islamaumaroc

كيف نعظم النبي صلى الله عليه وسلم ونقيم البرهان على محبته التي بها سعادتنا

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 اعلموا ايها الاخوان المكرمون ، ان محبة رسول  الله صلى الله عليه و سلم الشرعية هي روح الاسلام و بها سعادة المسلمين ، منفردين و مجتمعين ، و انما قيدناها بالشرعية لانها اذا لم تكن كذلك لا تضمن السعادة لصاحبها و لا النجاة من عذاب الله تعالى ، و اليكم البرهان :
قال الله تعالى في سورة القصص : ( انك لا تهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و هو اعلم بالمهتدين 56)
 قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الاية ما نصه . يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم ( انك لا تهتدي من احببت ) ( أي ليس اليك ذلك ، انما عليك البلاغ و الله يهدي من يشاء و له الحكمة البالغة و الحجة الدامغة ، كما قال تعالى ( ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء ) وقال تعالى ( و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين ) ، و هذه الاية اخص من هذا كله فانه قال ( انك لا تهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و هو اعلم بالمهتدين ) أي هو اعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية ،و قد ثبت في الصحيحين انها في ابي طالب عم الرسول صلى الله عليه و سلم ، و قد كان يحوطه و ينصره و يقوم في صفه و يحبه حبا شديدا ، طبيعيا لا شرعيا ، فلما حضرته الوفاة، و حان اجله ، دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، الى الايمان و الدخول في الاسلام ، فسبق القدر فيه، و اختطف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ، و لله الحكمة التامة ، قال الزهري : (( حدثني  سعيد ابن المسيب عن ابيه و هو المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه قال : لما حضرت ابا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجد عنده ابا جهل ابن هشام و عبد الله لن ابي امية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يا عم قل لا اله الا الله كلمة احاج لك بها عند الله )) فقال ابو جهل و عبد الله بن ابي امية يا ابا طالب اترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرضها عليه و يعودان له بتلك المقالة حتى كان اخر ما قال عو على ملة عبد المطلب ، و ابى ان يقول لا اله الا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( و الله لاستغفرن لك ما لم انه عنك ) فانزل الله تعالى : (( ما كان للنبي و الذين لمنوا ان يستغفروا للمشركين و لو كانوا اولى قربى ) و انزل في ابي طالب ( انك لا تهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء )، اخرجاه من حديث الزهري ، و هكذا رواه مسلم في صحيحه و الترمذي من حيث يزيد ابن كيسان بن ابي حازم عن ابي هريرة قال لما حضرت و فاة ابي طالب اتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( يا عماه قل لا اله الا الله اشهد لك بها يوم القيامة ) فقال لولا ان تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه الا جزع الموت لا قررت بها عينك لا اقولها الا اقر بها عينك فانزل الله تعالى ( انك لا تهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و هو اعلم بالمهتدين ) و قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه الا من حديث يزيد ابن كيسان ، رواه الامام احمد ، عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان حدثني ابو حازم عن ابي هريرة فذكره بنحوه ، و هكذا قال ابن عباس و ابن عمر و مجاهد و الشعبي و قتادة انها نزلت في ابي طالب حين عرض عليه الرسول صلى الله عليه و سلم ، ان يقول لا اله الا الله فابى عليه ذلك ، و قال أي ابن اخي ملة الاشياخ ، و كان اخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب ، و قال ابن ابي حاتم حدثنا ابي حدثنا ابو سلمة حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم ، عن سعيد بن ابي راشد ، قال كان رسول قيصر جاء الى قال كتب معي قيصر االى رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابا فاتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره ، ثم قال: (( ممن الرجل ))؟
قلت من تتوخ ، قال : ( هل لك في دين ابيك ابراهيم الحنيفية ) قلت اني رسول قوم و على دينهم حتى ارجع اليهم ، فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم و نظر الى اصحابه ، و قال : (( انك لا تهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء )).

