islamaumaroc

الأوضاع العالمية عند ظهور الإسلام

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  ان اصل وجود الديانات السماوية هي اعداد الانسان لحياة دنيوية تستقيم بها علاقته مع ربه و مع اخيه الانسان ، و حياة اخروية ابدية ينعم فيها المؤمن بالجنة ، و كل ديانة و ثنية مهما كان هدفها النهائي حتو و لو كان عبادة اله لا تدركه الابصار لا تستطيع ان تضمن هذا الاصل الذي قامت عليه الديانات السماوية ، و لذلك كانت المجتمعات البشرية تعيش في الحيرة و الضلال حتى ياتيها منقد من بين الانبياء يحارب فيها الشعوذة و يرفعها من التفكير السطحي و المادي المجرد الى مرتبة العبادة الالهية بشكل يختلف فيه المدنيون حسب عملهم ومستواهم العقلي و الاجتماعي .
 و ان اهم نقطة للديانات السماوية هي قبل كل شيء ما نسميه اليوم بالشرق الاوسط ، فمنه انطلقت اشهر الديانات و هي اليهودية و المسيحية و الاسلام ، و قد يثار تساؤل عن سبب تخصيص هذه المنطقة بهذا الامتياز العظيم ، و نعتقد ان تركز معظم الحضارات العالمية القديمة بهذه المنطقة و ما يجاورها من مناطق حوض البحر المتوسط و استراتيجية هذه الحوض نفسه و الذي يعد ملتقى جغرافيا و تاريخيا لكل القارات هو السبب الرئيسي لهذا التشريف الالهي ، و قد يثار تساؤل اخر عما اذا كان من المعقول ان يبعث الانياء وسط شعوب متحضرة نسبيا و لا يبعثوا في المجتمعات المتوحشة بالاولوية ، و الواقع اننا نجد الجواب هنا في السؤال نفسه . و هي كيف يمكن ان يرتفع الانسان من درجة التوحش و البدائية و الجهل المطبق الى اعتناق دين جديد كليا يرفع تفكيره الى عالم الملكوت و يحوله في رتبة وسطى الى مومن يدافع عن عقيدته و يحتج لها عند الاقتضاء ، و في رتبة عليا الى انسان يتفانى في ذات الله و ينقطع عن الماديات و يجعل الناس كلهم اخوة و ابناء له ، و لذلك اختارت الديانات السماوية هذه المنطقة من العالم و لم تختر حتى الصين ولا الهند و هما من دول اسيا البعيدة في الحضارة و لكنها بعيدتان جغرافيا كذلك ، و لم يسبق لهما ان لعبتا دورا سياسيا او اقتصاديا عالميا مباشرا .
الاسلام في شبه جزيرة العرب :
نجد الديانات السماوية و الحالة هذه تنزل حيث توجد مبدئيا قابلية بعيدة او قريبة من نفوس المجتمعات التي تنزل عليها الديانات ، سواء من حيث عقليتها او مستواها الحضاري او وضعيتها السياسية ، و هكذا اختار الاسلام منطقة بلاد العرب لانه في اصوله الاولى المجردة عن كل تعقيد فقهي او صوفي او فلسفي ، دين بسيط يلائم وضعية هؤلاء الذين نزل فيهم .
وجد الاسلام العرب ضعافا فقواهم و انشا بينهم وحدة سياسية لم تعرفها اكثريتهم من قبل في شبه جزيرة العرب ، و كانت الوثنية تضرب اطنابها في كل جهات هذه البلاد ، فمر الاسلام العرب ان ينبذوا الشرك و يعبدوا الها واحدا . و فكرة التوحيد شيء عظيم في الاسلام ، فالعرب الذين كانوا ممزقين سياسيا و دينيا كانوا بحاجة الى اعتناق هذه الفكرة التي تشخص الطاعة و الامتثال و تجنب الناس التفرقة و الضلال .
