islamaumaroc

إسلام القرن الرابع عشر هو إسلام القرن الأول

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  لكن مسلمي القرن الرابع عشر، الذين يعيشون في زحمة الأعمال و المواصلات و المنافسات و الثقافات و اللغات ، ضاق و قتهم عن استيعاب و امتصاص حضارة الاسلام في القرن الاول .
في الوقت الذي يوشك فيه العالم الاسلامي ان يكمل القرن الرابع عشر من حياته الخالدة ليدخل في قرن جديد ، يحق للباحث المعاصر ان يتساءل بعلم و تجرد ! عن امكانات حدوث تطور ثوري في هذا العالم ، و عن افاق واتجاهات هذا التطور ، لا نحو اليسار ، فهذا الموضوع قائم على حدة ، و لكن نحو قيام مجتمع اسلامي جديد ، شيبة اوقريب الشيه بمجتمع الاسلام الاول ، تنبثق عنه دولة اسلامية القانون و النظام و الاخلاق في خلال القرن الخامس عشر الهجري ؟ ... ام هل هذا مجرد امل يدعب قلوب المومنين ،ومثل اعلى عقد نخبة المسلمين ؟
  و اذا قلنا ، نظريا ، ان هذا ممكن ، مثلما امكن في القرن الاول للاسلام ، فهل نستطيع خلق الظروف الضرورية لتحقيقه عمليا ؟ و ما هي هذه الظروف ؟
  و من البديهي ان نقطة الانطلاق في هذا الحديث ، تقوم على الاعتراف منذ البداية ، بان اسلام المسلمين المعاصرين ، شعوبا ودولا ، شرقا و غربا ، ليس الا صورة قائمة للاسلام الاول ، و المسلمين الاولين ، و لا يمكن ان تؤخذ هذه الصورة على انها المثال الحقيقي للاسلام الحق .
و هناك حقيقة اخرى يجب ان نشير اليها ايضا ، و هي ان حضارة القرن الذي يعيشه المسلمون اليوم تتميز يتراكم المعرفة من جهة ، و تراكم المشاكل من جهة اخرى ، و من المعلوم ان التقدم العلمي الذي واكب التطور البشري ظل منذ فجر التاريخ في خضم و نمو مطردين ، و قد ساهمت كل الحضارات و الاديان و الشعوب خلال التاريخ ، في اتساع المعرفة الانسانية و عملت الثورة الصناعية ، و خاصة منها وسائل النشر و الاعلام و المواصلات على نشر و تعميم هذه المعرفة لدى الشعوب ، بعد ان كانت محصورة في النخبة ، و بالجملة فانه لم تتراكم الأعمال و المواصلات و العلوم و الثقافات و اللغات في عصر من العصور مثلما تراكمت في اواخر هذا القرن لدى الدول المتقدمة ، و لم تتراكم المشاكل الناتجة عن التخلف الاجتماعي ، و الاستبداد الداخلي ، و الاستعمار الاجنبي . في عصر من العصور ، مثلما تراكمت منذ القرن الماضي لدى الدول المتخلفة . التي تنتمي اليها دول العالم الاسلامي .
 في مثل هذا العصر ، بهذه الحضارة ، مع هذا التوزيع السيء للمعارف و الثروات و القوات ، ما هي العراقيل التي تقف في طريق انبعاث المجتمع الاسلامي ؟
للجواب على ذلك يمكن ان نقول انها صنفان : خارجية و داخلية ، فاما العراقيل الخارجية فهي شهيرة لا تحتاج الى تذكير ، و اخطرها الاستعمار و الصليبية و الصهيونية ، و عداؤها و تحالفها جميعا ضد الاسلام و البلدان الاسلامية اكدته و فضحته قضية فلسطين منذ اوائل هذا القرن حتى اليوم ، و يتمثل خطر هذا التحالف الثلاثي ، ليس فقط في المواجهة الصريحة ، بل و ايضا في انعكاساته و ضغوطه السياسية و الاقتصادية و الثقافية على المواقف الداخلية ، اذ يقدر ما تزداد هذه الضغوط ، تتاثر المواقف و الاتجاهات الاسلامية في الداخل صحيح ان الاستقلال السياسي للبلدان الاسلامية خفف الى حد من اثار هذه الضغوط ، و لكن المصالح ظلت قائمة ، و المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات مصالح قبل كل شيء ، هذا بالاضافة الى ان الاجيال التي بيدها مقاليد الامور في البلاد الاسلامية نشات و تربت اغلبيتها في مدرسة غربية ، اولها صلة وثيقة بالغرب ، فعلاقتها بالاسلام اما ضعيفة او منقطعة .
و اما العراقيل الداخلية ، و هي التي تعنينا الان ، فيمكن ان نرجعها الى العناصر الرئيسية التالية :
1) مناهج التعليم و التربية الحالية
2) تقلص ظل اللغة العربية
3 ) الصراع السياسي و المذهبي .
4 ) ضعف القدرة على استيعاب الاسلام ككل.
و سنوجز فيما يلي تحليل الدور الذي يلعبه كل واحد من هذه العناصر في عرقلة تكوين المجتمع الاسلامي ، و انبعاث الدولة الاسلامية المرجوة :