توضيح كلام الحافظ ابن كثير
1 ـ قوله : و يحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا ، يعني ان ابا طالب كان يحب النبي صلى الله عليه و سلم حبا شديدا طبيعيا بداع القرابة ، لا شرعيا بداع الايمان ، و من تم نعرف ان المحبة نوعان : محبة طبعية ، جبل عليها الانسان ، كما يحب الرجل والديه ، و بنيه و زوجته و ذوي قرباه ، و من يالفه من غيرهم و كما يحب المشتهيات و المستطلبات و المستحسنات ، من كل ما تميل اليه نفسه و يتعلق اليه قلبه ، و هذا الحب اذا كان للنبي صلى الله عليه و سلم ، او للمؤمنين لا يغني عن صاحبه شيئا فلا ينجيه من عذاب الله و لا يوجب له غفران الذنوب دخول الجنة ، لان الأعمال بالنيات ، و لان الحب لا يكون له ثواب عند الله الا اذا كان لله و لا يكون لله الا اذا اصدر من مومن بالله ورسوله ، يحب لله و يبغض لله و يوالي لله و يعادي لله ، يشهد لذلك ما اخرجه الشيخان و غيرهما ، عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : (( ثلاث منكن فيه وجد حلاوة الايمان ان يكون الله و رسوله احب اليه مما سواهما ، و ان يحب المرء لا يحبه الا لله ، و ان يكره ان يعود في الكفر كما يكره ان يقذف في النار ) فصرح النبي صلى الله عليه و سلم بان المرء انما يجد حلاوة الايمان اذا احب لله لا لغرض اخر .
 و النوع الثاني ، الحب لله و هذا هو الذي ينفع صاحبه و يرفعه و ينجيه من العذاب ، و يوجب محبة الله له ، و دليل هذا الحب طاعة الله و اتباع رسوله صلى الله عليه و سلم و ترك المعاصي و البدع لان من ادعى محبة محبوب ... و اكثر كمن معصيته و اصر عليها ، يكون كاذبا في دعواه .
                           كل من يدعي بما ليس فيه 
                                            فضحتـه شواهـد الامتحـان
و قال اخر:
                           تعصى الرسول و انت تظهر حبه 
                                             هذا محال في القياس بديع
                           لو كان حبك صادقا لاطعته 
                                             ان المحب لمن يحب مطيع
و بعضهم ينشده تعصى الاله الخ... و كلاهما صحيح .
قال الحافظ في الفتح و اخرجه النسائي من طريق طلق بن حبيب عن انس وزاد في الخصلة الثانية ذكر البغض في الله و لفظه ، ( و ان يحب في الله و يبغض في الله ) .
قال الحافظ في الفتح و شاهد هذا الحديث في القران قوله تعالى : (( قل ان كان اباؤكم و ابناؤكم ) الى ان قال ( احب اليكم من الله و رسوله ) ثم هدد على ذلك و توعد بقوله : (( فتربصوا)اهـ .
يعني الحافظ اية التوبة 24 ـ ( قل ان كان اباؤكم و ابناؤكم و اخواتكم و ازواجكم و عشيرتكم و اموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها احب اليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى ياتي الله بامره و الله لا يهدي القوم الفاسقين ).
و هذه هي المحبوبات الثمانية التي فتنت كثيرا من الناس و الهتهم عن ذكر الله ، و صرفتهم عن طاعة الله ورسوله لانهما حبوها كلها او بعضها اكثر من محبة الله و رسوله فلما تعارضت لهم محبتها مع محبة الله ورسوله ، رجحوا محبتها ، على محبة الله و رسوله ، فعصوا الله و رسوله او كفروا به فخابوا و خسروا و الازواج جمع زوج و هي امراة الرجل و الافصح فيها زوج بدون تاء التانيث ، و العشيرة هي القبيلة التي ينتسب اليها المحب . و الاموال المقترفة ، المكتسبة يحبها الانسان اكثر من محبة الله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم ، و تجارة تخشون كسادها ، أي تخافون
من الاروقة الحديثة في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة حيث ادت اعمال التوسعة التي قامت بها الحكومة السعودية الى زيادة مساحته من 6024 مترا الى 16326 مترا مربعا .
