islamaumaroc

الموارد المالية في دولة الإسلام -4-

  محمد الطنجي

17 العدد

تكلمنا في الأحاديث السابقة على كيفية تحصيل موارد لخزينة الدولة العامة طبق التشريع الإسلامي لتقوم الخزينة بمصالح ضرورية لحياة اجتماعية يقرها الإسلام، وقلنا إنه لا يوجد مانع يمنع الحاكم المسلم من فرض ضرائب تلك المصالح المشروعة المشتركة على جميع المنتفعين بها.
كما تكلمنا على جباية الزكاة من الأموال وجلبنا أقوال أئمة يقولون بوجوب الزكاة في المال وقت استفادته من غير اشتراط مرور الحول عليه لأن ذلك لم يرد به كتاب الله ولا ثبت في سنة صحيحة ونقلنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية تجب الزكاة في جميع أصناف الأجرة المقبوضة
كما تكلمنا على زكاة ما تنبته الأرض وعلى أخذ أبي حنيفة بعموم حديث فيما سقت السماء العشر ونقلنا مذهب أهل الظاهر الذين يعملون بحديث الخمسة أوسق فيما يكال ويدخر من الحبوب ويعملون بحديث فيما سقت السماء العشر فيما عدا ذلك، فيقولون بالزكاة في قليله وكثيره مع من يقول بمذهب أبي حنيفة من الصحابة وغيرهم وقد حكى القاضي عياض من المالكية عن داود أن كل ما يدخل فيه الكيل يراعي فيه النصاب وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو نوع من الجمع بين الحديثين المذكورين، وقال ابن العربي أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم، نقله في فتح الباري. وكان مما يناسب موضوعنا أن نتكلم عن الثروات الطبيعية من المعادن والغابات وغير ذلك، حيث أن بعض الأئمة يرى في المعادن الزكاة وبعضهم يرى فيها الخمس، بينما نص الإمام مالك على أن النظر للإمام أي لأمير المؤمنين في معادن أرض المغرب، فاستدل بذلك بعض الفقهاء على أن أرض المغرب فتحت عنوة، وحيث اختلف الأئمة هل تخمس المعادن أو تزكى، وكان إمامنا مالك يفوض في أرض المغرب النظر للإمام، فالأولى أن تكون هذه الأشياء من مصالح الدولة وأملاكها، ينبغي أن تؤمم وتستغل على أكمل وجه ممكن لصالح الدولة وتصرف مداخيلها في وجوهها المشروعة ليرتفع المستوى الاجتماعي وتستفيد منها الأمة في مجموعها أكمل استفادة.
أما مصاريف الزكاة: فقد قال الحافظ ابن قيم الجوزية إن الرب سبحانه تولى قسم الصدقة بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان من الناس: من يأخذ لحاجته فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل.
والصنف الثاني من يأخذ لمنفعته وهم العاملون والمؤلفة قلوبهم والغارمون، لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا ولا فيه مصلحة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
هذه هي جهات مصارف الزكاة، وبعض الأئمة يقول: لابد من استيعابها كلها، ومن هؤلاء الإمام الشافعي والحافظ ابن حزم، ومن الأئمة من يقول بجواز صرفها لبعض الجهات دون بعض، بل يقول بجواز صرفها لصنف واحد، ومن هؤلاء الإمامان مالك وأبو حنيفة.
صرف الزكاة في أهم المصالح: وللإمام مالك نظر في غاية الأهمية في مهمة الزكاة وهو الالتفات إلى أهم المصالح الإسلامية وأشد الأصناف حاجة لصرف الزكاة فيها باجتهاد الوالي واعتبار الأحوال التي طرأت على الأمة الإسلامية ويتجلى نظره هذا في موضوعين:
الأول النظر المصلحي فيما نصت عليه آية الصدقات، فمن المعلوم أن المؤلفة قلوبهم قوم من أشراف العرب كان رسول الله يتألفهم على أن يثبتوا على الإسلام فيرضخ لهم الصدقات حيث كان في المسلمين قلة، ولما جاء مالك في عنفوان الدولة الإسلامية وسيادتها قال: لا مؤلفة اليوم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: بل حق المؤلفة باق إلى اليوم إذا رأى الإمام ذلك، وهذا تفويض منهما للإمام؛ قال ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد": قال مالك لا حاجة إلى المؤلفة اليوم لقوة الإسلام، وهذا كما قلنا التفات منه إلى المصالح. فالإمام مالك ينفي أولا وجودهم وينفي ثانيا الحاجة إليهم، وفي ضمن ذلك يعتبر نص آية الصدقات عليهم حاجة ماسة كانت موجودة وقت ضعف الإسلام، ثم زالت بقوته وسيادته حيث تغير الحال.
والموضوع الثاني في صرف عامة الزكاة في ناحية واحدة إذا اشتدت حاجة المسلمين إلى الإنفاق في تلك الجهة ويستند مالك في هذا لأمرين:
الأول عمل والي المسلمين، والثاني نظر المرضيين ممن أدركه من أهل العلم، ففي كتاب الموطأ قال مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام فيوثر أهل الحاجة والعدد حيث كان ذلك، وعلى ذلك أدركت من أرضى من أهل العلم.
ومن العلوم أن سبيل الله باب واسع، فالغازي يحل له أن يتجهز من الزكاة لأنه ساع في سبيل الله؛ قال القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي شارح بلوغ المرام: ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنيا، وأدخل أبو عبيد من كان في مصلحة عامة في العاملين عليها، وأشار إليه البخاري حيث قال: «باب رزق الحاكم والعاملين عليها»، وأراد بالرزق ما يرزقه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتدريس فله الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا، قاله الصنعاني. وفي شرح المواق عند قول خليل «ومجاهد والله ولو غنيا»؛ روى ابن وهب: لا يأخذ الفرس المعطى في السبيل إلا من يعلم من نفسه القوة على التقدم للأسنة. ولم ينقل اللخمي غير قول ابن الحكم: يجعل من الزكاة نصيب في الحملان والسلاح ويشترى منها القسي والمساحي، أي آلات الهدم والحفر، والحبال وما يحتاج إليه لحفر الخنادق والمنجنات للحصون وتنشأ منها المراكب للغزو وكراء النواتية (أي العاملين في مراكب البحر) ويعطي منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو مسلمين كانوا أو نصارى، ويبني منها حصن للمسلمين، وأرى كل ذلك داخلا في عموم قوله وفي سبيل الله» هـ كلامه.
فأنت ترى أن مصارف الزكاة في نظر هؤلاء الأئمة تناولت كثيرا من المشاريع والأعمال المدنية والاستعدادات الحربية، وهذا ما يفسح أمام المسلمين آفاقا فسيحة الأرجاء على أساس جباية الزكاة الشرعية لتنظيم شؤونهم وجمع شملهم وتقوية شوكتهم ويفتح في وجوه المخلصين باب الإصلاحات الاجتماعية الكبرى وسد الحاجات الضرورية القصوى بفضل جبايات الزكاة مما يجبر كسر هذه الأمة ويقربها ماديا ومعنويا، فإن الإسلام دين اجتماعي مظهره العام تكافل جماعته بمختلف الوسائل وتعاونها على ما فيه الصالح العام طبق ما يرشد إليه قول الله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على اُلإثم والعدوان» صدق الله العظيم والله يقول الله وهو يهدي السبيل.
     

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here