islamaumaroc

المسلمون في ألبانيا

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 في غمرة البعث الإسلامي الزاحف الذي استجابت له دول الإسلام في شتى بقاع المعمور، ونشوة الوحدة الروحية التي رأت النور على صعيد العالم الإسلامي منذ بضعة شهور، فالتفت حولها قلوب المؤمنين وسواعدهم وآمالهم في مستقبل مشرق تعود فيه للإسلام غابر أمجاده، نرى لزاما أن نميط النقاب عن واقع إخوان لنا في الملة والعقيدة، قضت الظروف والملابسات أن نجهل الكثير عن حياتهم وتطورهم ومدى تشبثهم بالعقيدة السمحة فلا نعرف عنها إلا أقل من القليل.
وفي ألبانيا شعب مسلم كريم يتحرق شوقا إلى إخوانه في كل شبر من بلاد الإسلام فتحول بينه وبينهم عوائق وسدود، سنحاول أن نتخطاها مهما نأت الديار وشط المزار.

توطئة:
يقدر الجغرافيون مساحة ألبانيا بنحو أربعين ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها ما ينيف عن مليون وثلاثمائة نسمة، خمسة وسبعون بالمائة منهم مسلمون أي حوالي مليون مسلم، موزعون في أنحاء البلاد بنسب تتفاوت فيما بينها على ما سيأتي تفصيله. وتقيم بالولايات المتحدة وإيطاليا جالية كبيرة من المهاجرين الألبان.
والملاحظ أن ألبانيا بلاد جبلية فقيرة في الزراعة، تقدر مساحة الأراضي المزروعة بها بحوالي 7 % فقط. ويتألف معظم منتجاتها من القمح والذرة والطباق وبعض الفاكهة، كما تنبت في الشمال غابات شاسعة.
وقد صدر قانون الإصلاح الزراعي سنة 1945 يوم تحررت البلاد من نير الاستعمار الإيطالي وأنشأت جمهورية شعبية.
والواقع أن ألبانيا قد استعادت حريتها وتخلصت من الوجود العثماني سنة 1912 بقيادة أحد زعمائها المبرزين أحمد زوغو أو زوغو الأول على ما هو مدون في كتب التاريخ، وهو ينتسب إلى أسرة ألبانية عريقة اشتهرت بسعة نفوذها وشدة تأثيرها، مما جعل البلاد تنضم تحت لوائها وتنشئ لنفسها كيانا ذاتيا مستقلا ما فتئت تعرف به حتى اليوم.
وقد صدر قانون الإصلاح الزراعي سنة 1961 مع المعسكر الاشتراكي إذ عززت فيما بعد الميزان التجاري بإشراك الصين والدول الغربية فيما تتبادله من منتجات ومواد.
تشكل الزراعة 18،4 % من إنتاج البلاد وتشغل الصناعة 54 %، أما النشاطات الأخرى فقد تصل إلى 27،6 % من مجموع الإنتاج.
لقد كان من الإصلاح الزراعي الذي تقدم ذكره نقطة تحول في تاريخ هذه الأرض العزيزة، فعكف الألبانيون عن إنشاء المزارع الجماعية واستغلال بعض المعادن كالليجنيت والكروم والملح والنفط، وازدهرت في هذه الأعوام الأخيرة بعض الصناعات كالخزف في ريزنا، ويربط خط حديدي دورازو وإيلباسان.
 
تحد ألبانيا من الشمال والشرق يوغوسلافيا ومن الشرق والجنوب الشرقي اليونان. وأهم مدنها تيرانا (العاصمة- 157.000 نسمة) وقد بنيت بها جامعة يرتادها منذ إنشائها سنة 1957 كل الطبقات المؤلفة للشعب الألباني. وتتوفر البلاد أيضا على مدينتي شكودير وقالونا.