 و لم يكن العرب كثيرون على دين المسيحية بل كان فيهم افراد قلائل كورقة بن نوفل وقس بن ساعدة و امية بن ابي الصلت ، و كل هؤلاء كانوا يتوقعون ظهور نبي ينقذ العرب ، و اذا استثنينا العناصر القحطانية التي حظيت بمدنية بالغة الرقي و نقلتها من اليمن الى المدينة و الشام ، فكل ما يمكن ان يفتخر به مجتمع العصر الجاهلي هو بعض صفات البطولة و النبل الى جانب الفصاحة و الشعر الذي بعد احسن معبر عن حياة العرب و نشاطهم في هذا العصر ، ووجود قبائل كثيرة متفرقة ليس بينها وحدة مطلقا ، كان من عوامل البيئة اكثر منه خاضعا لتاثير سياسي ، فالموارد الضعيفة المحدودة وانعدام المطر سنوات احيانا جعلهم يعيشون في فقر شديد يضهرهم الى النجعة و التنقل باستمرار بحثا عن الكلا و الماء ، و هذا من عوامل عدم الاستقرار الاقتصادي و السياسي معا . و نستطيع ان نجد في ارتداد العرب بعد وفاة الرسول سببا اقتصاديا اكثر منه أي شيء اخر ، فهم قد امتنعوا يتاتا عن اداء الزكاة و كثيرون رغبوا ان يعودوا الى الاسلام دون اداء هذا الواجب .
كذلك نجد ظاهرة اخرى في تقبل الاسلام بشبه الجزيرة  ، فالمدينة اعتنقت هذا الدين بيسر و بصفة جماعية ، و لا نقبل ان فكرة وجود اخوال الرسول بالمدينة سهل اقبال هؤلاء على الاسلام ، فالمنطق يقتضي بهذا الاعتبار ان تكون مكة سباقة في مجموعها لان معظم اقارب الرسول كانوا بها، فمكة بلد غير ذي زرع ، و حضارة قريش هي حضارة سطحية قوامها الاحتكاك التجاري ، بينما المدينة تقبلت الاسلام لان اهلها تتوفر لديهم موارد اقتصادية قارة بفضل الواحات و المياه الغنية المجاورة ، كما ان وصول اهلها من ذلك العنصر اليمني الذي سبق ان اشاد سد مارب و قصر غمدان و ابتكر الخط الحميري و نظم الري تنظيما محكما ، فهذا العنصر يقبل بعقله السامي ان يعتنق دينا يتمم تنظيماته و يصحح اوضاعه و ينظم علاقاته الانسانية و الروحية .
 و قد طغت عبادة الاصنام في كل شبر و بقعة من شبه الجزيرة العربية تاثرا بالديانات السامية القديمة ، و انا لنعلم ان ابراهيم عليه السلام و قد نشا ببابل كان اول همه تحطيم الاصنام ، و نعلم ان محمدا عليه السلام كان اول عمل قام به بعد فتح مكة هو تحطيم الاصنام ايضا .
و مع ذلك كانت الاوضاع قد تدهورت في مناطق الشمال التي شهدت منذ عصر بعيد حضارات محلية زاهية كالحيرة و دمشق ، و كان اهلها ليلة دخول الاسلام قد فقدوا كل سيادة على مناطقهم و صاروا خداما للفرس و الروم .
