islamaumaroc

ملامح من المجتمع الذي خطط له الرسول العظيم

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  بعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لينقذ الإنسانية من الضلالات والأوهام، ويحررها من عبادة الأصنام والأوثان، ويهديها الطريق السوي الذي تسعد به في الحياة وتستحق به خلافة الله في الأرض. وهكذا مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى تحرير الإنسان من عبادة الأصنام، ويأمره بالإخلاص للملك الديان، إخلاص العبودية له وحده دون غيره من السدنة والكهان، والرؤساء ذوي الطغيان، والالتزام بوحدانيته، وتخصيص العبودية له وحده تعالت قدرته، وتسامت عزته، حتى يستطيع الإنسان أن يحلق في الأجواء العليا، ويسعد بالقرب من ربه الذي يمده بكل عون، إن هو اتبع الصراط المستقيم، ولم ينحرف مع الضالين ولا المغضوب عليهم من المتنطعين.
  وكان صلى الله عليه وسلم يعطي المثل عن نفسه في التعلق بالمثل العليا، ومقاومة الانحرافات والأضاليل والأوهام. الأمر الذي لم يستطع معه أحد من خصومه العنيدين أن يوصفه بمنقصة، أو يثبت في حقه مذمة. إذا كان فداه ابن وأمن مثالا كاملا في حسن الأخلاق، ونموذجا حيا للإنسان الكامل الذي افتقدته البشرية من خلال أحقاب تاريخها القديم والحديث، والرسول الذي بعثه الله وهيأه ليكون النموذج المثالي الذي أراد للبشرية أن تسير على منواله، وطبق تعاليمه وهداه، إن أرادت السعادة الكاملة في هذه الحياة، والفوز والعاقبة المحمودة في تلك الدار الآخرة الباقية على الدوام. حارب رسول الله الشرك والضلالات والأوهام، وجاهد ليحرر بني الإنسان من ظلم الطغاة الجبابرة الحكام، وأتى بدين يسوي بين الإنسان وأخيه الإنسان، فليس هناك فارق بين الأجناس بسبب اللون أو العرق أو المال أو الجاه، وإنما المعيار الحقيقي للتفاضل، بين بني البشر، هو التحلي بالمثل العليا، والتمكن من الأخلاق الفضلى، والسير في طريق العلم والمعرفة واتقاء جميع أنواع المكروه، وأن يحب الإنسان لأخيه الإنسان ما يحبه لنفسه، فلا كراهية ولا بغضاء، ولا تحاسد ولا شحناء، ولا طبقية ولا تشاكس ولا اتكال ولا تقاعس، وإنما هو عمل متواصل لما يرضي الحق، ودؤوب دون فتور لعمارة الأرض، وجهاد للنفس والأذى، ودفاع عن الحق للوقاية من الفساد، والتقاء الإنسان مع أخيه الإنسان في عبادة الملك العلام، حيث يتحرر الجميع من سيطرة الأكابر والأصاغر، ويخلصون العبودية للإله الذي خلق الإنسان فسواه، وكرمه فهداه، هداه النجدين، وحمله الأمانة ليمتحنه ويبتليه، ليلقى جزاء ما قدمت يداه، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ‏؛ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7-8].
  ولم يكن صلى الله عليه وسلم طائعا مختارا في أداء الأمانة، وإنما هي رسالة أمر بتبليغها، ودعوة كان لا بد له من أدائها، وتحمل كل الأعباء والأنصاب في سبيل تركيزها، حتى تدرك الإنسانية كلها أنها لم تخلق عبثا، وأنها مدعوة إلى النهج القويم، والصراط المستقيم، الذي دعا إليه النبيئون والمرسلون، مدعوة أولا وبالذات إلى توحيد الله وعبوديته وحده، عبودية حقة لا شائبة فيها ولا التباس، عبودية مستقيمة، لا اعوجاج فيها ولا أمتا، عبودية مخلصة لا تراجع فيها ولا انتقاص، عبودية طائعة، لا تعنت فيها ولا هوى، عبودية موحدة، لا تفرقة فيها ولا اختلاف، عبودية تتجلى في كل أحوال الإنسان، في اتصاله مع ربه، في معاملاته لبني جنسه، في إخلاصه في أداء مهماته، في تجرده عن حظوظ نفسه، في يقظة ضميره أمام جميع تصرفاته، في سيره على النهج القويم الذي أراد له الله أن يسير فيه (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) [الشورى: 13].
  و من هذا المنطلق التوحيدي السامي، وهذا الارتباط المتين بين الإنسان وخالق الإنسان، وهذا الاستسلام غير المشروط لخالق الأكوان، وهذه العبودية المجردة التي هي لب الإحسان، طفق سيدي وسندي رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي تلك الفئة المؤمنة الأولى، ويكون ذلك الرعيل الصادق من الأولين، ويهيئ الطائفة القليلة من الصحابة المهتدين، يملأ قلوبهم بحب الله، والتعلق به وحده لا شريك له، ويربي فيهم الثقة به سبحانه والاعتماد عليه، ويتلو عليهم من الآيات البينات، ما يملأ قلوبهم يقينا، ويعمر صدورهم حكمة، وما يهيئهم ليكونوا نجوما يهتدى بنورها، وأنوارا يستضاء بها، وصدق رسول الله إذ قال: أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم. حتى إذا ما تمكن عليه السلام من إعداد تلك الفئة المؤمنة الصادقة، التي كيفها الإسلام في القالب الذي يريد، فزكى روحها، وطهر نفوسها، وأوصلها بربها، وهيأها لأداء رسالتها، وهي الرسالة الإسلامية الخالدة. وحتى إذا اكتمل نضج هذه الفئة المؤمنة التي كان يمدها الرسول الأعظم بقوة الإشعاع النبوي، ويزودها من روحانيته القدسية التي تلقاها عن ربه، ويجعلها على بينة من ربها، تدرك حكمة الله في خلق الأكوان وتعي بأرواحها وقلوبها وجوارحها سر بعث الله سبحانه رسله لبني الإنسان، وتتذوق بعمق أسرار الكتاب الذي جعله الله مشكاة يستضيء بهديها المهتدون، وترى ما عليه المشركون من انحراف عن طريق الحق والسداد، وما يسير عليه قادتهم وزعماؤهم من استبداد، وتحس بالفارق العظيم بينها وبين المشركين عباد الأوثان والأصنام. حتى إذا اكتملت كل هذه العوامل وعوامل غيرها، أمر الله رسوله الأعظم سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالقفز بحركة الدعوة المجردة، والإنذار والتبشير، إلى تحقيق مجتمع إسلامي حقيقي سليم، لا علاقة له بالمجتمع الجاهلي الذي سار فيه العرب السنين والأعوام، ولا ارتباط له بضلالته وأهوائه وانحرافاته.
