islamaumaroc

أبو المحاسن المدني بن الحسني مفخرة الرباط وعمدتها في الماضي القريب

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  هو الحافظ الواعية المتمكن، الطلعة الفذ الدؤوب، الدراكة الخبير النابه، العلامة المحقق المشارك ذو الكفايات الواسعة المحاطة بعقلية راجحة متفتحة لتفهم أنواع الفنون علما وأدبا وتاريخا في مختلف العصور، مع تباين الآراء واختلاف المذاهب، وتباعد المشارب، مستوعبا شتى المضامين لاستخراجها للطلبة والمستفيدين من غيرهم، بأوضح نموذج وأمثل نهج، وأفصح تعبير في أكمل مرغوب، الصائل في ميادين المعرفة قديمها وحديثها، مثيرته لالتهامها ملكة قوية وقريحة وقادة وفكر ناضج، وسجية منطلقة مبدعة لا تحبسها قيود، ولا يعقلها جمود، ولا يعوق سير ذاكرتها المسرع حدود، يربطها تركيز ذهني منتج، وعقل متزن رائع في الاصطياد يرتمي بخفة بارعة على المروم المقصود، معززته رحابة كاملة في المدارك، انبنت على استعداد نادر المثال، مستطيع أن يتلقى الموضوعات المتباينة، وإخراجها في أشكال مشرقة، تنبض حياة وتسطع نورا وتسمو أسلوبا سهلة العرض سلسلة البيان حلوة المقال. مكنوزة بموضوعات مختارة قد اتسمت بجمال اللفظ وحسن التركيب ووضوح المعنى مع سلامة المبنى معبرة أوفى تعبير عن ذاتيته الحق المكنونة تحت ستار الحياء والتواضع وسماحة النفس وليونة الجانب والطيبوبة الزائدة، المعرب كل ذلك عن عبقريته العريقة المجيدة الموسومة بالطابع المحمدي النبوي الأصيل الممتد أثره النبيل أبا عن جد من أفضل وأكرم سلف، لشخص ألمعي جليل، خليق أن يكون خير خلف- أبو المحاسن المدني بن محمد الغازي المفضال الحيسوبي المعدل بن الحسني العلمي، ذلكم العصامي الرائد الخربت المبحاثة، الشريف النسب الكريم الحسب، ذو الخلق الحسن، الذي تفوقت شخصيته الجذابة النشطة ذات الطاقات العديدة الممتازة بتطلع غريب في محبة العلم والميل إلى الاطلاع على القديم منه والحديث، بباعث طبعي حاث له ودافع للتواصل المتتالي في العمل. دون فتور أو كلل، بعيد عن السأم والملل، داعيه نهم وشره للانكباب المستديم، وحاديه رغبة ملحة للسبح في آفاق المعرفة، والخوض في فضائها المنير المتلألئ بالذخائر المغمورة، والجولان في جوانبه الشاسعة المليئة تراثا قيما خالدا، تقوده عين فاحصة ونباهة يقظة وهمة طموحة. ترودها إرادة منساقة بشدة للبحث عن المناطق المجهولة، واستكشاف ما غمض من نقول ذات الأصالة والطرافة والجودة. وسبكها بدماغ متقد في قالب بليغ مفهوم مستساغ. ولقد تتجلى لك- أيها القارئ العزيز في هذه الأوصاف المعروضة عليك باسترسال متتابع صورة حقيقية عن شخصية هذا الرجل الكبير السليم العقيدة منذ البداية، السلفي المذهب الخالي من التعصب، النير الفكر المتسم بسعة الأفق الخارج عن النطاق المحلي الضيق المحدود، الموسوعي المعلومات، ليس كحاطب هائم ولا ناقل مرتجل، بل واع متشبث، عميق الإدراك، نفاعة مفيد، إذا فوجئ بسؤال أجاب عنه في الحين مدليا بمن تكلم عن