الحالة في الامبراطورية الساسانية
  كان العراق يشكل ارتكاز في الامبراطورية الساسانية و هو يضم مجموعة كبرى من العرب و بقايا العناصر السامية القديمة ، و دب الضعف الى هذه الامبراطورية التي كان لجهودها الحضارية فضل لا ينكر على الحضارة الاسلامية فيما بعد ، و كانت تخومها عرضة للغزوات من قبل خصومها البيزنطيين و غيرهم ، و كانت المعتقدات المتضاربة قد زادت من هذه الامبراطورية تفككا، و هكذا اختلطت تعاليم ( زرادشست ) التي ظهر صاحبها في القرن السادس ق . م بالمانوبة التي شقت طريقها الى البلاد في القرن الثالث و المزدكية التي سيطرت على المعتقدات في القرن الخامس الميلادي و اصبحت دينا رسميا للدولة ،و في هذه المذاهب تناقض يعكس بحق صورة المجتمع الساساني في تطوراته الاجتماعية ، فبينما يدعو ( زرادست ) الى الزواج و النسل و لا يومن بالصوم و هو شذوذ واضح في الديانات الكبرى ، نرى ( ماني ) يدعو الى الرهبانية و الصلاة باستمرار ، بينما يدعو ( مزدك) الى الشيوعية في المال و النساء و هو مذهب وجد من نفوس الكثيرين قبولا ، زو نرى الفلاحين في فارس يعيشون عيشة البؤس و الضنك بينما تتقوى طيقة النبلاء من العسكريين و يتضخم نفوذ الكهنة و تتكاثر درجاتهم الدينية و ان وجد بعض التسامح لدى الملوك المتاخرين حيال الديانات الاخرى كاليهودية و المسيحية ، و على كل فوجود المزدكية كدين رسمي مع بقايا المانوية و الزارادشية ووجود اتباع للديانة البوذية شكل خليطا من المعتقدات التي تقرر مبدا الازدواجية من خير و شر ، او ظلمة و نور ، و ان النهاية غلبة الخير على الشر و النور و على الظلمة ، و الى جانب ذلك كان الفرس و الروم يعيشون في صراع حقيقي على السيادة العالمية و هما يومئذ اعظم دول العالم، و ان كثيرا من المذاهب التي ظهرت في الاسلام من شيعية و اعتزال و خارجية و غيرها نجذ للفرس ضلعا فيه يكبر او يصغر حسب الظروف و المصلحة .
و اخيرا اصيب الفرس بالتناحر على العرش داخل مبراطوريتهم فعجلوا بذلك انهيارهم عن غير قصد ليخضعوا لسيادة جديدة هي السيادة العربية و الاسلامية .

الحالة في الامبراطورية البيزنطية :
اما في الامبراطورية البيزنطية فقد كان البيزنطيون يعتقدون لمدة طويلة انهم وحدهم بوصفهم ورثة الرومان
لهم الحق في بسط سيادتهم على العالم حتى فوجئوا بالامر الواقع كما قال ostrogorsky  ذلك هو انتقاص اطراف مملكتهم من شعوب مختلفة ، ففي القرن الخامس تستقر الشعوب السلافية في البلقان و يستقر البلغار بعدهم في جنوب نهر الدنوب ، كما ان العرب سرعان ما يصبحون سادة على كل هذه الامبراطورية الواسعة في مدة وجيزة و لا يبقى للبزنطيين الا ما يسمى باسيا الصغرى و بعض المناطق الايطالية .
و على الرغم من الانظمة الادارية الرائعة التي حق للرومان ان يفتخروا بها نجد السلطة تصبح بيروقراطية تتركز في مصالح مركزية و يصبح النفوذ الكلي للامبراطورية نفسه ، بينما يضعف النظام البلدي و يعيش البلاط البيزنطي في فخفهة مفرطة ، كما تتكدس الثروات في ايدي رجال الكنيسة باسم المحبة الانسانية التي تجمع من اجلها هذه الثروات ، اما الخلافات الدينية تاخذ من رجال الدين زمنا طويلا يكاد يساير ظهور المسيحية من او لنشاتها الى اضمحلال الدولة البيزنطية ، و نرى هذه الخلافات تتعقد ثم تصير تافهة حيث نجد رجال الدين يجتمعون من كل حدب و صوب ليقرروا ما اذا كان للمراة نفس كالبشر او لا ، ثم يتفقون بعد طول جدال باغلبية ضعيفة جدا على ان لها نفسا كالبشر .
كذك ضعفت الملكية الخاصة الى حد ان معظم الاراضي الزراعية تجمعت بايدي حفنة من كبار الملاك بما فيهم رجال الكنيسة .

