islamaumaroc

بطولة علي بن أبي طالب

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  لا أزال أتمثل عليا بن أبي طالب صغيرا ابن عشر سنين حين أقبل على النبي- صلوات الرحمن عليه- مسلما. لكأني كنت أراه مؤتزرا بإزار مشمر وهو منحسر الرأس ضاحيه يدلف إلى مجالس أبيه وقد ازدحمت عليها قريش تسائله خبر فتاه محمد بن عبد الله، ما شأنه؟ وما هذا الذي ابتدره في الدعوة إلى أمر يسمى الإسلام... وكان فيمن مثل إلى أبي طالب يسائله عن أمر هذا الفتى القرشي الذي تفرد بهذه الدعوة العنيفة التي خشي الكبراء أن تزلزل بهم ما كانوا عليه من مجتمع ودين، مثل "عتيبة وشيبة بن عبد شمس بن عبد مناف ومعهما أبو سفيان محرك الفتن يومذاك واسمه صخر وفيه صفات الصلابة التي في الصخور وغيرهم نفر هائجون صاخبون فإذا هم يبتدرونه:
- يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل أبناءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه. 
 
فتبسم في وجوه وفد الثورة الفرسية على الرسول عليه صلوات الله وصرفهم بسياسة وسلام وكان يمارس حربا في نفسه داخلية، فهو لم يرض عن ابن أخيه فيما جاء به من هذه الشرعة الحديثة وهو إلى ذلك مشفق منه يخشى عليه ما يخشى على ولده وقد شب في حجره فكان كأحد أبنائه.
 
وتعود وفود الثورة إلى أبي طالب تناهده في أمر ابن أخيه الذي لم يرجع عنه وإنما مضى في ازدياد وصلابة وإيمان ينشر دينه ويدعو إليه فقال له قائلهم المتكلم باسمهم وهو محتسب في مجلسه مقطب الجبين سادر في التفكير:
- يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنه، وإنا والله لا نصبر على هذا حتى يهلك أحد الفريقين. 
 
وحين انصرفوا عظم الخطب على أبي طالب فلم يطب نفسا بخذلان ابن أخيه لقد أحببت في تصوير المجلس الذي كان يحتبي في بهرته أبو طالب زعيم قريش وكبيرها وموضع تقاتها وبيانها، الأول على ما كان يشهده علي بن أبي طالب ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عن ابن عمه. كان يقتعد على غرارة صباه مكانا بجانب أبيه فيدير رأسه في وجوه أولئك المحتجين الصاخبين الذين كان يتلقاهم أبوه بطول البال والأناة والابتسام ليصرفهم بسلام فجمع إلى خلائقه السياسة والكياسة.
فاختمر في وجدان ذلك الصبي المتطلع إلى الآفاق الآتية من حياة الإسلام والجهاد وصفاء الإيمان، التوق إلى هذا الرسول الذي نهض في ابن عمم.
 
وكان أهل الرسول وأبناء عمومته ومن لف لفهم من أهله منبهرين عجبين برسالته ودهشين لمفاجآتها فذكرت وأنا أحلك من وراء العصور أخلاقهم وسجاياهم إذا قيسوا على أخلاق المعاصرين بأن الحسد إنما ينبع بين الأقارب أول ما ينبع وبين المتجاورين والمتشابهين، ومر في خاطري قول قاله الأديب الفرنسي أمير الشعراء المعاصرين جان كوكتو عضو الأكاديمية الفرنسية وقد توفي منذ ثلاث سنوات وكان شاعرا وناثرا كما كان خطيبا وممثلا وهو إلى ذلك كله كان مصورا ونحاتا، فلقد تعددت مواهبه وكانت جميعا لا تملأ أعين أهله فلم يكن أحد من أقربائه يعترف له بالنبوغ فقال قولته المشهورة:

"لا حظ للموهوب في أسرته"
وفيم لا أدعو إلى صاحبي على العمر أبي الطيب المتنبي?1? فلقد كان يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
                 كمقام المسيح بين اليهود
إنا في أمة، تداركها الله،
                غريب كصالح في ثمود