ان صدقتم في حب الله و رسوله و فضلتموه على كل محبوب الا تربحوا في تجارتكم ، بل تصاب تجارتكم بالكساد ، أي عدم الرواج ، و مساكن ترضونها جمع مسكن و هو القصر او البيت ، يخاف ضعيف المحبة اذا فضل حب الله ورسوله على كل محبوب ان يخرج من بيته الذي يحب السكنى فيه، او يخاف ان ينفى من وطنه الذي الفه و احبه و لا يبغي به بديلا ، كما قال الشاعر :
                              و لي وطن اليـت الا ابيعــه 
                                                و الا غيري له الدهر مالكـا 
                              و حبب اوطان الرجال اليهم 
                                                مارب قضاها الشباب هنالكا
و قال اخر :
                              احب بلاد الله ما بين منعج
                                             الي و سلمى ان يصوب سحابها
                              بلاد بها حل الشباب تمائمي 
                                              و اول ارض مس جلدي ترابـها
فالمؤمن الصادق ، اذا راى ان وطنه المحبوب سيحول بينه و بين كمال محبة الله و رسوله يهجره لله كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و المهاجرون من اصحابه  ، و معنى قوله احب بلاد الله الخ... هكذا ، احب بلاد الله الى الارض الواقعة بين منعج و سلمى ، و هما موضعان في شمال جزيرة العرب في بلاد طيء يعني احب بلاد الله الى ان ينزل فيها المطر ، هذه الارض و العرب تدعوا بالمطر و السقي لكل ارض تحبها و لكل شخص تحبه لقلة المطر بارضهم و محبتهم له . فان قلت ايها الكاتب قد خرجت عن الموضوع و اكثرت من الاستطراد ، و صار قارئك ينشد :
                              تكاثرت الظباء على خراش 
                                                فما يدري خراش ما يصيد
قلت هذا مذهبي ، و للناس فيما يعشقون مذاهب و انما افعل ذلك ليسهل على القراء الضعفاء فهم كلامي .
ووجه كون الاية تشهد للحديث ، ان الحديث دل على ان من فضل حب الله ورسوله على حب غيرهما يكون قد ذاق حلاوة الايمان ، و دلت الاية على ان من فضل شيئا من تلك المحبوبات على محبة الله ورسوله فلينتظر عذاب الله .
2 ـ قول ابي طالب ( ملة الاشياخ ) يعني لا استطيع ان اترك دين ابائي و هم رؤساء قريش و اشياخها و ادخل في دين جديد ، و هذه احد المحبوبات الثمانية السالفة الذكر فان ابا طالب ، شق عليه ان يترك دين ابائه ، و كان حبهم في قلبه اعظم من حب الله و رسوله ، فمن سلم من شر هذه المحبوبات ادرك ما امل ، و نجا مما خاف فان معظم الضالين المعرضين عن الحق ، المؤثرين للحياة الدنيا ، انما جاءهم البلاء من هذه الثمانية او بعضها . فنسال الله سبحانه و تعالى ان يجعل حبه و حب رسوله صلى الله عليه و سلم في قلوبنا اعظم من حب ما سواهما .
3 ـ تنوخ قبيلة من نصارى العرب ، و قد اسلموا بعد ذلك ، و كان منهم علماء بارعون في فنون مختلفة من العلم ، و الذي صد رسول قيصر التنوخي عن قبول ما عرضه عليه النبي صلى الله عليه و سلم من الاسلام هو ايضا احد الثمانية  و هو العشيرة فانه قال اني رسول قوم و انا منهم ، و تامل ترغيب رسول الله صلى الله عليه و سلم . لهذا العربي النصراني في الاسلام بقوله عليه الصلاة و السلام ( هل لك في دين ابيك ابراهيم الحنيفية ) و قال تعالى في سورة ال عمران 21 ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم ) .
( قل اطيعوا الله و الرسول ، فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين ).
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الاية الكريمة ، هذه الاية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله و ليس هو على الطريقة المحمدية فانه كاذب في دعواه في نفس الامر حتى يتبع الشرع المحمدي و الدين النبوي جميع اقواله و افعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال : ( من عمل عملا صالحا ليس عليه امرنا فهو رد ) و لهذا قال ( ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) أي يحصل لكم ما طلبتم من محبتكم اياه و هو محبته اياكم و هو اعظم من الاول كما قال بعض العلماء و الحكماء ليس الشان ان تحب انما الشان ان تحب .
و قال الحسن البصري و غيره من السلف زعم قوم انهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الاية  فقال : ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ثم قال : ( و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم ) أي باتباعكم الرسول صلى الله عليه و سلم يحصل لكم هذا من بركة سفارته ، ثم قال تعالى امرا لكل احد من خاص و عام : ( قل اطيعوا الله و الرسول فان تولوا ) أي تخالفوا عن امره فان الله لا يحب الكافرين، فدل على ان مخالفته في الطريقة كفر و الله لا يحب من اتصف بذلك ، و ان ادعى وزعم في نفسه انه محب لله و يقرب اليه حتى يتبع الرسول النبي الامي خاتم الرسل رسول الله الى جميع الثقلين الجن و الانس ، الذي لو كان الانبياء بل المرسلون  بل اولوا العزم منهم في زمانه و سعهم الا اتباعه و ادخول في طاعته ، و اتباع شريعته .