الحالة في اوربا :
كانت اوروبا و اسيا قد تسلط علها الجرمان قبل بضعة قرون من ظهور الاسلام و استقر الغوط و هم اكثرهم اخذا باسباب الحضارة في شبه الجزيرة الايبرية بينما انشا الافرنج دولة بفرنسا ما لبثت ان مزقتها الخلافات الداخلية من سياسة و دينية حتى انقسمت فرنسا ليلة ظهور الاسلام الى شطرين يسودهما ملك ضعيف يقضي ايامه في الصيد و التجول بالعربات عبر البلاد ، و كانت انجلترا التي اكتسحها الجرمان بدورها قد اصبحت مجزاة الى سبع ممالك ، كما كانت الوثنية تسيطر على جزء كبير منها ، و بوجه عام اكتسحت الشعوب الجرمانية في دفعتين رئيسيتين مختلف مناطق هذه القارة، و هي شعوب تمتاز بقسوتها و خشونتها مما ورثته عن الرومان ، و اضافت اليه ما انطبعت عليه من قبل ، و تركت الشعوب الجرمانية اثرا بالغ الخطورة حينما حلت ، في المبدان الاقتصادي ، فهي شعوب تعتمد اساسا على الزراعة و تربية الماشية ، اما الصناعة فقد بلغت حدا بالغا من الانحطاط ، و اصبح النهب و السلب عادة في مختلف البلاد التي حلت بها و لم يعد هناك اهتمام بالعلوم و انما بقيت علوم اللاهوت و حدها تلقن في الاديرة و الكنائس على يد الرهبان ، و لا يكاد يظهر اديب يستحق الذكر في هذا العصر المظلم .
و مجمل القول ان اوربا بعيدة يومئذ عن ان تشكل مجموعة من الدول المنظمة بل هي مجتمعات اغلبها غير اصيل من هذه البلاد ، و انما هي عناصر دخيلة اكتسحت البلاد من اسيا او من الامبراطورية الرومانية القديمة .

الحالة في اقريقيا :
و في افريقيا كانت الوثنية تضرب اطنابها في كل مكان ، فالمسيحية لم تستطع قط ان تتاصل قبل الاسلام في مجتمعات كبيرة العدد ، و باستثناء الحبشة ، فالاثر المسيحي محدود حتى في افريقيا الشمالية .
و يجب ان نشير هنا الى النشاط العظيم الذي قام به بربر الشمال الافريقي في اقطار كثيرة من افريقيا قبيل الاسلام و بعده فيما يخص الميدان الاقتصادي و التجاري و العمراني ، و كثير من الناس يجهلون ان سكان الشمال الافريقي كانوا في العصر الموغل في القدم اهل تجارة و عمران ، امتد اثرهم في غانا و السينغال و مالي و حوض النيجر عامة ، بل من الغريب ان نجد المسيحية تخفق كليا في الصحراء الكبرى بينما تتغلغل المعتقدات القرطاجنية في هذه المنطقة الشاسعة عن طريق البربر.
و ليس معنى هذا ان المسيحية لم تبذل محاولات للتغلغل في افريقيا ، فنجاحها في الحبشة اكبر دليل على ذلك ، و لكن الاسلام وقف سدا منيعا امامها فلم تعد تطا الارض الافريقية الا في عصر الاستعمار الحديث أي بعد مدة لا تقل عن عشرة قرون بعد الاسلام .
المسيحية لم تحقق مبادئها :
و في الواقع لم تستطع المسيحية ان تحقق نصرا بذكر في القارة الافريقية لانها لا تنسجم مع عقلية شعوبها و لان الذين قامت المسيحية على ايديهم لم يضمنوا مبدا المساواة و العدالة في معاملة المجتمعات التي حلوا بها كسادة ، و هكذا وجدت الشعوب الواقعة شمال منطقة الغابات و التي ظلت وحدها لمدة طويلة
تحتك بالمجتمعات الخارجية ، وجدت في الاسلام كغيرها من الشعوب التي اعتنقته مخرجا من الاضطهاد و الانحطاط و سبيلا الى نبذ كل سلطة رهبانية من شانها ان تتحكم في علاقة الانسان بربه.
 نعم لقد كانت المسيحية ضد الطلاق وضد تعدد الزوجات لانها وجدت المجتمع الروماني و قد انهارت فيه الحياة العائلية و السلطة الابوية مما ادى الى عدم الاهتمام بتربية الابناء و السهر عليهم حتى كان ذلك من اكبر عوامل تشجيع انتشار المسيحية بين الرومان و لكنها في الواقع لم تؤد دورا تربويا كبيرا كما دلت على ذلك احداث التاريخ نفسها .
