islamaumaroc

القرآن الكريم بين الفهم والتفسير -1-

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 (( تنشر مجلة ( صباح الخير ) القاهرية ، حلقات متتابعة بعنوان ( التفسير العصري للقران)) بقلم الطبيب الصحفي الدكتور مصطفى محمود ، و قد فسر القران على هواه ، و جاوز المدى في شطط التاويل ، و صرف معاني الران عن صريح دلالتها الى المجاز ، في خفة زو تهاون . و مضى في بتر كلمات الله من سياقها ، و الالتواء بها لكي توافق ملتقطات له من الاسرائيليات التي ياباها النص القراني .
و يبدوا ان اكثر الشيوخ ترددوا في الجهر بصريح رايهم في هذا التفسير العصري ، خشية ان يتهموا بالرجعية و التخلف !
على ان الاستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمان ( بنت الشاطئ ) واجهت هذه البدعة بالمعروف من شجاعتها الادبية و منهاجها المستقيم ودرايتها باسرار التفسير ، فكتبت هذا المقال الذي يضع الحدود الفاصلة بين ما يباح و ما لا يباح .
القران الكريم :
يبدوا اننا في حاجة الى ان نضع الحدود الفاصلة بين ما يباح و ما لا يباح من تاويل كلمات الله في كتاب الاسلام .
بين حق كل انسان في ان يفهم القران من وجهة نظره ، و بين حرمة التفسير لا تبيحه لغير ذوي الدراية به .
بعد ان كثر الخلاف على التفسير ، و قيل فيما قيل انه مباح لكل من شاء .
و القران الكريم كتاب المسلمين جميعا ، يسمعه كل مسلم فيتمثل معانيه و مراميه على قدر استطاعته و في حدود فهمه و مستوى ادراكه . بل هو وراء ذلك كتاب الناس جميعا المتدينين و الملحدين ، حيث يجدون فيه الكلمة الاخيرة للرسالات الدينية ، و من حيث لا يعرف التاريخ كتابا مثله ، غير من حياة البشرية ووجه تاريخها . و من حق كل انسان ان يلتمس منه ما يلبي حاجته الى المعرفة ، و يقدم له عطاء الدين في ختام رسالاته .
و اذا كان المستشرقون ، من المسيحيين و اليهود و الملاحدة ، قد عكفوا على فهم هذا القران و قدموا ما يقرب من ثلاثين ترجمة لما فهموه من معانيه ، فاعطوا قومهم ضوءا كاشفا لاصل العقيدة الاسلامية ، و مناط الوحدة الجامعة لامتها في فكرها الديني و عقليتها المشتركة و مزاجها العام .
و اذا كانوا كذلك ما يزالون حتى اليوم يعكفون على دراسة كل تفسير للقران ليكشفوا فيه عن تطور الفهم الاسلامي لكتابه الاكبر ، و يرصدوا نبض الوجدان العام للامة الاسلامية على مسار الزمن و اختلاف البيئات .
فالمسلمون اولى بان يتقرر حقهم ، بل واجبهم ، في ان يفهموه على قدر استطاعتهم ، و ان يلتمسوا لديه ما يلبي شرقهم الى معرفة موقفه مما يشغلهم من قضايا الزمان .
و ليس من الضروري ان يكونوا قد تخصصوا في علوم الاسلام و اسرار لغة القران ، بل ان عامة المسلمين لهم مثل هذا الحق ، حين يصغون الى ما يتلى عليهم من ايات القران الكريم ، فيفهمها كل منهم في حدود ادراكه و معارفه (( وما كان عطاء ربك محظورا ))
و الاهتمام بفهم القران ، هو من قبيل التماس عطائه المباح لخلق الله ...
و على مدى اربعة عشر قرنا ، كان المسلمون يفهمون من كتاب دينهم ما يلبي حاجات وجودهم و مطالب حياتهم ،و منه اخذوا نور بصائرهم و دليل مسعاهم و منار مسراهم حيثما اعتكر الليل و ادلهم الظلام ...
و على طول المدى  ، كان هذا القران الذي يرهف و عيهم و يتسخ اميتهم حين كانت الامية غاشية ، و الجهل فريضة عليهم في شرعة عصور الاستعباد و الاستبداد .
و ما بين كتاب يصل الى المسلمين على اختلاف السن و البيئة و الثقافة ، كما يصل اليهم هذا الرقان و ان اعوزتهم كل وسائل التعليم ، و اعياهم ان يفكوا الخط ..
