلت أوربا أو جهلت كل شيء وراء حدودها..! ثقافة كان أو حضارة أو دينا..! بل إن الصورة المرسومة إذ ذاك أمام اليائسين.. للإسلام والشرق كانت صورة الأسد الضاري الذي لا يفهم ولا يرحم..!
وبدأت صورة هذا الأسد تفقد هيبتها.. حينما احتك احتكاكا مباشرا مسلمو الأندلس بمواطنيهم هناك..! وأظهرت الأيام المحاسن والمساوئ..! ونقل هؤلاء الأخبار..! إلى من ورائهم من أبناء ملتهم.. وطلبوا معونتهم..! واعتبروا المسيحية إذ ذاك دينا وقومية في نفس الوقت..!
وتكون هذا الجسر في الأندلس..! وبدأت الفرص تتاح لكثير من رجال الدين والسياسة والحرب للاطلاع على الحضارة الإسلامية، ونظام الحياة عند المسلمين.. وعناصر القوة والضعف عندهم..! وبدأت الأسئلة والتعليلات، والأجوبة. كيف..؟ ولماذا..؟ حصل المسلمون على هذه القوة التي امتدوا بها من الشرق إلى الغرب.. ومن آسيا إلى إفريقيا وأوربا..! وكان الجواب يعني أن هناك أشياء تكون هذه القوة أولا.. وتساندها ثانيا..! وكلها ترجع إلى النظام، والثقافة، والحضارة.. وقد حرمت أوربا منها إذ ذاك أو كادت... وإذن فلم يبق هناك مجال للتردد.. وبدأ الجسر يؤدي مهمته التي نصب من أجلها وهي النقل والترجمة والبحث والدرس لكل مقوم من مقومات هذه القوة الإسلامية التي سببت كل هاته الامتدادات!. ولم يشرف القرن الحادي عشر الميلادي على النهاية حتى كان الجسر الأندلسي قد قام بأهم دور حضاري بالنسبة للدول الأوربية المجاورة حيث عكف المترجمون في طليطلة وغيرها من مدن الأندلس على ترجمة كتب العلوم والفنون والدين من العربية إلى اللاتينية واستعانوا بكل شيء في هذا الميدان..
  وبذلك تهيأت الأجواء للمغامرين والحاقدين وظنوا أنهم عرفوا سر الشرق..! وفهموا عناصر قوته وضعفه..! فلم يبق إلا السير إليه برا وبحرا.. لاسترداد البلاد المقدسة أولا.. ثم السيطرة على منابع الثروة فيه ثانيا..!
 
وفي الوقت ذاته كانت الأعمال جارية لنصب جسر آخر في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا.. والمعروف تاريخيا أن هذه البقاع ظلت في حكم المسلمين إلى أواخر القرن الخامس الهجري، والحادي عشر المسيحي.. قبل أن يغلب عليهم النورمان والجرمان..!
 
وبعد استيلاء هؤلاء حدث شيء غريب في التاريخ..! وهو أن المتغلبين اتصفوا بشيء من الوعي والتبصر وقدروا أنه ليس بإمكانهم أن يستغنوا دفعة واحدة عن حضارة المسلمين وثقافتهم ونظامهم ومظاهر العمران عندهم.. والخطوط البرية والبحرية التي مدوها لتصريف تجارتهم وصناعتهم.. وربط مواصلاتهم..!
 
كما أن ملوك هؤلاء النورمان والجرمان أقبلوا هم أنفسهم على الثقافة الإسلامية فعرفوا أشياء من اللغة العربية والتاريخ الإسلامي..! ولم يكونوا متعصبين في الظاهر ضدا على الإسلام والمسلمين..ولذلك أسباب لا مجال لتفصيلها الآن..
 
واستمرت هذه "السياسة النورمانية" إزاء الحضارة الإسلامية..! والمواطنين المسلمين في تلك البقاع ما يقرب من ثلاثة قرون.. واستمر الجسر الصقلي يقوم بمهمته خير قيام..! وكان تأليف الإدريسي الجغرافي المغربي لكتبه الجغرافية والطبية..! في بلاط ملوك النورمان بصقلية إيذانا بأن هذا الجسر كان على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لجنوب أوربا وغربها..
 