 كذلك ابتليت المسيحية بما لم يبتل به دين اخر من الانقسامات و الاتجاهات ، و كان التثليت في الكاتوليكية من اعظم المصائب التي حلت بالمسيحية حتى خرجت عن اصلها كدين توحيد كما كان الشان في اليهودية ثم الاسلام ، و كان المذهب الاربوسي الذي انتشر في الشرق و الشمال الافريقي يصارع بشدة كل سيادة للبابا الروماني و لا يتفق مع الكاتوليكية في معتقداتها .
 و مع ذلك فالمسيحية تقدس الاشخاص اكثر من أي دين سماوي اخر ، فلكل قديس عيدا او موسم ، مما كان له اثره الواضح في حياة المجتمعات الاسلامية و قد احنكت بالمسيحية بطرق مختلفة، و كان الرسول عليه السلام قد تنبا مقدما بان المسلمين سيلجاون الى تقديس الاولياء على غرار المسيحيين و بطرق تخرج بالاسلام عن حقيقته احيانا فلم ين الاحتفال بذكرى مولده و لم يفعل المسلمون ذلك بعده الا ببضعة قرون ، و انما فعل ذلك حتى لا يصير هو نفسه موضع عبادة و يكون في ذلك عبرة لغيره .
 و المسيحية مع هذا لم تهئ معتنقيها لحياة مدنية حقيقية ، فالاناجيل تمثل مجموعة من القصص الدينية و الوعظ و لا تفيد بشيء يذكر في ميدان التشريع و المعاملات ، و قد تكون بعض ديانات الشرق الاقصى اغنى منها في هذا الباب ، بل حتى الديانات الفارسية التي سبقت الاشارة اليها تضبط العلاقات الاجتماعية بشكل او باخر .
 و مع كل ذلك تمكنت المسيحية من الانتشار هنا و هناك في مختلف بلاد العالم ، كما نجحت في التكثير من انصارها لانها قامت من جهة على التبشير ، و من ناحية اخرى اتخذها اباطرة الرومان المتاخرون دينا رسميا ، و معلوم ان معظم العالم المعروف كان تحت سيطرة الرومان و خصوصا الجهات التي يكثر بها السكان كاوربا و حوض البحر المتوسط ، و اخيرا اقبل عليها الرقيق و هم يشكلون طبقة عظمى من الشعوب الخاضعة للرومان لانهم كانوا يعتقدون ان اخلاصهم من اضطهاد الحكام و الطبقة الارستقراطية في اعتناقهم لهذا الدين .

اليهودية :
قامت تعاليم هذه الديانة على توحيد الله من غير تعقيد و لا اشراك و على الايمان بصفات معينة تجب في حقه تعالى كالقدرة و العلم و الايمان بالانبياء السابقين . و مع ان هذه الديانة التي تشمل الصرة و الصوم  و الطهارة تتفق من كل هذه الوجوه مع الاسلام ، فقد كان للاحبار دور كبير في تشويه معالمها ، لان التوراة كتبت في زمن متاخر بعد موسى عليه ، و هي تمثل في وضعها المحرف ما تسميه بالارائيليات من قصص الانبياء و هجرة اليهود و استيلائهم على فلسطين و ما الى ذلك . و من المعلوم ان السكان الاصليين هم الكنغانيون ، و انما كان العبرانيون غزاة طارئين يتكونون من قبائل تتناحر على السلطة و النفوذ . و مهما كان الامر ، فمجرد كون تعاليم موسى كتبت بعده عليه السلام يدعوا الى الشك كثيرا في جملة مما احتوته التوراة في شكلها الحالي ، و قد حرمت اليهودية الطلاق بدورها و اجازت في هذهبها الرباني الزواج ببعض الاقارب المحرمين في الاسلام كالزواج بابنة الاخ و الاخت .
و لم يكتب لليهودية ان تنتشر لان اصحابها لم يعملوا على نشرها و لانها في الواقع يانة لا تستجيب لمتطلبات المجتمع البشري من حيث ضيق معتقداتها و مبادئها ، كما في الصوم و تحريم عدد من انواع الطعام و الطبخ بتاتا في بعض الاعياد ، و ذلك مما لا يقبله اجنبي عن هذا الدين بسهولة .