لقد كان لهم على امتداد الزمان و المكان ، المدرسة الكبرى التي يتعلمون فيها ما ينير بصائرهم و يرهف ضمائرهم ، و كان كتابهم الذي يصل اليهم في مجاهل البيد و قرى الريف و نجوع البراري النائية عن العمران ...
و بقدر ما فهموا منه ووعوا ، قاموا عوادي الضلال و الضياع .
و مهما يكن مستوى فهمهم ، فما اعوزهم ان يدركوا منه ما يحفظ عليه كرامة انسانيتهم ، و ما يرفضون به البغي و الطغيان ، و العبودية لغير خالقهم وحده .
و تتابع الاجيال ، كل جيل خلق لزمان غير زمان سلفه و خلفه ، و عطاء القران سخي غير مقطوع و لا ممنوع ...
فهم القران اذن ، مباح لابناء عصرنا و كل عصر ...
و عطاؤه غير محظور ، ياخذ منه من يشاء ما يشاء ، دون حجر او مصادرة .
و لكن الامر يختلف تماما ، اذا اختلط فهم القران بتفسيره ، فيتصور بعضهم ان اباحة فهمه لكل الناس ، متعلمين و اميين ، مؤمنين و ملحدين ، تعني اباحة تفسيره للناس ، دون قيد او شرط ...
لان التفسير توجيه للنص القراني .
و لا احد يملك ان يوحه نصا ، أي نص ، دون دراية باسرار لغته وفقه لسياقه و دلالاته .
و هذا من المسلمات البديهية في النصوص بعامة ، يفهمها من شاء كما يشاء ،لكن تفسيرها للناس و الفتيا بها مقصور على ذوي الفقه بها و الاختصاص .
و هؤلاء انفسهم يتفاتون بقدر درايتهم باسرار النص .
نحن المثقفين مثلا ، نستطيع ان نقرا أي نص قانوني ، و ان نفهمه بالقدر الذي تتيحه لنا عقليتنا و مستوى ثقافتنا ، و لكن دوائر القضاء و التشريع لا تعترف بغير ذوي الاختصاص في القانون ، و لا تجيز لاي مثقف منا ـ غير قانوني ـ ان يتصدى لافتاء الناس في هذا النص او الحكم به او الدفاع بمقتضاه ...
و لا نعلم ان العمل القضائي في أي مجال ، نيابة و محاماة و قضاء ، او صياغة و فتيا ، يباح لغير المجازين في القانون .
و يتفاوت القانونيون انفسهم ، بمقدار فقههم لاسرار نصوص القوانين ، الى المدى الذي نقتضي فيه محكمة النقض بالبراءة في قضية سبق الحكم فيها بالاعدام ، مستندة في نقض هذا الحكم الى ملحظ دقيق في نص القانون ، فات القضاة الذين نظروا في القضية من قبل و اصدروا حكمهم فيها .
و من القضايا ما يحتاج الى خبرة طبية او اقتصادية او فنية ، لا علم للقضاة بها . فيندب الخبراء لفحصها و تقديم تقاريرهم عنها ، و يظل الحكم في القضية لرجال القضاء وحدهم ، دون الخبراء من الاطباء او المحاسبين او غيرهم ...
و الامر ادق من هذا في القران الكريم : من حيث لا تصح قراءته ابتداء ، لمن يتصدى لتلاوته او تفسيره ، من المصحف مباشرة ، دون التلقن من شيوخ القراءة .
لان القراءة في المصحف ، غير متروكة للاجتهاد كما يتصور عامة المثقفين . و انما هي علم دقيق صعب له قواعده في الضبط و الاداء . و المعنى يختل تماما ، لا بخطا في الضبط الاعرابي فحسب، بل بالوقف حيث ينبغي الوصل ، و بالوصل حيث ينبغي الوقف . و قد يضيع سر التعبير بالتفخيم او الاشباع و المد ، في غير مواضعه .
من هنا كان الحظر التقليدي على طلاب حفظ القران : (( ان ياخذوه من مصحفي )) بمعنى النهي عن اخذ القران ممن قراه في المصحف ، و لم يتلقه تلقينا بالسماع من فقهاء القراءة ، فيغيب عنه وجه الصواب في التلاوة و الاداء .
