islamaumaroc

الإسلام في كوريا

  دعوة الحق

العددان 127 و128

بعث الأستاذ السيد محمد جميل إلى فضيلة الأستاذ الكبير السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي مذكرة قيمة تتضمن معلومات وحقائق خطيرة وسارة عن الإسلام في "كوريا".

ويعتبر السيد محمد جميل من كبار المبشرين بالدعوة الإسلامية الذين يخوضون معركتها باللسان والقلم، فقد نشر كتابا هاما بالإنجليزية تسقط فيه جهود المبشرين المسيحيين وما يقومون به من دعاية وسموم وتضليل، وقد ظل السيد محمد جميل يحارب حركة التبشير في باكستان منذ صباه، وكانت أمنيته أن ينشر الإسلام في الصين، وحقق الله أمنيته فزار "كوريا" وأسلم على يده عدد كبير من الشباب الجامعي.

ويسرنا أن ننشر هذه المذكرة التي نشرتها رصيفتنا "الرائد" الإسلامية التي يصدرها النادي العربي بندوة العلماء لكهنؤ الهند بمناسبة إصدارنا لهذا العدد الممتاز من "دعوة الحق" حول الإسلام والمسلمين في القرن العشرين.

الباعث على رحلتي إلى كوريا إنما هو رجلان من مسلمي هذه البلاد الذين وفدوا إلى باكستان، والحقيقة أنهما هما اللذان حفزاني على هذه الرحلة، إن تاريخ مسلمي كوريا يرجع إلى عهد الجيش التركي الذي كان نازلا في "سيول" فأسلم على يده بعض المسيحيين.

وقد اطلع عدد من أهل كوريا على تعاليم الإسلام السمحة البيضاء وكونه دينا يتفق والفطرة البشرية حينما سنحت لهم فرصة الاتصال بعدد من جنود الجيش التركي إنهم شاهدوا حياة أولئك الجنود خلال الحرب عن كثب ودرسوا سلوكهم وأخلاقهم في الحياة العامة فلم يلبثوا إلا أن أعجبوا بهم، ولا غرو فكل من رآهم وجربهم أعجب وتأثر بهم، والحقيقة أن الإسلام دخل في كوريا عن هذا الطريق ووجدت فيها أقلية مسلمة لا تزال تتوسع دائرتها بدون أي مدد من الخارج.

وكنت أود أن أدرس الوضع الإسلامي في كوريا بنفسي أولا، لكي أصل إلى نتيجة حول نشر الإسلام وطريقته في هذه البلاد، وبناء على هذه الرغبة وصلت إلى "سيول" في 3 من نوفمبر 1966 فأسست فيها قبل كل شيء مسجدا مؤقتا بدأ يجتمع فيه المسلمون، وكان هذا المسجد هو مقري هناك حيث أقضي جل وقتي وأجتمع فيه بالناس، عدا الزيارات الخاصة التي كانت تتم في منازلهم ومراكز أعمالهم، وقد زرت الكليات التي كان الشباب يدرسون فيها، وقد نجحت هذه التجربة فوق ما كنت أتصور ونظرا إلى ذلك طلبت تمديد إقامتي في كوريا من أسبوعين إلى أربعة أسابيع حتى تسنح فرصة الاتصال بالناس والاجتماع بهم أكثر مما أردت أول الأمر، وهكذا كان.

اتصلت خلال هذه المدة برجال الفكر من أساتذة الجامعة وأعيان البلد وألقيت محاضرات حول الإسلام تحقيقا لرغبتهم في معهد (Y.M.C.A) وأمثاله وجاءني كثير ممن كانوا يتصلون بهذه المعاهد والمؤسسات إلى مقري في المسجد يستزيدون معلوماتهم عن الإسلام ويأخذون بعض بعض في محاضراتي، وأحمد الله أن هذه الزيارات والاجتماعات كانت لها نتائج سارة، فقد أسلم عدد كبير من المثقفين، من الأساتذة والأطباء وأصحاب الحرف، وذلك ما اضطر بي إلى تمديد إقامتي في "سيول" بالرغم من شدة البرد فيها.

وغادرت "سيول" إلى باكستان عن طريق اليابان يوم 14 ديسمبر 1966 بعد ما أتممت عملي وقد أثمرت هذه الجهود ما لا يستهان به بل يبعث على الأمل الزائد، والحمد لله الذي وفقني إلى ذلك.