  قول الحافظ ابن كثير كما ثبت في الصحيح ، يريد به صحيح مسلم ، و معناه ان من عمل عملا من صلاة و صيام ، و زكاة و حج و عمرة و جهاد ، و امر بمعروف و نهي عن منكر ، و ذكر لله تعالى و دعاء و ابتهال و تضرع و بيع و شراء و اكتساب و نكاح و طلاق ، الى غير ذلك من امور ، و كان في ذلك مخالفا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم مخالفة سياسية ، كمن يتقرب الى الله تعالى ، بقرع الطبول ، و الغناء نع الات اللهو و الرقص ، و اكل الثيران و شرب الماء الساخن ، و ما اشبه ذلك ، من البدع الحقيقية التي لم يشرعها الله البتة ، او عمل عملا شرعه الله، و لكنه زاد فيه المبتدع او نقص منه او قيده بوقت او هيئة او عدد ، من البدع الاضافية ، كالاجتماع للذكر بلسان واحد ، في وقت معين ، بعدد معين ، و هيئة معينة فان هذا من البدع الاضافية، فهو بذلك عمل لم يكن عليه امر النبي صلى الله عليه و سلم ، و قد حقق الامام ابو اسحاق الشابطي في الاعتصام ، هذا المقصد ، و اخرج البخاري و مسلم عن عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أي لا يقبله الله تعالى .
 و قال تعالى في سورة ال عمران ايضا رقم 81 ( و اذ اخذ الله ميثاق النبيئين لما اتيناكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه ، قال ااقررتم و اخذتم على ذلكم اصري قالوا اقررنا ، قال فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين ، فمن تولى بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون).
 قال الحافظ ابن كثير ، بخبر الله تعالى انه اخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن ادم عليه السلام الى عيسى عليه السلام لمهما اتى الله احدهم من كتاب و حكمة و بلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به و لينصرنه و لا يمنعه ما هو فيه من العلم و النبوة من اتباع من بعث بعده .
و لهذا قال تعالى و تقدس : ( و اذ اخذ الله ميثاق النبيئين لما اتيناكم من كتاب و حكمة ) أي لمهما اعطيتكم من كتاب ، ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه ، قال ااقررتم و اخذتم على ذلك اصري ) و قال ابن عباس و مجاهد و الربيع بن انس و قتادة و السدى يعني عهدي .
و قال محمد بن اسحاق ( اصري ) أي ثقل ما حملتم من عهدي أي ميثاقي الشديد المؤكد ، ( قالوا اقررنا قال فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين ، فمن تولى بعد ذلك ) أي عن هذا الميثاق ( فاولئك هم الفاسقون ) قال علي بن ابي طالب ، و ابن عمه العباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا من الانبياء الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه و امره ان ياخذ ميثاق على امته لئن بعث محمد و هم احياء ليؤمنن به و لينصرنه . ثم قال ، و قال الامام احمد بسنده الى عبد الله بن ثابت قال جاء عمر النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله اني مررت بيهودي من قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة الا اعرضها عليك ؟ قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال عبد الله  بن ثابت ، قلت له الا ترى ما يوجه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر . رضيت بالله ربا و بالاسلام دينا و بمحمد رسولا ، قال فسرى عن النبي صلى الله عليه وس لم و قال :
( و الذي نفسي بيده ، لو اصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه و تركتموني لضللتم ، انكم حظي من الامم ، و انا حظكم من النبيئين )اه.
و قال البزار بسنده الى جابر ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا تسالوا اهل الكتاب عن شيء فانهم لن يهدوكم و قد ضلوا ، و انكم اما ان تصدقوا بباطل و اما ان تكذبوا بحق ، و انه و الله لو كان موسى حيا بين اظهركم ، ما حل له الا ان يتبعني )اهـ .