و لا احد يحجر على أي انسان ان يقرا القران من المصحف ، و لكن الحجر ان يتصدى بهذه القراءة المصحفية ، لتلاوته في الناس ، فضلا عن ان يتصدى لتفسيره و تاويل كلماته .
و قد نعلم ان وزارة الاوقاف لا تبيح لقارئ مصحفي ، ان يتلو القران على الناس في مسجد او مكتب لتحفيظ القران ، فكيف بالتفسير لمن لم يصح قراءته ! فيسوق الايات في مقالاته سردا بغير فواصل ضابطة للسياق محددة للمعنى !!
و اخرى من وجوه الدقة في النص القراني ، ان الكلمة لا تعطي دلالتها القرانية ، بمجرد الرجوع الى دلالتها المعجمية التي تتسع لمعان عدة للكلمة الواحدة ، منها ما يقبله النص ، و معروف لدارسي اللغة ، ان دلالات الالفاظ تختلف من عصر الى عصر ، و في بيئة عن اخرى ، و لا وجه لان نحمل كلمة في النص دلالة  لا يعرفها عصره و لا مجتمعه . و الا جاز لنا مثلا ان نفسر لفظ (( القرية )) في القران بدلالة عصرية على ابسط وحدة في التقسيم الاداري للمحافظات و المراكز و القرى و ان نفسر (( ساعة )) في قوله تعالى : (( يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة )) بدلالتها الاصطلاحية على ستين دقيقة من الزمن ، و ان نفهم كل الاعداد في القران ، بدلالتها الرقمية المحددة في علم الحساب ، فتكون ليلة القدر خيرا من الف شهر على التحديد ، لا تزيد عليها شهرا او بعض شهر . و يكون للمصطفى ان يستغفر احدى و سبعين مرة لمن نزلت فيهم اية التوبة ، خطابا له عليه الصلاة و السلام:
 (( استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم )).
و من المثقفين العصريين من لا يرى باسا في ان يفسر لفظ (( يعشوا )) بلفظ (( ينصرف )) في اية الزخرف :
(( و من يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين ))
حين نرى فرقا بعيدا اقصى البعد ، بين الاعشى و المنصرف !
و يتصور بعضنا ان صرف الكلمات الى دلالات مجازية ، مباح على اطلاقه . حين يقرر علماء النصوص ان ذلك مقيد بشرط وجود القرينة الدالة على قصد العدول عن صريح المعاني الحقيقية الى المعاني المجازية !
                                                     ***
 و ثالثة من وجود الدقة في النص القراني ، هي استحالة تفسير صيغة من صيغه او عبارة من عباراته ، و مبتورة من سياقها الخاص في الاية و السورة ، و من سياقها العام في المصحف كله و اخطر ما يقع فيه العصريون ، ان يستشهدوا ببعض اية ، مبتورة من سياقها ، لياخذوا منها الشاهد و الدليل . و قد يحملون ايتين على معنى واحد ، و يستشهدون بهما على امر بعينه ، و تكون احداهما في سياق الحديث عن ثبات السنن الكونية في الدنيا ، و الاخرى في سياق نقض هذه السنن يوم القيامة ! كما قد تكون احداهما حكاية لقول الكفار او عن امم خلت ، و تكون الاخرى للمصطفى صلى الله عليه و سلم و الذين امنوا معه !
و اقرب ما قرات من ذلك في تفسير عصري ، صرف قوله تعالى : (( و ما يعلم تاويله الا الله)) الى القران كله ، و نعلم من صريح سياقها انها للمتشابه منه فحسب !
و يغيب عنهم كذلك ، و هم في سياق التفسير لايات قرانية في موضوع ما ، ان ترتيب السور في المصحف ليس ترتيب النزول ، فيتورط بعضهم في القول بان اية ما نزلت في كذا ، ثم نزلت فيه اية بعدها ، و تكون الاية التالية ، سابقة على الاولى في النزول
ورابعة من دقة النص القراني ، تتصل بما يبيح العصريون لانفسهم من و صف الله تعالى بما يصف به نفسه ، فيقول بعضهم مثلا : المهندس الاعظم للكون ، و المدبر العبقري لنظامه ...
حين نتعلم من مبادئ علم اصول الدين ، انه (( لا يجوز ان يوصف الله سبحانه بغير ما وصف به نفسه )) فاذا جاء في القران الكريم انه تعالى : الغني ، و العليم ، و العلي ... لم يجز لنا ان نقول مثلا : الثري و المليونير ، او الاستاذ و الدكتور و العلامة و العبقري ، او المرتفع و الرفيع !
