islamaumaroc

الدعوة الإسلامية في بريطانيا

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  أريد أن أتحدث إلى القارئ عما شاهدته بعيني من نشاط الدعاة إلى الله في بريطانيا وتأثيرهم في جاليات المسلمين ومن شرح الله صدره للإسلام من الإنكليز، ولا أقصد إلى أن أروي قصة من أمجاد الماضي كما لا يطيب لي حديث الآمال والأماني.
 
يوجد في أوربا اليوم نشاط ملحوظ للبعث الإسلامي في كل بلد تقريبا، خاصة بين الشباب الجامعيين.
 فالجمعيات الإسلامية نشيطة في كل جامعة وجلها مربوطة باتحاد الجمعيات الإسلامية في ابريطانيا وإيرلنده (Foses) وهناك جمعيات أخرى للجاليات المسلمة بشتى الأسماء غير أنها ترمي إلى تعهد أمور المسلمين وشؤونهم المحلية.
 
أما أنشط هذه الجمعيات والهيئات فهي جماعة غريبة الأطوار في هذا العصر، هي جماعة الدعوة والتبليغ وهذا الاسم مما اختاره الناس لها، غير أن أعضاءها أنفسهم لا يعترفون بأنفسهم إلا كمسلمين جمعتهم ضرورة الدعوة إلى الله، وقلت: "غريبة الأطوار" لأنها بعيدة كل البعد عن هياكل الجمعيات والمنظمات فليس لها صندوق أو ميزانية، أو رئاسة أو سكرتارية أو مناصب وما إلى ذلك مما لا يخلو منه أي جمعية أو هيئة عالمية أو محلية ولكنها منظمة بنظام دقيق في غاية الإحكام. ولو جمعت ما ينفقه أفراد الجماعة على الدعوة والتبليغ لبلغ مبلغا تعجز عن تحمله ميزانيات الدول والحكومات ولو تولت حكومة أو منظمة عالمية كبيرة تسييرها والإشراف عليها ماديا ونظاميا احتاجت إلى نفقات أكثر من ألف مرة مما ينفقه هؤلاء فرادى من أموالهم التي يكسبونها من عرق جباههم، ومن النادر البعيد أن تجد في خريطة العالم بلدا كبيرا أو عاصمة إلا وطئتها أقدام هؤلاء الدعاة.  
 
حقا إنهم لا يملأون عيونا بهرتها حضارة الغرب وخصصت أفكارهم لما تصدره الدول الغربية من قيم الخير والشر لأنهم أناس لا يرون الخير إلا فيما جاء به الإسلام ولا يرون شرا إلا فيما نهى الإسلام عنه ولأنهم لا يؤمنون بالمظاهر، فحياتهم بسيطة ومعيشتهم متقشفة وسلوكهم خلو من النفاق أو الدبلوماسية إن صح هذا التعبير لتصوير العقليات المريضة، وأنهم لا يقولون إلا ما يفعلون، ولا يدعون الناس إلا إلى ما هم عليه محافظون.    
 
لقد أصبح هؤلاء سدا منيعا لنفوذ حركات التبشير في الجاليات المسلمة في مراكز هي قواعد للإرساليات المسيحية، ذات الميزانيات الهائلة والمغريات التي بعضها يكفي للقضاء على بقايا الإيمان في قلوب مسلمي الشرق الإسلامي.
 
إنهم شقوا للدعوة الإسلامية طريقا في عواصم الإلحاد والإباحية بنشاط وجرأة لا يمكن وصفها إلا أن يقال إنها من معجزات الإسلام وحجة للشريعة الإسلامية وإلا فبماذا يمكن تفسير هذه الشجاعة الإيمانية التي تبعثهم على نداء الأذان في المطارات والرصائف والميادين، وإقامة الصلوات علنا في أركان قاعات الجماعات والمعامل الجامعية، والمصانع، والحوانيت غير محتفلين باستغراب الأجانب وحياء الأقارب.
 