و معنى الاية وما جاء من الاخبار في تفسيرها ، ان محبة النبي صلى الله عليه وس لم فرض على جميع الناس و كذلك اتباعه و عدم مخالفته فرض على جميع الناس حتى على الانبياء المرسلين لو جاءوا بعد بعثته ، ثم يسعهم الا اتباع سنته و الاهتداء بهديه و لا يجوز لهم ان يعملوا بشرائعهم المخالفة لشريعته لان شريعته عليه الصلاة و السلام نسخت الشرائع كلها ، قال العلماء المحققون اذا كان الانبياء و المرسلون مع انهم معصومون و قد نزل عليهم الوحي لو جاءوا بعد بعثة النبي محمد(ص) ما جاز لهم ان يخالفوا شريعته ، فكيف بعلماء امته ؟ الذين هم غير معصومين  و لم ينزل عليهم وحي ، كيف يجوز لهم ان يعتمدوا على رايهم المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم او كيف يجوز لمقلديهم ان يتركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم و يعتمدوا على اراء من قلدوه و هم لا يعرفون دليله ، و يعتقدون انه غير معصوم يصيب و يخطئ و هم لا يميزون بين خطئه و صوابه ، لانهم اسارى التقليد ، و عقولهم معقولة بعقاله فهم اجدر ، ان يكونوا على ضلال اذا خالفوا ما جاء به الله ورسوله . و اذا كان اهل هذه الامة المحمدية التي هي خير الامم لو جاءهم رسول من الرسل السابقين واتبعوه و تركوا هدي رسولهم محمد صلى الله عليه و سلم ، لضلوا ضلالا بعيدا ، فكيف اذا اتبعوا راي من ليس بنبي و لا رسول ، و تركوا حديث الرسول صلى الله عليه و سلم .

و الخلاصة :
ان محبتنا لمحمد رسول الله صلى الله عليه و سلم هي الكنز الاعظم الذي حافظنا عليه ادركنا السعادة في الدارين ، و حلت جميع مشاكلنا ، و فرجت جميع كربنا ، و فزنا فوزا عظيما ، و لا تتم لنا هذه المحبة الا باتباع سنته و ترك ما نهى عنه من البدع و المعاصي ، و المؤمن الصادق في محبته يجعل ذكرى الرسول صلى الله عليه و سلم نصب عينيه في حياته كلها لا يغفل عنه ابدا و بذلك يهتدي بهديه و يقتدي بسنته في ما ياتي و يذر من الاقوال و الافعال في خاصة نفسه و في ما بينه و بين اهله و عشيرته و في ما بينه و بين الناس جميعا خاصتهم و عامتهم و بذلك فقط يقيم البرهان على انه محب صادق ، و ينال ثمرة المحبة المصاحبة للاتباع ، و من اقتصر على ذكر مولد النبي صلى الله عليه و سلم ، و سيرته السامية التي هي حياة ارواح المؤمنين الصادقين في يوم واحد من بين ثمانمائة و اربعة و خمسين يوما ، و هي ايام السنة العربية القمرية ، فانه بعيد لعمر الله عن توفية  حقوق محبة الرسول صلى الله عليه و سلم ، هذا اذا ذكر المولد ، ذكرا سنيا ، مطابقا لما كان عليه اصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم و التابعون من الائمة المجتهدون ، و من اتبعهم باحسان ، فاما اذا كانت الذكرى بانشاذ الاغاني و توزيع الحلو و احراق الشموع المصنوعة بالمسك و العنبر ، و عود الطيب و الانوار الكهربائية الملونة في هذا الزمان و انشاد القصائد و القاء الخطب ، دون احياء سنة و لا امانة بدعة ، و لا اقامة  شريعة ، فان فاعل ذلك ابعد من ان يؤدي شيئا من حقوق المصطفى صلى الله عليه و سلم.

خاتمة  :
رايت ان اختم هذا المقال الذي كتبته نصيحة خالصة للشعب المغربي عامة و لجلالة ملكه المحبوب ابي محمد الحسن الثاني اطال الله بقاءه و ايده بنصره و بالمؤمنين ، ووفقه لاحياء سنة جده المصطفى صلى الله عليه و سلم و اقامة شريعته ، و ما اجدره بذلك ان ثم هو بعد ذلك نصيحة لجميع المسلمين ، اردت ان اختمه بنقل كلام امامين من ائمة اهل السنة ، في حكم الاحتفال بالمولد
كلام الامام ابي عبد الله محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج المتوفى بالقاهرة سنة 732 عن بضع و 80 سنة .
قال في المدخل ج 2 ص 2 ما نصه : و من جملة ما احدثوه من البدع مع اعتقادهم ان ذلك من اكبر العبادات و اظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الاول من المولد و قد احتوى على بدع و محرمات جملة ، فمن ذلك استعمالهم المغاني و معهم الات الطرب من الطار المصرصر و الشبابة ( العوادة باللغة المغربية ) و غير ذلك مما جعلوه الة للسماع ، و مضوا في ذلك على العوائد الذميمة ، في كونهم يشتغلون في اكثر الازمنة التي فضلها الله تعالى و عظمها ببدع و محرمات ، و لا شك ان السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه ، فكيف به اذا انضم الى فضيلة هذا الشهر العظيم ، الذي فضله الله تعالى ، و فضلنا فيه بهذا النبي الكريم على  ربه عز وجل اهـ .