نالت جهودي- بوصف خاص- قبولا في أوساط طلبة الكليات وأصحاب الحرف والصناعات، كما أسلم عدد من مراسلي الجرائد ومحرريها، وأسلم هذه المدة رئيس قضاة المحكمة المتقاعد، الذي يعتبر من كتاب كوريا البارعين وله عدة مؤلفات، وكان معدل المهتدين الجدد من هذه الطبقة كل يوم بين ثلاثة وأربعة، وقد تضاعف أحيانا هذا العدد فأسلم ثمانية رجال من الطبقة المثقفة واهتدوا إلى الإسلام.

إنني أومن بأن الله سبحانه وتعالى أكرم جهودي في مجال نشر الإسلام بالقبول وأرجو الله سبحانه وتعالى أنه إذا كتب لي التوفيق لمواصلة الجهود في هذا السبيل وتيسر لي أربعة أعوان مؤازرين أن يتضاعف عدد المهتدين الجدد إلى عشرة آلاف في أقل مدة، وأن تحتل جماعة المسلمين في "سيول" مكانا بارزا؛ أما إذا نجحنا في توفير وسائل التعليم زيادة على الدعوة فلا غرابة أن يبلغ عدد المهتدين إلى الإسلام في ظرف ثلاثة أو أربعة أعوام مائة ألف؛ ويمكن ذلك إذا تواصلت جهود العاملين في هذا المجال دون انقطاع، ولا يشوبها نوع من الرياء والأثرة. 

وليس أدل على إخلاصهم وإقبالهم على "دعوة الإسلام من أنني مكثت في كوريا ستة أسابيع بالرغم من البرد القارس وشعور الغربة في بلاد ليس لي فيها أنيس ولا أليف، وأخص بالذكر بهذه المناسبة الطلاب الذين وجدت قلوبهم ملأى بدافع الإخلاص والحب ونفوسهم مضطربة للبحث عن الحق، وقد كان بعضهم ممن أتموا دراستهم يلازمونني طوال الليل لدراسة الإسلام وتعاليمه.

لقد ضحى هؤلاء الشباب براحاتهم ولذاتهم وأحبوا لياليهم في سبيل تعلم أمور الدين وأحكامه، فقد كانوا يقيمون في المسجد يتعلمون طريق الصلاة وأحكامها ويستظهرون الكلمات وسور القرآن باللغة العربية، ويسجلون مذاكراتهم حول ما يتعلمون باللغة الإنجليزية أو الكورية وكل ذلك مما يبعث على إزجاء الثناء العاطر إلى هؤلاء الشباب ويزيد قيمتهم.

ووفقني الله إلى إدفاء المسجد والغرفتين التابعتين للمسجد في هذا البرد القارس لكي لا يصيب هؤلاء النازلين من برد أو تعب، كما هيأت لهم القهوة لتكون لهم عونا في السهر.

كان الطلبة والزوار يجتمعون من الساعة العاشرة نهارا حتى آخر النهار، أما طلبة الليل فكانوا يفارقونني الساعة التاسعة صباحا ويتوجهون إلى كلياتهم، إنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم في المسجد حتى الساعة الثانية عشرة ليلا ويستيقظون فجرا، وما كنت أرجو منهم مثل هذا الإقبال والانهماك، وما ذلك إلا منة من الله وفضل منه.

وواجهت بعض المشكلات لأن العاملين معي في حقل الدعوة لم يكونوا يجمعون بين اللغة العربية والكورية غير عدد من الطلاب ممن كانوا اختاروا العربية كلغة أجنبية في كليتهم، واتصلت بأستاذهم المختص فقال لي أن الجامعة تفكر في فتح قسم اللغة العربية بقسم اللغات الأجنبية ابتداء من الدورة الآتية، ولا شك أن ذلك يتطلب مدة، ولكن لا يمكن أن نترك المهتدين الجدد وشأنهم الذين قبلوا الإسلام بشغف زائد ورغبة بالغة، فإن المهم في الظروف الحاضرة هو تعليم أمور الدين الأساسية، كالصلاة وأحكامها، وتركيز معاني الدين في نفوسهم؛ وما لم تقف موقف المعلم والدليل فيما أعجبوا به من دين الإسلام وقبلوه، لا يمكن أن يتصلوا به اتصالا مباشرا وثيقا.