 وكان أبو طالب شاعرا رهيف الحس، طلق اللسان ذا بيان معهود في قوله وله شعر يحفظونه فكان علي ابنه ليستمع إلى هذا الشعر وهو صبي فيسلك في سمعه وينساب إلى خاطره ويولد موهبة الشعر المبكرة عنده.
- انطلق بنا إلى أبي طالب فلنخفف عنه من حياته آخذ من بينه وأنت تأخذ من بينه من يشاء.
وانطلقا، وقدما على الشيخ الوقور أبي طالب وهو ملفف في عباءته التي توشك أن تتمزق، فقالا له تلك المقالة الإنسانية في حمل العبء عنه. فأخذ الرسول عليه السلام عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فكان أن أسلم علي إسلاما مبكرا وهو صبي ابن عشر سنين فأخذ الرسول يربيه ويعلمه أمور الدين ويزرع في فؤاده الصغير الإيمان الكبير حتى نما فؤاده واتسع لهذا الدين المبين.
وجاءهما يوما أبو طالب وهما يلعبان فقال لابنه علي بعد أن أنفتل من صلاته:
- أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ 

فقال الفتى وهو يتألق نورا لأبيه الشيخ الوقور.
- يا أبت آمنت بالله وبرسوله، وصدقت ما جاء به وصليت معه.
يومذاك قال أبو طالب كلمته التاريخية الرائعة- للرسول صلوات الله عليه- التي كانت عنوان الذمم في دنيا الإسلام ومثال الدفاع في عالم الأسرة:
- والله لا يخلص أحد إليك بشيء تكرهه ما بقيت حيا..

 ولعل التاريخ لم يفصل القول كيف كان الرسول يرتب علينا في البطولة والفروسية واللعب بالسيف وركوب الخيل، فإن عليا ظهر في حروبه وجهاده كأروع بطل في المناجيل فكان يجيد التمرس بأظهر الخيل وهي مرضاة الأزمة وكان مصمم الضربة لا تخيب طعنته ولا ينبو سيفه وكان شجاعا إذا برز في العراك شق الصفوف وشتت الفرسان ولم يخسر أية مبارزة في أية غزوة أو حرب أو مباطحة.
 
وهذه غزوة بدر الكبرى تشهد ببطولته حين تنمر الحارث فقتله علي بن أبي طالب وبرز في المعمعة عتيبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فأخذت أتصور هذا البطل المغوار الذي كان دعامة قريش في حربها ببدر تلقاء جيش الرسول صلى الله عليه وسلم ولست أشك في أنه كان لابسا لأمة مضاعفة مهنوءة تصل به أزرادها وسلاسلها كلما تحرك وعلى جواده درع سابغة وخوذته على رأسه بين منها عيناه فيما يغطي منها وجهه.
فبرز إليه ثغر لم يملأوا عينيه، فصرخ:
- يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- قم يا علي.
فنهض بطل الملحمة الإسلامية الأولى، علي بن أبي طالب، فهز سيفه القرضاب وقد أسلم العلم لمن يليه وتبارز البطلان الضرغامان وتخالفا ضربات حتى تمكن علي من مقاتل عتبة فقتله وقتل ابنه الوليد.
وتزاحف المتجالدون فكان علي يشق الصفوف بحسامه وينبري كالصاعقة حتى كانت له البطولة الأولى في معركة بدر الكبرى.
وقد صورت هذه البطولة في النشيد الخاص به في الملحمة العربية، فلقد ضم البيان إلى الحسام والورع إلى الفروسية والتقوى إلى المقام العزيز، فليت البطاح التي تواري جسده الطاهر فيها الخطاب أو الكتاب أذن لهتفت فيه سجيس الليالي تقول:

علي يا دفعي على كل هالك
                  ضممتك في قلبي بليل الحوالك
إذا لمعت شمس الضحى خلت أنها
                 سيوفك لما أشرقت في المعارك




1)  للدكتور زكي المحاسني كتاب في (المتنبي) أعيدت طبعه مرارا بدار المعارف ببيروت (رابطة العالم الإسلامي).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here