الإسلام دين السواد الأعظم:
دخلت فلول الإسلام دولة ألبانيا مع الغزو التركي سنة 1387م. بيد أن الإشعاع الإسلامي أطل على البلاد منذ القرن الثالث عشر، ورغم أن الدولة الحاكمة منذ القرن الرابع عشر كانت الدولة العثمانية المسلمة فإن الدين الحنيف لم تقم له قائمة بهذا الوطن إلا بعد أن أتم العثمانيون إخضاع مناطق كبيرة واعترفت الدوائر الرسمية بنفوذ السلطان عام 1423، بقيادة السلطان مراد الثاني، وقد ثارت ألبانيا بعد ذلك بأمد قصير فاستردت استقلالها بزعامة جورج كاستريوتا الذي اشتهر باسم "إسكندر بك" يوم اعتنق الإسلام. فلما عاجلته المنية سنة 1467 انقض العثمانيون مرة أخرى فاسترجعوا نفوذهم بعد أن توالت فتوحاتهم للمدن والقرى على السواء، فلما سقطت مدينتا كاستريوتا ثم دورا زو واستسلم أهلها عام 1501 التجأ المسيحيون من الألبان بشمال البلاد، وعاشوا متمتعين بشعورهم القومي إلى جانب إخوانهم المسلمين. وللسلطان محمد الفاتح يرجع الفضل في بناء مسجد لعسكره المسلمين في ألباسان وكان ذلك سنة 1466 ميلادية.     
ولقد كانت ألبانيا مسرحا لأحداث دامية وحروب مستمرة بين الترك والألبان، ولكن ذلك كله لم يمنع البلاد من أن تصبح ولاية إسلامية يذكر فيها اسم الله وتحيى شعائره.
وتسرب الإسلام إلى الأفئدة في بطء على يد الألبانيين أنفسهم فكانت نسبة تعداد المسيحيين للمسلمين سنة 1610 تكاد تقارب 10 إلى 1، وكان انتشار الدين المحمدي في المدن الكبيرة أكثر كما في القرى، ولعل سبب ذلك راجع إلى أن سكان المدن أكثر تكيفا وأقدر على مسايرة الأفكار الجديدة، أما أهل القرى فلهم عادات وأنماط في الحياة يعيشون عليها ولا يبتغون بها بديلا.
آثر كثير من المسيحيين الهجرة إلى البلاد المجاورة بينما تحول السواد ممن فضلوا البقاء إلى الإسلام. وبازدياد عدد السكان المسلمين حولت الكنائس إلى مساجد.
وتروي كتب التاريخ أن السر في انتشار الدين الجديد فساد المجتمع المسيحي وجهل القسيسين والوعاظ وعدم توافر الدعاة المتحمسين، ففي خلال فترة قصيرة بلغت ثلاثين سنة قيل إن حوالي 300.000 من الألبانيين تحولوا إلى الإسلام، حتى أن القرن التاسع عشر لم يشهد بناء كنيسة واحدة للمسيحيين في مدينة "إنيتفارى".
ومن الظواهر الغريبة التي عرفتها هذه التحولات العقائدية أن السواد الأعظم من المسيحيين كان في سنة 1651 مؤلفا من النساء في معظم أنحاء ألبانيا بوجه عام، فقد كان الذكور من الأهالي ارتدوا عن دينهم واعتنقوا الإسلام، وفي مطالع القرن العشرين بلغ عدد المسلمين حوالي المليون، والمسيحيون نحو 480 ألف، وكان المعروف أن جميع أهالي ألبانيا الوسطى مسلمون تقريبا.
ومن نافلة القول أن الأهالي المسيحيين يحتفظون بأكبر نسبة في ألبانيا الجنوبية ولاسيما في المقاطعات المتاخمة لليونان. والاسم الذي يطلقه الألبان دائما على أنفسهم سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين هو "سكيتار"، وإذا سئل الألباني، حتى في الوقت الحاضر، عن نفسه أجاب بأنه سكيتار قبل أن يجيب بأنه مسيحي أو مسلم، ويدل هذا على شدة شعورهم القومي.
وأكثر المسلمين، وهم من الشيعة، يعيشون في منطقة الشاطئ الأيمن "لنهر درين" الأسود، وفي تيرانا وألباسان وكورو يلتش وأشقودة وكورثة تنقسم الطوائف الإسلامية إلى بكتاشية وجولشانية وخلوتية ورفاعية. ولعل أهم هذه الطوائف الإسلامية جميعا البكتاشية، ولها أتباع وأدعياء كثيرون، فقد عرفت في القرن الثالث عشر وتسرب الانكشارية في أطراف البلاد، أما الدعوة الإسماعيلية، فلم تنتشر حتى مطالع القرن الخامس عشر، ويقدر أتباع البكتاشية بنحو مائة ألف.
يبلغ عدد المساجد في ألبانيا 34 مسجدا في ألباسان و12 في تيرانا التي تأسست بها الجماعة الإسلامية لرعاية شؤون المسلمين الدينية، وهي مؤلفة من بعض العلماء المعروفين في المحافظات المختلفة.
 