انتشار الاسلام :
و اذا كانت الاوضاع الدينية و العامة كما وصفتاها قبيل ظهور الاسلام فهل حقق الدين الجديد شيئا من اصلاح هذه الاوضاع ، و ما مدى هذا الاصلاح في القريب و البعيد ؟ و هل سلك حقا طريقا القوة لاقناع الناس كما يزعم البعض ؟
الوقع اننا اذا انطلقنا من شبه جزيرة العرب نفسها نجد الاسلام قد حقق شيئا جديدا في هذه البلاد :
 1) توحيد الله و نبذ عبادة الاصنام .
2 ) اجتماع العرب قاطبة تحت راية واحدة و حكومة موحدة ، و هذا ما لم يشهده تاريخهم من قبل ابدا، و قد قيل ان الرسول دخل الى مكة بالقوة ، و مع قبول هذا الفرض جدلا فماذا تفعل جماعة سبق ان طردت من ديارها و حرمت من عائلاتها و اموالها ، ثم لم تجد سبيلا للعودة الا استعمال القوة ؟ ثم بعد ان دخل الرسول البلد الذي كان فيما قبل معرضا فيه للاذى و الاضطهاد يعلن ان من دخل دار ابي سفيان فهو امن و من دخل البيت الحرام فهو امن ، ثم لا يحكم السيف الا في رقاب شخصين او ثلاثة كانوا اشد الاعداء اذاية للمسلمين ، و في شبه الجزيرة يوجه الرسول الدعوة الى الامراء و الشيوخ عامة للدخول في الاسلام و ترد عليه الجماعة افواجا و قد رات الدين يتقوى و انما يهب الرسول لمحاربة من يرفع السيف في وجهه ، لان الدفاع عن النفس و الارض مشروع بل و غريزة في نفس كل بشر منذ كان .
 و ما يفرغ الرسول من شبه الجزيرة حتى تعاجله المنية عليه السلام فيتولى الخلفاء الراشدون تتميم مهمته في الاراضي العربية التي يحتلها الفرس و الروم و ياخذ الامويون بعد هذا نفس الخط فيمدون فتوحهم من مصر الى مجموع ليبيا فافريقيا فالمغرب الاوسط و الاقصى و ذلك كله لمطاردة البيزنطيين و تعقبهم حيثما حلوا حتى يعيدوا الكرة على العرب و المسلمين و قد عانوا منهم فيما سبق الشيء الكثير من الاذلال و الاحتقار في الشام ، و اما تتميم فتح فارس ايام الخلفاء الراشدين فيتبع نفس الاسلوب و السياسة اذ لم يكن من الممكن ان لا تمتد الفتوحات الى هذه البلاد خشية ان يعيد الفرس الكرة ، ثم كان العرب مع هذا يؤدون رسالة و لا يلزموا احدا قط بالدخول في الاسلام ، فهناك التخيير كما هو معلوم بين الاسلام و الجزية و الحرب و العرب يفضلون الاسلام طبعا وهم قبل كل شيء حاربوا استعمارين و طهروا هذه البلاد من المعتقدات المتناقضة .
و يدخل العرب بعد هذا الى اوربا عن طريق الاندلس بعد ان كان بعض امراء اسبانيا انفسهم هم الذين اوعزوا الى المسلمين بفتح هذه البلاد ، و يتعايش المسلمون و المسيحيون و اليهود في كل الاراضي التي خضعت للعرب بشكل يدعو الى الاعجاب اكثر من أي شيء اخر و حتى اذا ارتكب القادة العسكريون العرب اخطاء فهم يتحملون وحدهم وزرها ، و هم في كل تصرفاتهم السيئة لا يطبقون تعاليم الاسلام الحقيقية ، و كيفما كان الامر فالمسلمون في الاندلس ابعد ما يكونون في مواقفهم النبيلة عن خطة محاكم التفتيش التي عرفتها اسبانيا المسيحية فيما بعد .