1 ـ مناهج التربية و التعليم الحالية :
لقد برهنت هذه المناهج حتى الان ، و في جميع البلدان العربية و الاسلامية ، على انها عاجزة ، ليس فقط ، عن تكوين المواطن المسلم الصالح ، بل و ايضا عن محاربة الامية فيما يقارب 80% من سكانها ، و عن تكوين الاطر العلمية و التقنية و حتى الثقافية العامة ، و لم يعد يخاف على احد من خبراء التربية و التعليم امه ما لم يبذل جهد استثنائي كبير لتغيير هذه المناهج بما يتلائم مع متطلبات الثورة الصناعية ، و يخضع لضرورات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ، و يلبي حاجات السوق ، الى جانب المحافظة على الشخصية القومية ، و ضمان قدر مشترك و كاف من التكوين الديني و الخلقي لجميع المواطنين ، فان عملية التغيير الاجتماعي للشعوب العربية و الاسلامية لن تتم بالسلاعة المطلوبة التي يفرضها التخلف الحالي ، و السباق العالمي ، و الزمن السريع ، و بالتالي فان انبعاث المجتمع الاسلامي الجديد سوف يتاخر بدوره ايضا ، و لا يخفى ان قيام هذا المجتمع مرتبط الى حد كبير بتوفره على القوة التي يفتقدها للدفاع عن وجوده و خاصة ضد التحالف الثلاثي الانف الذكر ، و من الاهداف الاساسية لنشر التعليم اكتساب هذه القوة ، و قد اشار دانييل بيل استاذ علم الاجتماع بجامعة كولومبيا الى ان العلاقة بين المعرفة و القوة قد طرا عليها تغيير كبير في اوساط القرن العشرين ، ذلك ان القوة على صورة مهارة تكنولوجية ، قد اصبحت من مظاهر القوة ، تعمل كرادع لمن يملكون القوة ، و يسبب التغيير في طبيعة القوة في المجتمعات العصرية اصبحت المعرفة سببا للوصول الى القوة.

2 ـ تقلص ظل اللغة العربية :
كان العالم الاسلامي قويا و متماسكا و مندمجا عندما كان يستعمل لغة رسمية و علمية و دينية واحدة هي اللغة العربية ، فلما تصدعت دولة الخلافة الاسلامية ، و تغلبت القوميات المحلية ، و حلت اللغات الوطنية او الاجنبية محل اللغة العربية ، انقطعت الشرايين الاصلية التي كانت تمد تلك الشعوب بالطاقة الروحية المتجردة مباشرة من معينها الاول الذي هو القران العربي ، و اهتزت علاقات التفاهم و التعاطف و التاخي التي كانت قوية بين مجتمعات الخلافة الاسلامية ، و اصبح من الممكن ان تحتل اسرائيل مدينة القدس ، و تدوس باقدام جنودها المسجد الاقصى ، بل و تشعل فيه النار ، دون ان تتحرك عاطفة  هذه المجتمعات لمقاومة هذه التحديات ، بل و دون  تعارض بعضها في انشاء علاقات مع اسرائيل ! ان انبعاث المجتمع الاسلامي يستلزم دعم و نشر لغة الاسلام الام بين الشعوب الاسلامية، و توحيد المفاهيم الدينية و تقوية المشاعر الاخوية عن طريقها .
و من الغريب ان عدة شخصيات رسمية و غير رسمية في بعض الدول الاسلامية بافريقيا و اسيا اعلنت عن رغبها في نشر اللغة العربية في بلادها . و احلالها محل اللغة الاجنبية ، و لكن المؤسف ان تكون الدول العربية عاجزة عن تلبية هذه الرغبة .