موضوعه، منبها عن مواطن الضعف، مشيرا لمحجة الصواب، معلقا على محلات الأخطاء بأدلة منطقية مدعمة بحجج نقلية- صحيحة المصدر- موثوق بها، ولا تخلو هذه الأجوبة- في غالبها من مستملحات وثوريات أقحمها لأدنى الصلات، يسمها بالبصمة "المدنية" فتزداد فائدة وتكتسب رونقا ولطفا يخفف عنها- أحيانا- نقل جفاف الموضوع، ويسبغ عليها حلة القبول، فتكون حديث مجلس السائل مدة يتملى بها مع أصدقائه، هذا ولخفة روح شخصيته الكريمة- المعلومة لدى الجميع- ولطف سريرتها ورقة عاطفتها. ونبل طبيعتها، فقد تغلب عليه- أحيانا- مرة مرة جانب المرح على جانب الجدية، رغبة في الترويح على النفس وتخفيف جد الكل المثقل بعناء متلاحق لتهيئ دروس قيمة، وقصد تجديد تقوية نشاط طلبته خشية من وقوع الخمول والكسل، إذا الدرس طال لاقتضاء الحال، فينطلق لسانه العذب القول، بدعابة جميلة الوقع موافقة المأتى، نزيهة المغزى، تنبثق في مداها عن نكتة حارة، لا يعني بها إيلام أي شخص ولا التنكيت عليه، أو لمزه بما يغض من قدره، وإنما يقصد المفاكهة والمباسطة والإحماض المحمود، ينطقها بألفاظ مختارة مستأنسة في التعبير، خفيفة التركيب، تنسجم سداها بسجع لا تكلف في إيراده، تمتلك بإبداعها الرائع المتزمت المحافظ، وتهتز لإلقائها النفوس المنقبضة وتنشرح لالتقاطها العقول المتحجرة، وتنتفض لسماعها العواطف الجامدة، فيضحك لها الكل بانبساط وارتياح لمعناها بمزيد الاغتباط، فتستجم بها أرواح الطلبة مستردة نشاطها لاسترجاع الحياة الجدية بانتباه زائد لما يلقيه الأستاذ المحبوب من بقية الدرس. وحينذاك يعود للمجلس وقاره المعهود، ويسوده جو الاحترام برعاية هيبة المقام.
 
أجل لقد أخذ المترجم العزيز العلم ملازما الحضور لمجالسه بالرباط في سن مبكرة حوالي الحادي عشر من سنه- بعد ما أتقن حفظ القرآن الكريم، ومجموع المتون ورسالة أبي زيد القيرواني، ومختصر خليل، وألفية ابن مالك وغيرها من أمثال ذلك، وثابر على الدراسة بعقل متفتح وذهن صقيل ونفس وثابة وتجرد كامل، وتفرغ محروس برعاية جده الأريحي الكريم الحاج عبد السلام التازي، فقرأ فيها- الفنون المتداولة في عهده- على جلة من خيرة العلماء، كشيخ الجماعة بالرباط أبي حامد المكي البطاوري، والمحقق النوازلي الجيلالي أحمد بن إبراهيم، والقاضي الفقيه عبد الرحمان بناصر بريطل- الذي كان عمدته في أغلب ما حصل عليه من الفنون- والأديبين الألمعيين أحمد بن قاسم جسوس، وأحمد بن موسى السلوي، وحافظ المغرب ومسنده السلفي الكبير أبي شعيب الدكالي، والدراكة المدقق محمد بن عبد السلام الرندي، وبرز نبوغه- أثناء الدراسة- في العهد الأول متفوقا على الأقران فأكبره الخاص والعام، فساورته نفسه الكبيرة لمزاولة مهمة التدريس مندفعا بشجاعة أدبية، توجهه ثقة مثالية صادقة المرمى فتربع على كرسي الدراسة في طور شبابه اليافع، واجتمعت عليه نخبة من طلبة الرباط وسلا، وشهد له الكثير باستحقاقه وكفايته الصالحة وأهليته لذلك، حيث أبان في دروسه عن مقدرة