وإذا قمنا بعملية موازنة بين الجسرين: الأندلسي والصقلي نجد أن للثاني أهمية بالغة وآثارا واضحة.. واستفادت منه أوربا حضاريا واجتماعيا وثقافيا.. الشيء الذي حال التعصب الصليبي في الأندلس دونه..
 
فصناعات المسلمين الصوفية والحريرية والقطنية والجلدية وصناعة الورق والخشب والنحاس والحديد والخزف والزجاج.. وقصص المسلمين الدينية والبطولية والأسطورية... وأخبار الفتوح والمسالك والممالك..! والمعارف الفلكية والبحرية كلها عبرت من هذا الجسر، وترددت أصداؤها في المعاهد والمدارس والأسواق واللهجات.. وقامت الآن حولها الدراسات والمقارنات.. وتحددت المعالم والآثار..!
وتبلورت الفكرة الصليبية في أوربا في هدفين:
- الاستيلاء على الأراضي المقدسة في فلسطين...!
- إبعاد الامتداد الإسلامي وآثاره عن أوربا والجزائر الملحقة جغرافيا بها..!

 ومن أجل تحقيق هذين الهدفين نصب جسر ثالث بين الحضارة الإسلامية وأوربا.. فآلاف المغامرين الذين جندوا للزحف الجارف على بلاد المسلمين كانوا يظنون أنهم سيجدون وحوشا ضارية لا تملك شيئا سوى القوى البدنية..! فصرعها كاف للشعور بالفوز وتحقيق الهدف وتغيير الواقع..!
ولكنهم وجدوا مدنا ونظاما ودولا وملوكا وجنودا ومدارس وحضارة قائمة، وثقافة سائدة.. كما وجدوا أخلاقا وضمائر وقلوبا وعدلا ورحمة وتفرقة بين الحرب والسلم، والعدو المحارب، والعدو المسالم.. وبين المرأة والرجل، والضعيف والقوي...
  
ودامت الموجات الصليبية في تدفقها طيلة قرنين لم تحقق فيها شيئا من الأهداف التي جعلتها نصب عينها يوم عزمت على خوض هذه المغامرة..
 
لكنها حققت الجسر الحضاري الذي كان في مصلحتها من حيث تدري أو لا تدري.. واطلعت على سر الشرق حقيقة.. ورجعت إلى بلادها تحمل عقلية أخرى وتفكيرا في الخلق، والفكر، والحضارة، والعمران، والنظام، والفن، والاقتصاد.
 
وبدأت هذه البذور تعطي نتائجها أول الأمر في الطبقات المكبوتة في المدن الأوربية التي كانت إلى ذلك الحين تعيش في نطاق من الإرهاق والظلم بسبب نظام الإقطاع.. فقد شاهدت هاته الطبقات نظام المدنية الإسلامية في الشرق.. وشاهدت أن الناس فيها يملكون حريتهم الخاصة في التصرف الشخصي.. يملكون.. ويحترفون.. ويتاجرون.. ويسكنون.. في ظل نظام عادل مكتوب..
 
فإذا كان الشرق قد ناله من الحروب الصليبية الخراب والدمار.. والأهوال طيلة قرنين.. فإن الغرب قد ناله منها النور والضياء والنهوض والتقدم.. وكانت الحروب الصليبية جسرا ثالثا أضيف إلى الجسر الأندلسي.. والجسر الصقلي..!

ويمكننا أن نقف هنا وقفة لنسائل أنفسنا.. كيف تأتى لأوربا أن تتقدم.. مع أنها إنما أخذت معارف الشرق عن طريق الجسور الحضارية..! وكيف تأتى للشرق أن ينام أولا.. ثم ينهض ثانيا.. بعد أن وجد الزمام قد أفلت من يده..؟
 
وليس الجواب هنا سهلا ولا ممكنا في سطور.. لكننا يمكن أن نقول: 
أن الحروب الصليبية كانت بالنسبة لأوربا زيادة على أنها كانت جسرا حضاريا.. كانت أيضا بمنزلة نقطة الارتكاز في توحد الخطة لحرب الإسلام والإجهاز عليه بكل الوسائل والتعاون سرا وعلنا لعرقلة كل أسباب نهضته ووحدته مهما كان الثمن..
واختارت الوسائل الثلاث المعروفة
- الاتجاه الصليبي..
- الاتجاه الحربي..
- الاتجاه الاقتصادي..
وتنتهي إلى نقطة واحدة..
وهذه الاتجاهات تبتدئ من نقطة واحدة..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here