3 ـ الصراع السياسي و المذهبي :
كان للصراع السياسي و المذهبي في البلدان العربية و الاسلامية اثر كبير في عرقلة و بعثرة الحركات الاسلامية ، و تاخير قيام مجتمع اسلامي جديد ، فيسبب اخطاء سياسية و تنظيمية ، و تنافس على النفوذ و اختلاف في المذاهب ، تعرضت عدة حركات اسلامية لصدمات هزت كيانها ، و لا يزال الصراع على الحكم ، و الطموح اليه ، و المغالاة في التمسك به ، من ظواهر المجتمعات المتخلفة بصفة عامة ، و سيظل هذا الصراع احد العوامل الخطيرة في اجهاض الحركات الاسلامية ، و امتصاص دعاتها ، و منع البيئة الاسلامية الصالحة من الظهور و النمو و الاستقرار .

4 ـ ضعف القدرة على استيعاب الاسلام ككل :
يرجع هذا العنصر في اصله الى القصور العام الملاحظ في اسلوب التعليم التقليدي الاسلامي ، و الى مناهج التعليم التي قللت من وقت و اهمية الحصة المخصصة للتربية الدينية ، و قد ادى ذلك الى ضعف الفكر الديني سواء عند بعض الفقهاء الجامدين المتاخرين ، او عند الذين لم يتح لهم ان يعرفوا عن الاسلام الا النزر اليسير ، و هذا الضعف شكك الاجيال الناشئة ، كما شكك الباحثين الاجانب ، في قدرة و صلاحية الاسلام لحل المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية المعاصرة ، بل شكك ايضا في مدلول العدالة الاجتماعية في الاسلام ، و فتح مجالا لنقد و تهجم المستشرقين على بعض الاحكام الدينية التي تطبق في البلاد الاسلامية تطبيقا سيئا لجمود الفكر الديني بها ، و ضيقه عن استيعاب احكام الاسلام ككل ، و يضيق المجال الان عن سرد الامثلة ، و لكن بكفي ان نعلم ان الاقطار الاسلامية تقيم بعض الاحكام الدينية و تهمل البعض الاخر لاسباب متنوعة . و قد نهى الاسلام عن ذلك بقوله تعالى : (( اتامرون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض )) ذلك لان هذه النظرة الجزئية لاحكام الاسلام لا يمكن الا ان تعطل بالضرورة انبعاث المجتمع الاسلامي الجديد .
تلك بعض الصعاب الكبرى التي تجعل المجتمعات الاسلامية المعاصرة تعيش في زحمة الأعمال و المواصلات و الثقافات و اللغات ، و تحت ضغط التحالف الثلاثي المخيف ، عاجز عن استيعاب و امتصاص حضارة الاسلام الاولى ، فهل يستطيع دعاة الاسلام اليوم ، و نحن على عتبة القرن الخامس الهجري ، ان يذللوا هذه العقبات طبق تخطيط علمي مدروس ، و ان يضعوا للامة الاسلامية العالمية ميثاقا جديدا لثورتها التحريرية و نهضتها الكبرى ؟...
رزئ العالم الاسلامي في الايام الاخيرة بوفاة عالم شامخ من اعلامه ، و رائد مصلح من رواده هو فضيلة بن عاشور مفتي الجمهورية التونسية و عميد الكلية الزيتونية للشريعة و اصول الدين ، و حبيب العالم الاسلامي عموما ، و المغرب خصوصا ، و الذي عاش رحمه الله ينبوعا فياضا من العلم ارتوي من معينه طلاب المعرفة و اليقين ...و قد عم الاسى و الاسف لوفات الفقيد العزيز مجامع العلم ، و محافل الفكر و الادب التي عرفته عالما واسع المعرفة و ادراية بشؤون العالم الاسلامي قديما و حديثا ... و متفتحا على العالم الغربي و ثقافته ، ففقدت فيه محاضرا بليغا ، و مجددا للفكر الاسلامي ، و خطيبا مصقعا يدوي على لسانه صوت الحق ...
و المغرب و ملكه العظيم يكن للفقيد اكبر التقدير ، و باهر الاعجاب ، ووافر الاعتبار .
و قد اوفد صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني وزيره في الاوقاف و الشؤون الاسلامية السيد احمد بركاش على راس وفد هام لابلاغ تعازي المغرب ملكا و حكومة و شعبا الى الحكومة التونسية و عائلة الفقيد و على راسها العلامة  الكبير السيد الطاهر ابن عاشور والد الفقيد حيث استقبلوا بمطار تونس قرطاج الدولي من طرف السادة محمد المسعدي وزير الدولة لدى الوزير الاول ، و حسن حشيش مدير المراسم ، و كمال التارزي رئيس مصلحة الشعائر الدينية بالوزارة الاولى . فرحم الله الفقيد ، و اسكنه فسيح جناته .
و انا لله و انا اليه راجعون .

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here