فائقة في التبليغ تتصف باطلاع وسيع مصحوب ببراعة في التوضيح، أعجب لها شيوخه. وأدهشت الأوساط العالمة، وأفادت الفائدة الجلى عددا كبيرا من طلبته النجباء من ناحيتي التحصيل والتمكين، فكنت تراهم لتفانيهم ومحبتهم للحضور في مجالس دروسه- أثناءها دائما- مشرئبة أعناقهم إلى وجهته لا تلتفت يمينا ولا شمالا ولا خلفا- لمعرفة داخل متأخر أو قائم لحاجة- وهو يملي درسه إملاء- كأنه محاضرة منسقة التبويب، مرتبة في تسلسل الموضوع- يحفظه عن ظهر قلب. ويلقيه بصوت حنون مؤثر عذب، يعلو وينخفض حسب مقتضيات مطلوبة، فلا يستطيع الطلبة- آنذاك- أن تتحرك أو تنبس ببنت شفة، أو تتزحزح عن موضعها كأنها في حالة تنويم مغناطيسي? مأخوذة ببلاغة الإلقاء، وفصاحة التعبير، وسلاسة الأسلوب المؤسس على الإحاطة الشاملة للعلوم الأصيلة الإسلامية التي كان يقوم بتدريسها من تفسير وحديث وأصول وفقه ونحو وأدب، وما أضيف إليها من توابع، وقدرته على التحكم في معلوماتها العديدة المتنوعة الأوجه والنظرات، واستطاعته الكاملة في إحرازها مؤمنة برصيد وافر ثمين مكتنز بأنواع من القول شرعي وعقلي لتقديمها للطلبة المتعطشين للاستفادة، والإفاضة فيها بإيضاح منتظم ممتاز بكلام مسهب غير ممل، فصيح طلق مرسل، لا تلعثم في إلقائه، ولا توقف لتأمل، ولا تراجع لاستدراك، كأنه يتلوه من كتاب أمامه، يؤكد كل ذلك ويقوي سنده بالمراجع العالية الهامة، والمصادر القيمة النادرة، تضمنت الالتفاتات التاريخية والأدبية، اكتنزت باستطرادات من الإفادات والإنشادات. مشتملة على نقول جيدة لها صلة بالموضوع خلال الدرس في مستواه العالي، وإني أراني لست أبالغ في هذا العرض، ولن أرغب في شحنه بغير ما عرفت عن مجلس عالمنا الكبير العمدة المقتدر الحجة النقادة، فكل من كان يحضر مجالسه العامرة وسبقت له العناية الإلهية في ملازمة دروسه- صباح مساء- والتملي بما كان يلقى فيها من علوم قد اكتست حلة جديدة رائعة من الإشراق والوضوح بفضل جهوده العلمية وبيانه الساحر، يعرف كل ذلك حق المعرفة، ويتحقق أكثر منه في بعض المواطن أكون قد قصرت فيها لضيق الوقت وذهول الخاطر وندرة المراجع، ورغم الأعمال الدراسية التي كانت تتطلب منه وقتا كبيرا لتحضير الدرس وتهيئه في صورة تناسب همته السامية وتجود بها مداركه المليئة الواسعة، وعلاوة على مهام الحياة الوظيفية التي جذبته للانخراط فيها حوالي الربع الأخير من عمره، وغمرته بكثرة الأشغال المبنية على تحقيق قضايا الأحكام بمجلس الاستئناف الشرعي الذي تقلد فيه أولا استشارته ثم نيابة رئيسه ثم رئاسته، نعم كل هذا لم يمنعه من الاهتمام بالتأليف، أو يحل بينه وبين هويته زمان التحصيل، فلقد أولع بالاشتغال فيه، وقضاء أوقات راحته به وهو صغير لا زال في عقده الثاني من العمر نحو سبعة عشر سنة، فكانت أول باكورته منه شرحه على قصيدة الأديب ابن عمرو الشهير التي عارض بها قصيدة الشمقمقية وسماه "الفتح القدسي والمنح الأوسي في شرح قافية ابن عمرو الأوسي" أردفه