و اذا قال تعالى انه (( ذو العرش المجيد )) لم يجز لنا ان نضيف اليه التاج و الصولجان ، و يقول سبحانه : (( يد الله فوق ايديهم  )) فلا يجوز لنا ان نقيس عليه فنقول مثلا  مثلا  ذراع الله مع اذرعهم او فوقها !
و هذا ما يغيب عن اكثر من يتصدون من العصريين للكتابة في القران و الاسلام ، فتجري اقلامهم بالفاظ و صفات لله تعالى ، ينبو عليه الحس القراني ، فضلا عن عدم جوازها بتاتا في علم الاصول .
و شبيه بهذا ، ما تورط فيه الصديق الشاعر (( نزار قباني )) حين بدا له ان يكتب احدى قصار السور القرانية على نسق الشعر .
و فاته ان القران قد اصر على نفي وصفه بالشعر ، ردا على زعم المشركين ان محمدا شاعرا، و ان للقران شعر ، و نحن نتلو من اياته المحكمات :
و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له ، ان هو الا ذكر و قران مبين  ))
(( فلا اقسم بما تبصرون ، و ما لا تبصرون ، انه لقول رسول كريم ، و ما هو بقول شاعر ، قليلا ما تؤمنون ، و لا بقول كاهن ، قليلا ما تذكرون ، تنزيل رب العالمين )) .
                                                     ***
و اخطر من هذا كله ، ان يتطوع المفسر العصري فيفسر كتاب الاسلام بنصوص من الاسرائيليات، بعد ان جاهد علماؤنا جهادا مضنيا لتحرير فهمنا الديني من العناصر الاسرائيليات التي دسها يهود اسلموا في عصر صدر الاسلام ، و حرصوا على توجيه الفهم الاسلامي للقران ، بمروياتهم  الاسرائيلية ، حين تعذر عليهم ان يحرفوه كما حرفوا التوراة :
من هنا كان التصدي لتفسير القران ، مسالة اخرى تختلف تماما عن تقديم محاولات جديدة لفهمه .
الفهم مباح ، اما التفسير فله حرمته التي تفرض بعلوم ابتداء ، ادق الدراية باسرار لغته و بيانه، و الفقه بعلوم القران و اصول الدين .
 و متى تميزت كل محاولة جادة لفهم الرقان بعقلية العصر ، لانها تعطينا صورة من الفكر الديني لبعض ابناء هذا الزمان ، و لعلها تجدي على المتخصصين منا في دراسة النص القراني ، فيما يحتاجون اليه من فهم لمسائل من دقائق العمليات ، و اشهد لقد افدت كثيرا مما كتبه استاذنا العالم المفكر  (( الدكتور محمد كامل حسين  )) في خلق ادم  ، و ما قدمه الطبيب الحاكم  الدكتور زكريا كمال )) من فهمه لايات قرانية تتصل بتخصصه في الطب .
كما اتقبل بكل ارتياح ، ملهمات الاشراق الصوفي فيما تكشف من حجب الكثافة المادية التي تغل التامل ـ و ما تقدم لنا من عطاء ، بحسها المرهف ورؤيتها الصافية ، و نفاذها الى اللباب و الجوهر، وراء الصور و الاشكال و الالفاظ .
من غير ان يتشابه الامر علينا فنخلط بين هذا الفهم الصوفي او العلمي للقران و بين تفسيره المنهجي الذي يخضع لادق الضوابط في تحديد دلالة الفاظه و توجيه سياقه و تدبر اسرار بيانه المعجز.
و دون ان نخشى كذلك ، على القران الكريم مما يتورط فيه بعض العصريين من فهم القران بنصوص من الاسرائيليات ، او من شطط التاويل او اعتساف الملحظ او بتر السياق او صخب الاعلان ، فلن يكون شيء من هذا اقسى مما تعرض له فهم القران الكريم على المدى الطويل ، من مدسوسات الاسرائيليات و مقتحمات المذهبيات و شطط ادنى تحريف ، موثقا لا ترقى اليه شبهة من شك ، مبينا تحتكم اليه حينما تشابهت السبل و المذاهب و اختلطت المسالك و الدروب !
و صدق الله تعالى :
(( انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون ))

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here