و الخطا الفادح الذي يرتكبه البعض ان يخلطوا مسالة الفتح بقضية نشر الاسلام ذلك ان فتح عدد من البلدان تم لاسباب اقتصادية و سياسية و دينية ، فالفتوح في بلاد الهند مثلا اقتضتها مصلحة اقتصادية بقدر ما كان الاسلام باعثا لها . و لكن المهم ان نشر الاسلام لم يتم بالقوة في هذه البلاد و الا لاسلم كل اهلها او معظمهم ، فاذا كان فتح عدد من مناطق الهند بالقوة فعلا فان نشر الاسلام لم يكن كذلك قط .
و لو اخذنا مثال الشمال الافريقي لوجدنا اقبال البربر على الاسلام عجيبا ، و انما اساء بعض الولاة الامويون السيرة فاثاروا بذلك من دخل في الاسلام ، و ما كاد الادارسة يحلون بالمغرب حتى هرع البربر افواجا يؤيدونهم ثم كان للبربر انفسهم من صنهاجة افريقية و المغرب فضل استقرار الاسلام و المذهب المالكي في جل جهات الشمال الافريقي بعد ان كان للاغالبة و الادارسة فضل مد الاسلام الى اعماق الصحراء الكبرى ، و كان للدول البربرية بعد ذلك اقرار الاسلام عن طريق الدعوة بوصفهم تجارا ثم مؤسسي دول .
غير ان الاسلام لم يستطع ان يحقق شيئا بالنسبة لاوربا لان مقاومتها كانت ضارية و هي يومئذ تتكون من شعوب معظمها جرمانية قد اعتنقت المسيحية قبل قرون ، و لكن اذا فشل الاسلام في الانتشار كعقيدة بهذه القارة فقد نجح كليا في نشر المعرفة و الحضارة عن طريق الاندلس ثم بفضل الحروب الصليبية التي عاد الصليبيون منها باجماع المؤرخين بطبئعائع و عادات و خيرات عربية و اسلامية لم يكن لهم بها عهد فيما قبل .
و في اسيا انتشر الاسلام عن طريق التجارة بما في تلك الجزر الاندونيسية و الصين وروسيا، و لم يسبق لاية دولة اسلامية ان نظمت الدعاية للدين في بلد خارج منطقتها و بذلك تكاثر عدد المسلمين و لكنه مع ذلك ظل اقل نسبيا من عدد المسيحيين لان هؤلاء يتخذون التبشير طريقا لنشر المسيحية ، و ليس صحيحا مع هذا كله ان المسيحية انتشرت بالتبشير وحده بل يصح ان نقول انها انتشرت اكثر من ذلك بالقوة ، نعم بقوة اباطرة الرومان المتاخرين حتى و ان شهد
المسيحيون من قبل اضطهادا حقيقيا على يد الاباطرة الاولين ، و ما يكاد يحل القرن الرابع الميلادي حتى يتولى الامبراطور قسطنطين حماية المسيحية ، و يضطهد الوثنية و اليهودية ، و هكذا صارت المسيحية الزاما على رعايا الامبراطورية  حتى ان الامبراطور نيودوز امر قبل نهاية القرن الرابع باغلاق جميع المعابد غير المسيحية ، و عمد رجال الكنيسة منذ القرن الاول الى تنظيم عملية التبشير ابتداء من القديس بول الذي طاف اسيا الصغرى و الشام و عمل على احداث التنظيمات الاولى للكنيسة التي اصبحت تخضع لتسلسل رهباني صارم فهناك الراهب و البطريق و القس و الاسقف و ما الى ذلك ، و هذا التنظيم لا يوجد له نظير في الاسلام .
 ولم يستطع الاسلام ان يتغلغل الى اعماق افريقيا الا بعد قرون طويلة كما حدث في زنجبار ، و كل ذلك عن طريق التجار و من غير اكراه . و لا شك الان ان اغلبية سكان القارة الافريقية مسلمون ، و بذلك يكون الاسلام انتصر في هذه القارة على الوثنية و المسيحية معا ، و يمكن القول بصفة قاطعة ان الاستعمار الدولي من برتغالي و اسباني و فرنسي و بريطاني ساهم بكيفية واسعة في دعم المسيحية و نشرها في جهات مختلفة من العالم ، و الا لكان المسيحيون اقل عددا جدا مما هم اليوم .