ومنذ أن خفت وطأة الحملات اللادينية شمل نشاط هذه الجماعة الكريمة عدة ميادين. وإذا كانت قد ركزت عنايتها على إصلاح شؤون الدين وتوفير الحياة الكريمة لأتباع الإسلام والعمل على إبداء محاسن الدين الإسلامي والتنويه بمزاياه، فلقد امتد نشاطها إلى الصعيد الفكري عموما فلعبت دورا هاما في إحياء الثقافة الإسلامية بإقامة المساجد في المناطق التي تمس الحاجة فيها إلى بيوت الله وتعمير ما خرب منها وتهيئة الخطباء والوعاظ والإنفاق عليهم وتشجيعهم بكافة الأسباب التي بين أيديها.
 
ومما يجدر ذكره في معرض الكلام عن إحياء الثقافة والتراث الإسلامي أنها شيدت "الثانوية الشرعية" في تيرانا، وهي مؤسسة تكفل للطالب حاجاته من مأكل ومشرب وملبس وكتاب أثناء تلقيه للعلوم الشرعية من القصائد والتفسير والحديث والفقه والعلوم العربية من البلاغة والنحو والثقافة العامة في التاريخ واللغة..
وقد توطدت وشائج الود بينها وبين الأزهر الشريف فعملت في بادئ الأمر على توجيه النابغين من المتخرجين إلى الأزهر الشريف ليستكملوا دراساتهم ويتصلوا بإخوانهم فيحصل التقارب المنشود.
 
ولقد عرفت الجماعة الإسلامية نشاطا لا تخبو جذوته على مر الأيام، فأسست مجلة إسلامية تثقيفية تصدر مرة كل شهر باسم (النداء العالي)، والملاحظ أنها غدت منبرا لإعلان حقائق الإسلام وأباطيل خصومه حسب ما اجتمع لها من إمكانيات، وهو لا يشكل إلا النزر اليسير.
 
ومن الأحداث المؤسفة في تاريخ هذا الوطن الإسلامي الكريم أن القوات الإيطالية نزلت سنة 1939 بأحد موانئ البلاد فتم لها الاحتلال، وناضل الشعب الألباني الشهم نضال الأبطال فلم يفلح في رد العدو المتلفع في صورة صديق، بيد أن الشعب المسلم لم يسكت على المحتل الكافر الذي أخذ يبث مفاسده الخلقية والفكرية في الأمة، فكان يغتال ويثور بين حين وآخر إلى أن استرجع جزءا من ترابه إبان الاحتلال الألماني ليوغوسلافيا.
ومن دواعي الأسف أيضا أن ألبانيا واحدا لم يسمح له بأداء فريضة الحج منذ عام 1938 إلى أيامنا هذه، رغم التسامح النسبي الذي يطبع الصلات الروحية في عالم اليوم.
 
ولعل مسؤولية هذه "القطيعة الروحية" ملقاة على كواهل العلماء المسلمين في البلاد العربية لتقاعسهم عن الذهاب إلى ألبانيا والاتصال بإخوانهم في الملة والدين استفهاما عن أحوال معيشتهم وظروف حياتهم، فإذا كان الشباب المسلم في ألبانيا لا يقوى على مغادرة أرض الوطن والتماس العلم في الأزهر الشريف أو القرويين مثلا لأسباب يطول شرحها، فلا أقل من أن تهتم الدوائر الإسلامية في العالم العربي بمصير الإسلام في أرض قد تبز غيرها في التشبث بتعاليمه وفروضه وشعائره، وذلك أضعف الإيمان.
 
على أن الذي يثلج الصدر أن المسلمين المغتربين لا يزدادون مع العزلة والاغتراب إلا إيمانا بدينهم وتقديسا لعقيدتهم واعتزازا بالجماعة التي ينتسبون إليها.
 
والمسلمون في هذه الديار أحفظ لمبادئ دينهم وأشد ما يكونون إخلاصا لروحه وأبعد الناس عن شوائب الفساد والضلال التي تأخذ عادة طريقها إلى المعتقدات والشرائع في غيرها من البلاد. 
 
ذلك أن الغربة تقوي في نفوسهم الشعور بالتآخي والتراحم وتشحذ قرائحهم للحفاظ على دينهم خالصا من دعاوات المضللين والمعطلين: فهم رمز الوحدة التي تشدهم إلى بعضهم وتجمع بين قاصيهم ودانيهم وتقوي ذلك الرباط المقدس التي لا تنال منه الشهوات والأغراض.
ونحن نأمل أن يكون النداء الذي نجهر به اليوم على صفحات هذه المجلة الغراء قمينا بأن يحفز علماء المسلمين وأئمتهم للعناية بإخوان لهم في الدين قضت الملابسات أن تنقطع بينهم وبين العالم الإسلامي أسباب الاتصال والتزاور لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here