islamaumaroc

محمد علي جناح: داع من دعاة الوحدة الإسلامية

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  محمد علي جناح من شخصيات التاريخ التي عاشت حياتها بالعرض وبالطول معا, وهو فوق ذلك شخصية عظيمة بحساب كل الموازين وكل المقاييس بل إنه ليفوق بعظمته بعض الشخصيات التاريخية المألوفة لنا, فليس محمد علي جناح زعيما لأمة قائمة تحدد كيانها وتميزت مقوماتها, بل إنه زعيم لأمة حديثة أنشاها  في أحلك الظروف الدولية وقادها إلى الحرية والاستقلال وأقام لها كيانها الجغرافي والاجتماعي والثقافي والحضاري, وهذه ميزة كبرى لم يحظ بها زعيم من زعماء العالم إلا القليلون, ولكن يبقى (( القائد الاعظم )) في طليعة هؤلاء القواد لما اجتمعت له من خصال أخرى عديدة كونت عظمته وأكدت زعامته فوق عظمة العظماء وزعامة الزعماء .

لوحة حياته :
قلنا إن محمد علي جناح عاش حياته بالطول والعرض, فقد كان ميلاده في 25 ديسمبر 1876 في مدينة كراتشي, وتناول تعليمه في بومباي وكراتشي ودرس القانون بكلية لنكولن أي في إنجلترا ومارس المحاماة بعد تخرجه سنة 1896 في كل من كراتشي وبومباي, وانضم إلى حزب المؤتمر الهندي ـ وهو الحزب الرئيسي في البلاد الهندية وكان ينضوي تحت لوائه المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو, وكان محمد علي جناح لا يفتأ يدعو إلى الوحدة بين الطوائف الدينية المتصارعة, وكان في الوقت نفسه من أعضاء حزب العصبة الإسلامية, ولما فصم علاقته بحزب المؤتمر الهندي قاد بنشاط وفعالية حركة العصبة الإسلامية, وفي عام 1929 أصدر محمد علي جناح البيان الذي يحتوي على أربعة عشر نقطة والذي طالب فيه بتخصيص ثلث مقاعد المجلس التشريعي المركزي للطائفة الإسلامية في مجموع ولايات الهند, كما طالب بوضع تشريع دستوري يضمن حماية دينهم ولغتهم وثقافتهم وتقاليدهم العريقة, إلا أن هذه المطالب الجريئة جلبت على محمد علي جناح استياء الطوائف الدينية الأخرى, ففضل الهجرة إلى إنجلترا وقضى فيها أربعة أعوام عاد بعدها إلى الهند ليعلن في اجتماع العصبة الذي عقد في لكنؤ سنة 1937 ان الحزب يدعو إلى نيل الاستقلال التام للمسلمين على شكل اتحاد يضم دولا مستقلة في كل اقليم يحتوي على أكثرية إسلامية, وانتصر رأيه هذا حين أعلن في اجتماع العصبة بلاهور 1940 المطالبة بوحدة وحرية مسلمي شبه القارة الهندية في دولة مستقلة اسمها باكستان, وفي 14 غشت 1947 أعلن محمد علي جناح قيام باكستان دولة إسلامية في أول مجلس تأسيسي لها, ولم تطل به الحياة أكثر حتى يرى دولة الباكستان تشق الطريق بنفسها في المعترك الدولي وتساهم في بناء أسس العدل والسلام العالميين وتضطلع بدورها الإيجابي البناء لتوفير أسباب الرخاء والازدهار ليس في شبه القارة الهندية فحسب ولكن في أنحاء المعمور أيضا, وأسلم محمد علي جناح روحه إلى بارئها في سنة 1948 م.

المسلون في الهند :
كان المسلمون في الهند جماعة من القوم شتيتة تعلن بين الحين والآخر سخطها على الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يوجدون عليها وعن يأسها من ظهور زعامة تقودها إلى مصيرهم وتعطي لهم تعبيرا مجسدا لمطالبهم العاجلة وأمانيهم في الوحدة والاستقلال, لقد تولى محمد علي نجاح هذه المهمة الصعبة ـ مهمة توحيد المسلمين على أساس عقيدة واحدة يدينون بها وعلم واحد ـ وهو يعلم أنه سيواجه قوى عديدة في مهمته ـ لذا لم يكن يدعم جناح في مسيرته هذه سوى الشجاعة التي يتحلى بها واقتناعه بعدالة قضية المسلمين في الهند وضرورة إنشاء دولة لهم وثقته بنفسه وبشعبه وبروحه الكبيرة . لقد أيقظ المسلمين إلى وعي جديد ومنحهم إرادة العمل وإيمانا جديدا بمصيرهم, ثم جعلهم ـ بفضل كفاحه الفريد ونضاله المتواصل ـ أمة متحدة قوية وواعية بذاتها بعد أن كان المسلمون جماعة مشتتة وطائفة مهملة وقوما لا يحسب لطاقتهم السياسية حساب .
لقد تحول المسلمون في الهند من أقلية ثابتة تطالب بحمايات كافية لوجودها إلى أمة أصبحت مدركة كل الإدراك قوميتها الجديدة ومليئة بالحماس لها ومستعدة للكفاح إلى أقصى الحدود ضد أية محاولة للقضاء عليها او الانتكاس بها إلى الوراء, إلى الماضي .