وتحقيقا لهذا الغرض يجب أن توضع كتب ذات ثلاث لغات حول الإسلام والصلاة والقرآن، وذلك بأن تكون اللغة العربية هي الأصل وتليها ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية ثم تنقل إلى اللغة الكورية بغاية دقة وتترجم إليها، ولدفع المشكلة مؤقتا نقلت العبارات العربية إلى الحروف اللاتينية، وترجمتها إلى الإنجليزية، وقد ساعدني في ذلك أحد الإخوان الكوريين فطبع بعض الأجزاء بالآلة الكاتبة، وطبع بعضها بآلة الطباعة اليدوية، وسوف تطبع هذه المواد الضرورية في الوقت المناسب بلغتين أو ثلاث على ورق جيد لتوزع فيما بين حديثي العهد بالإسلام.

كما يجب أن تؤلف رسالة حول الإسلام يستفيد منها منكرو الإسلام والمسيحيون وكل من ضل الطريق على السواء، وقد ألفت هذه الرسالة بالإنجليزية وترجمتها إلى اللغة الكورية عن طريق بعض الإخوان من كوريا؛ ووزعت نسخ محدودة منها بين الخاصة، وكان لها أثر طيب في النفوس، وذلك ما جعلني أشعر بحاجة ملحة إلى طبع عشرات الآلاف من نسخ هذه الرسالة وتوزيعها على الجماهير. وربما عرضت علي مشكلة تعدد الزوجات، وصادفت بعض الإشكال في حلها، ولكني أقنعتهم في مناسبات متعددة بموقف الإسلام منها، وأعتقد أن موقف الدول الغربية من تعدد الزوجات والاختلاط الجنسي الحر هو الذي أثار هذه الفكرة الممقوتة في أوساط المسلمين وشد الخناق على السذج من رجال المجتمع الإسلامي في كثير من الدول المسلمة.

 
وفي اليوم الأخير من إقامتي في كوريا أقمت مأدبة دعوت إليها جميع من دخلوا في دائرة الإسلام من الطبقة المثقفة، والذين سبقوهم بالإسلام، وكنت قد اجتمعت بهم يوم 11 ديسمبر 1966م؛ ومن حسن المصادفة أن اهتدى إلى الإسلام صاحب مطعم محلي ومديره قبل ذلك اليوم بأسبوعين، ويعتبر هذا المطعم أول مطعم مسلم في كوريا، وهو مطعم واسع يقع في محل مركزي للبلد؛ أقمت هذه المأدبة في هذا المطعم، وقت الغذاء، فكان اجتماعا أخويا سارا، حضره سفير ملايو والملحق الصحفي للسفارة التركية، وبهذه المناسبة يحلو لي أن أذكر لكم أن مشكلة لحم الذبيحة هنا كانت صعبة فسهلها الله عن طريق هذا المطعم.

 
وحضر هذا الاجتماع 130 مسلم وصلينا جميعا خلال الاجتماع صلاة العصر؛ واخترت عددا من الطلاب ليقيموا في باكستان ويقضوا فيها مدة ثلاث سنوات ولا يرجعوا منها إلا دعاة الدين والعاملين في حقل الإسلام وستكفل نفقاتهم طوال مدة إقامتهم في باكستان "جمعية نشر القرآن العظيم" كما أريد أن يبعث 12 من مسلمي كوريا إلى الأقطار الإسلامية الأخرى لدراسة الإسلام، وأرى أن يوفد عدد من المتخرجين في العلوم الإسلامية إلى "سيول" بدون أي تأخير لكي يواصلوا عمل الدعوة في المهتدين الجدد وفيمن لم يهتدوا إلى الآن ولكنهم ينظرون إلى الإسلام نظرة إعجاب.

 
يوجد في جامعة "هن كاك" بقسم اللغات الأجنبية ثلاث أساتذة يدرسون اللغة العربية، وأما الكتب التي تدرس في المقررات الدراسية فهي مما نشرته أمريكا، واتصلت برئيس هذا القسم الدكتور "ريو" وهو قنصل الأردن في كوريا، وهو مستعد لبدء تدريس لغة القرآن، التي هي منبع كل لغة عربية حديثة وقديمة.

 
وصلتني عدة رسائل خلال إقامتي في كوريا من أهل القرى المجاورة ويبدو أنهم مستعدون لإجابة دعوة الإسلام، فقد طلبوا مني رسائل حول الإسلام، وأعتقد أن في "سيول" وما يجاورها إمكانيات قوية لنشر الإسلام وهي أرض خصبة لتأسيس فرع لجمعية نشر القرآن.
  


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here