و قد اطال رحمه الله في ذلك فنكتفي بهذا القدر .
كلام شيخ الاسلام احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني المتوفى سنة 728
قال في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم ، مخالفة اصحاب الجحيم ما نصه :
 و كذلك ما يحدثه بعض الناس اما مضاهاة  للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، و اما محبة للنبي صلى الله عليه و سلم و تعظيما له ، و الله قد يثيبهم على هذه المحبة و الاجتهاد لا على البدع ، من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه و سلم ، عيدا ، مع اختلاف الناس في مولده ، فان هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له ، و عدم المانع منه و لو كان هذا خيرا محضا ، او راجحا لكان السلف رضي الله عنهم احق به منا فانهم كانوا اشد محبة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و تعظيما له منا ، و هم على الخير احرص ، و انما كمال محبته و تعظيمه في متابعته و طاعته و اتباع امره ، و احياء سنته باطنا و ظاهرا ، و نشر ما بعث به ، و الجهاد على ذلك بالقلب و اليد و اللسان فان هذه هي طريقة  السابقين الاولين ، من المهاجرين و الانصار الذين اتبعوهم باحسان ، و اكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على امثال هذه البدع  مع ما لهم فيها من حسن القصد و الاجتهاد الذي يرجي لهم بالمثوبة ، تجدونهم فاترين في امر الرسول عما امروا بالنشاط فيه ، و انما هم بمنزلة من يحلى المصحف و لا يقرا فيه ، او يقرا فيه و لا  يتبعه ، و بمنزلة من يخزف المسجد و لا يصلي فيه او يصلي فيه قليلا ، و بمنزلة من يتخذ المسابح و السجادات المزخرفة الظاهرة التي لم تشرع و يصحبها من الرياء و الكبر و الاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها ، كما جاء في الحديث ( ما ساء عمل امة قط الا زخرفوا مساجدهم )هـ .
توضيح لكلام هذا الامام قوله و الله قد يثيبهم على هذه المحبة و الاجتهاد لا على البدع ، ظاهرة فيه اشكال ، لان الثواب على المحبة واضح ، اما الاجتهاد المفضي الى احداث البدع ، ففي ثوب الثواب من اجله نظر ، لان وجوب الاتباع و ترك الابتداع ، مع العلم بكمال الدين قبل وفاة النبي صلى الله عليه و سلم و نصيحته لامته و حرصه على ما يقربهم الى الله ، ثم كون اصحابه خير الناس من بعده ، و خير الناس من بعدهم التابعون ، و خيرهم من بعدهم تابعوا التابعين و لو كان في اقامة المولد خير ، لسبقونا اليه، يمنع حصول الاجر ، للمجتهد اجتهادا ، يفضي الى البدعة لانه مبني على المخالفة للنصوص لا على اساس مشروع . يوضح  ذلك ان الشيخ رحمه الله صرح بالبدعة لا ثواب عليها سواء اكانت بدعة المولد او غيرها .. اذا ، يكون المراد ان محبة النبي صلى الله عليه و سلم و الاجتهاد في تعظيمه فيهما ثواب عظيم فاذا أفضى الاجتهاد الى احداث بدعة المولد ، و ما اشبهه فليكف المجتهد ، و ليحذر من ارتكاب البدعة ، فليس فيها الا الاثم ، قال الشاطبي في الاعتصام قال مالك رحمه الله من ابتدع في الاسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم ان محمدا صلى الله عليه و سلم خان الرسالة لان الله يقول : (اليوم اكملت لكم دينكم ) و ما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا .
قال محمد تقي الدين ، و هذه قاعدة عظيمة استنبطها مالك رحمه الله من كتاب الله تعالى ، لو سار عليها المسلمون لكانوا على صراط مستقيم ، خصوصا في هذا الزمان ، الذي كثرت فيه الفتن و قبض فيه العلم بقبض العلماء فلم يبق منهم الا قليل ، ثلة من الأولين و ثلة من الاخرين . و لذلك اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم ، و لا نجاة لخاصة ، و لا عامة ، الا بالاعتصام بكتاب الله، و سنة رسوله الكريم ، عليه من الله أفضل الصلاة و أزكى التسليم .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here