 و هكذا صار رسول الله يدعو المؤمنين برسالته أن يبايعوه على نصرته ونصرة المبادئ والتعاليم التي أتى بها من عند ربه، وهكذا أقبلت وفود تترى من الرجال والنساء يبايعون رسول الله على التعلق بالله وحده لا شريك له أولا، وعلى إصلاح نفوسهم والابتعاد بها عن الشهوات والمنكرات ثانيا، وعلى نصرته في أداء رسالته التي بعثه الله بها للخالق ثالثا، وهكذا أذن الله لرسوله في الهجرة إلى المدينة المنورة ليضع اللبنة الأولى في تكوين مجتمع إسلامي صحيح لم تشهد الإنسانية مجتمعا فاضلا مثله، ولم تسعد الخليقة طول فترات وجودها بمثل ما سعدت به، مجتمع إنساني سعيد  عمته الكرامة، وربطت بين أفراده العدالة والمحبة، وأشرقت أرجاؤه بنور التوحيد الوضاء، وعاشت الإنسانية فترات من حياتها وكأنها في عالم الملائكة الأطهار، مجتمع صححت فيه الأوضاع، ووضعت فيه أسس الحضارة الحقة، التي أعطت للإنسان من الإمكانيات ما جعله يبني ويعمر، ويبتكر ويخترع ويستفيد مما سخر له في السماوات والأرضين، ويرى حكمة الله في الآفاق التي تزيده يقينا في القوة الإلهية، مجتمع عاش فيه الإنسان أخو الإنسان، فلا يظلمه ولا يخذله ولا يبيت متخما بالمأكولات وجاره بجانبه جوعان، مجتمع عمه التوازن والتكافل، فعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا، وعمل للآخرة كأنه يموت غدا، مجتمع عمل على نشر العلم والفضيلة، بل قال مؤسسه: طلب العلم فريضة، فأزال الأوهام التي كانت لدى السابقين واللاحقين من أن العلم يناقض الدين، مجتمع حرر العقول من أغلالها فدعا إلى التفكير والتعقل في كل ما مر به، وحير المقلدين الذين يتبعون أهواءهم بغير علم، والذين يقولون:(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)‏ [الزخرف: 23]، مجتمع آخى بين المؤمنين من أنصار ومهاجرين، فأقبلوا يتقاسمون أموالهم وما يملكون في سبيل تحقيق عدالة اجتماعية بينهم، دون قهر أو إكراه من أحد، وإنما بدافع من ضمائرهم الحية اليقظة التي رباها ونمى طهارتها وصفاءها الإسلام، مجتمع سوى بين الحاكمين والمحكومين، فلا جبروت ولا طاغوت، ولكي تقف فيه امرأة أمام الملأ العظيم من المسلمين لترد على عمر أمير المومنين قائلة: ما كان لك يا عمر أن تغير شيئا مما أنزل به القرآن من عند رب العالمين، فيجب عمر، وما أدراك يا عمر! أصابت امرأة وأخطأ عمر أمير المؤمنين! مجتمع آمن بالحرية في نطاقها الصحيح، فما قبل أن يحتقر ويضرب ابن أمير فردا من أفراد الشعب ويقول: أنا ابن الأكرمين، وإنما أمر الرئيس الأعلى أن يمكن ذلك الابن الشعبي من السوط، ويقال له امتثالا لقول الآية الكريمة:  (( ولكم في القصاص حياة ))، يقال له: اضرب ابن الأكرمين يا أيها الابن المسكين! مجتمع دعا إلى التعاون ورفع من قيمة المتعاونين، مجتمع لم يرفع قيمة الإنسان بالمال والجاه والمنصب والمتاع، وإنما رفع قيمة الإنسان بالعمل الصالح، والعلم النافع، والإيمان الصادق، (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11]، (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مَمَّا عَمِلُواْ) [الأنعام: 132]. مجتمع  عمت فيه المساواة ودعا مؤسسه إلى وحدة بني الإنسان «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله»
  وبعد، فهذه بعض الملامح التي تكون على أساسها المجتمع الذي أراده الإسلام، والذي حققه سيدي وسندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فداه أبي وأمي، فأين منه المجتمع الذي نسير فيه ؟
وهل آن الأوان لنهتدي بهدي رسولنا، فنسير على هداه، ونقتضي تعاليمه، فنسعد كما سعد الأولون، ونظفر برضى الله كما رضى السابقون، ونحيى حياة فيها كثير من الراحة والاطمئنان، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ،‏ وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال: 24-27]. صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here