فكر جناح :
كان محمد علي جناح يقول: إننا امة نتمتع بثقافتنا المتميزة, وحضارتنا البارزة ولغتنا وتاريخنا وهندستنا وفهمها للقيم, ولنا قوانيننا التشريعية وقانوننا الأخلاقي وعاداتنا وتقويمنا وتقاليدنا وكفاءتنا ومطامحنا, وبالاختصار, فإن لنا نظريتنا المتميزة للحياة وطريقتنا الخاصة في المعيشة .. إن هذه العبارات والكلمات البسيطة الملموسة السهلة الفهم, قد جعلت كل مسلم في شبه القارة الهندية يشعر بأن ثمة مبررا معقولا لمطالبته بإنشاء وطن قومي لأمته المسلمة ولطائفته, صحيح أنه كان هناك شعور غامض من القومية موروث على الدوام في حركات المسلمين الهنود وسكناتهم طول تاريخهم المهزوز, ولكن مجيء محمد علي جناح وتفكيره الواقعي الإيجابي وضع فكرة إنشاء الوطن الإسلامي موضع الفهم والإدراك والتبسيط اللامتناهي وجعلها مفهومة حتى على المستوى الشعبي. هكذا اكتشف مائة مليون مسلم دوحهم الحقيقية ومصيرهم العظيم تحت زعامة واعية ومدركة للمصاعب والتناقضات وملابسات الظروف : إن فكر نجاح وضع أقلية شتيتة في مكانها المناسب وبوأها مقامها الرفيع .
و لم ينس محمد علي جناح خلافه مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان يضم ابرز السياسيين الهندوس، ولكنه لم يفقد أمله بإمكانية التسوية والاتفاق, لأنه كان يرى قضية الهند يومئذ قضية واحدة تستدعي اتحاد جميع الطوائف, وخاصة طائفتا الهندوس والمسلمين, وفي أحد الأوقات العصيبة من هذا الخلاف المستديم كان محمد علي جناح قد أصبح يائسا متبرما, خائب الأمل لا يوحي له المستقبل بأي انفراج للازمة, حتى انه سعى إلى نفي نفسه في لندن, ولكن مسلمي الهند لم يقبلوا منه هذا النفي بل الحوا عليه أن يتولى زعامتهم, حدث هذا عام 1934, ولكنه ظل حتى سنة 1937 متفائلا بإمكان إيجاد طريقة ما للوصول إلى تسوية مع الهندوس .
وعقب الانتخابات الإقليمية وإصرار حزب المؤتمر الهندي على التعاون مع المسلمين كأفراد وليس مع حزب إسلامي, أحدث كل ذلك صدمة كبرى لعلي جناح, وأصبح مقتنعا بان المسلمين لا يمكن أن يتوقعوا مطلقا الإنصاف والعدالة على أيدي الهندوس وحزب المؤتمر, ونتيجة لذلك بدأ يميل تفكيره نحو فكرة الانفصال واستقلال مسلمي الهنود عن حكم الهندوس . لقد كان جناح حتى ذلك الوقت قد قام بأهم دور في بعث الانسجام والتوجيه للفكرة الانفصالية الإسلامية, ولقد استمر جناح على ثبات دائم واقتناع تام بفكرته ودعوته, واستطاع أن يتغلب على الحواجز الشائكة الصعبة عند كل خطوة خطاها, لقد كان علي جناح قويا وعظيما ورائدا وداعيا, كان يتميز بقوة عميقة الجذور في الإقناع وشجاعة جبارة وتكتيك سياسي مرن وإصرار دائم على المبدأ والهدف .
إن محمد علي جناح لا يتذكره مسلمو الهند فقط كداع من دعاة الوحدة الإسلامية في شبه القارة الإسلامية, ولكن يتذكره جميع المسلمين في العالم, لقد جمع طائفة وأقام دولة وأسس كيانا إسلاميا، إنه باني أمة ومجترح معجزة ومنظم جماعة إسلامية كانت ضائعة .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here