الاسلام كعقيدة و كحياة :
جاء الاسلام بعقيدة تتلخص في الايمان بالله و ملائكته و كتبه ورسله و اليوم الاخر واداء الاركان الخمسة المعروفة ، ثم كانت هذه العقيدة موضوع توسع و تفصيلات و اتجاهات كثيرة احدثتها المذاهب المختلفة و اولها كل من الفقهاء و الصوفية ، كل منهم بطرقه الخاصة ،و في الواقع كانت الاتجاهات الفلسفية في الاسلام و تناقض النزعات من عمل الشعوب عبر العربية التي اعتنقت الاسلام و لقحته بافكارها او ادخلت فيه عناصر غير صالحة .
 و اجمع المستشرقون و سائر الذين درسوا  الاسلام من غير اهله على انه لا يوجد في غير هذا الدين ما يوجد فيه ، من جمع بين الروحيات و الماديات والدعوة الى العلم نظريا و تجريبيا فهو دستور سياسي و اداري و اجتماعي يحترم بشكل عجيب الاعراف و التقاليد المحلية التي لا ضرر فيها ، و يراعي ظروف البيئة و الزمان و يسمح بتعدد الزوجات لانه نزل في ظروف كانت الشهوة المادية فيها تكاد تكون مقياسا للحضارة ، و لم يكن من الممكن ان يوقف بجرة قلم ما اعتاده الناس قرون و لنتصور ما تركه المذهب المزدني من اثر في بلاد الفرس ، و ما و صلت اليه الاوساط البيزنطية من خلاعة ، حتى اذا مرت قرون اصبح الناس فيها يقللون تلقائيا و تحت ضغط الاقتصادية و الاجتماعية من استعمال هذا الحق الى ان كاد يضمحل في المجتمعات الراقية ، و لا شك ان مبدا تعدد الزوجات سينقضي العمل به حتى من غير اجراء قانون وضعي ، و بذلك تتجلى حكمة الاسلام العجيبة .
و لئن دعا الاسلام الى التمسك بالاخلاق الفاضلة و فصل الاداب التي يجب ان يتحلى بها المسلم مما لا يوجد له نظير في الكتب المقدسة المسيحية و اليهودية فذلك ليخلق من المسلم انسانا اجتماعيا قبل كل شيء  يعرف كيف يحسن الى الناس و كيف يعاشرهم و يواسيهم و يتعاون معهم .
و مع كل ذلك كان تاثير الاسلام في العقلية العربية خاصة تاثيرا مثاليا :
1 ) كانوا بسطاء في تفكيرهم و طريقة حكمهم على الاشياء ، فهداهم القران الى استخدام عقولهم و التدبير في احوال الكون و اخذ العبرة من كل ما جرى في الحاضر و الماضي .
2 ) كانوا يعبدون الاحجار و هي لا تضر و لا تنفع في شيء فامرهم الاسلام بان ينبذوها نهائيا و كان صارما في ذلك حتى حرم عليهم التصوير في البداية حتى لا يتخذوا من التماثيل و الصور اولياء يعبدونهم من دون الله ، و بذلك ارتفعت افكارهم و سمت عقيدتهم الى عبادة اله لا تدركه الابصار .
3 ) كان العرب اميين في معظمهم فاحالهم الاسلام الى جهابذة فكر و علماء و مهندسين حتى بلغوا من درجات الحضارة في قرنين ما لم يبلغه الرومان و غيرهم في قرون طويلة .
و لقد استفاذت البشرية كلها من دين الاسلام بما لا نحتاج الى اعادته في ميادين العلم و الاقتصاد و الحياة الاجتماعية .
و ما نراه اليوم في الشباب الاوربي من اتجاهات شاذة ليس في الواقع الا نبذا لعقيدة لم يعودوا يجدون فيها مبتغاهم و لا ما يتفق مع تطور افكارهم ، و يقينا انهم  لو درسوا جملة من الاديان و المذاهب دراسة مقارنة لوجدوا في الاسلام ما يشبع رغبتهم في مجالات متعددة .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here