ترى إن أمة يوجد بين شبابها الذكي المثقف أمثال طالب للدكتورة في الفلسفة الحديثة وآخر في الهندسة، وثالث في علم الطبيعة يأبى إلا أن يصلي جماعة في المنتزهات العامة، وفي إنكلترا مصدرة الخلاعة والمجون.. ثم يقوم أمثال هؤلاء الشباب بجولات للدعوة على دأب الدعاة المبلغين في الأقسام الداخلية.. ترى، إن أمة مثل هذه هل تموت؟
ترى هل تموت أمة يضحي شبابها بإمكانياته الزاهرة، ويؤثر حياة التشريد ومعاناة الفقر على مكاسب براقة لأجل دينه..
 
إن الدعاة إلى الله قد فتحوا اليوم مجالات واسعة للعمل، وسلكوا أسوة للآخرين وإذا حضرت اجتماعاتهم الشهرية في ديوزيري أو شيفيلد، أو برمنجهم أو مانتشتر فربما شعرت أنك في جزيرة إسلامية بعيدة عن جزيرة بريطانيا، ففيها حديث عن عفاف وطهر وذكر وجهد في سبيل الله، بين أفراد لم تجمعهم مصلحة مادية أو هدف إلا إعلاء كلمة الله والثبات على الحق، والتجرد عن الشهوات، وتستغرب معي عند ما ترى بين هؤلاء المسلمين عددا من المسلمين الإنكليز، شبابا وكهولا قائمين كتفا بكتف مع إخوانهم في الدين من العرب أو الباكستانيين والهنود والإفريقيين.  
 لولا أن في الدين قوة جاذبة أكثر من جاذبية الأرض لما انساق إلى الدعوة الإسلامية هؤلاء في وسط يسوده حب الشهوات والمغريات الجنسية والمادية تحف كل قادم إليه، وحان لي مرة أن ألبي دعوة جمعية مسيحية للاشتراك في حفلها السنوي فوجدت البرنامج حافلا بكل ما تتوق إليه نفسية الشاب الغر، ولم يكن حديثا عن الديانة إلا لمدة ثلاث دقائق على حجة أن الحديث عن الديانة يصعب احتماله على عقلية النشء فلا بد من الدعوة بالحكمة وهذه (الحكمة) امتدت إلى الرقص والفلم والخمور والمصادقات والوعود ولم أر أن هذه (الحكمة) قد حركت ساكنا للميل إلى النصرانية.. بينما الجمعيات الإسلامية تدعو إلى التزام العفة والحشمة، إلى الوقار، والسكينة ومبادئ الأخلاق الإسلامية، وحاشا أن يكون هناك أي داع مغر للنفس ولكن مع هذا التفاوت في اختيار الحكمة تجد الإقبال على الدعوة الإسلامية عظيما لا يستهان بقدره، لا شك أن شباب اليوم بشائكات نفسية عندما يجد نفسه بين نعرات جاهلية ومغريات واحدة منها تكفي لهدم معنوياته الدينية التي قد يرثها من بيئته التي يخرج منها إلى أراضي أوربا، فلولا دعوة إسلامية قوية يقوم بها أمثال هؤلاء، أصحاب العزائم، ومن الدعاة المبلغين، لم يكن هناك ما يعصمهم من انحراف في سبيل الإلحاد واللادينية في تلك البلاد. 
 
ومن الغريب ما أرى أن حركة الدعوة والتبليغ لم تلق أهمية في بلادنا الإسلامية الشرقية، ولم يثر اهتماما من الأوساط العلمية هنا بينما حسب لها المستشرقون أكبر حساب وعدوها أكبر خطر لمشاريعهم الهدامة، فهذا الأستاذ (مانت جمبري وات)، أستاذ الدراسات الإسلامية بأدنبرة اقترح على طالب شرقي ذهب ليحضر الدكتورة أن يختار جماعة التبليغ والدعوة موضوعا لرسالته.
 
وقرأت مقالا للأستاذ المذكور في جريدة "تايمس" 13/ 1/ 68 م بحث فيه آثار نكسة العرب في الحرب مع اليهود يقول فيه بالحرف الواحد "إلا أن إسلام هؤلاء لو بعث من جديد كان خطرا لا يسهل إزاحته على معارضيهم، وإني لأجد إمارات هذا الخطر وإن كانت قليلة المدى قد بدأت تتبلور على أفق الشرق الإسلامي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here