بكتاب "نفائس الدرر على باب الخصائص من المختصر" ثم اتبعه بكتاب "حسن المرافقة بتقرير باب المسابقة" ثم بعد هذا التأليف تاقت نفسه الأبية ذات الشعور الحي والعاطفة الجياشة في محبة وطنه أن يكرس جهده على إخراج شرح حافل قيم على "النصيحة" التي ألفها الإمام الكبير الغيور العلامة المحدث محمد بن جعفر الكتاني المهاجر في سبيل الله احتجاجا ضد المحتل المغير على وطنه، استنهض فيها الأمة المغربية المسلمة في مقاومة المحتل "الكافر" وصده على البلاد بالجهاد، ولقد اختار المترجم العزيز الانكباب على هذا الشرح، والسهر في الليالي الطوال لإتمامه في مدة لم تتجاوز أحد عشر شهرا انتهت في عام 1328 هـ وخرجه في عام 1330هـ- 1911 م، وهو- وقتذاك- ابن ثلاثة وعشرين سنة في طور الشباب الأول المتوثب الطافح- عادة- بالحيوية المغرية اللاهية، ويقال "المرء يدل عليه اختياره"، وفي المثل الغربي: "قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت؟!". ومن تآليفه- أيضا- "إقامة الدليل أو منار السبيل لمختصر خليل" و"الإشراف على أسباب الخلاف" و"أريج الزهر وتفريج البصر بتخريج أحاديث المختصر" و"التنصيص والتمحيص لأحاديث التلخيص" و"نظم الرسالة المستطرفة في كتب السنة المشرفة" لمحمد بن جعفر الكتاني المتقدم، و"حواشي على الزرقاني على الموطأ" وغير ذلك من التصانيف والتقاييد العديدة في شتى الموضوعات، يسألونه عنها أو ينتقيها لطرافتها. وقد يساعده على التأليف بسرعة مع الكيف في التصنيف كثرة اطلاعه المستديم، فلقد اعتكف على المطالعة بانتظام واستمرار منذ صغره، وصرف أيامه بكاملها لها عدا أوقات الدرس وضرورة الحياة، فمما يدل على ولوعه الكبير بها، فأي كتاب جيد أو مؤلف لكاتب مشهور ظهر في السوق أو في الأوساط الثقافية إلا ويطلبه حثيثا بالشراء أو الاستعارة، ويلتهمه التهاما ويعطي لجليسه عنه نظرة مجملة عن محتوياته لا تفلت منها شاردة ينقد محلات الضعف فيه بنزاهة موضوعية، حقيقة لقد جعل "الكتاب" صديقا حميما لا يفارقه في السفر ولا في الحضر بل ولا أيام النزه وأوقات الاستراحة، ومن ذكرياتي- منذ زمان الصبا- حول تفان هذه الشخصية الكريمة في محبة "الكتاب" التي لا تزال تعلق بذهني على طول الزمن ويصعب زوالها لمداها الأصيل في التأثير على توجيهي- وهو أن شخصا منتسبا فاضلا عزيزا لدي من الأسرة تربطني معه روابط وثقى متينة لا انفصام لها بموته- رحمه الله- ولا انقطاع- كانت له صداقة مكينة مع بيت المترجم دعمتها أخوة الانتساب الممتدة من أبيه- الذي تركه في المهد- إلى عمه- رحمهما الله- وبقيت بعد هذه الأخوة على حالتها من الصفاء والوفاء، وكثيرا ما كان يزوره مفردا أو مع بعض الأصدقاء، ويدعوه- دوما- بأبي الغربي، تقديرا لوفائه ومحبة لإخلاصه، ومرة زاره مستعجلا- وصادفني الحال حضوري معه- فاستدعاه للخروج صحبته برفقة الحاج أحمد التازي أحد قربائه لقضاء نزهة خلوية ببستان في ناحية شالة فلبى طلبه في الحين تكريما لمقامه العلمي، ولما رجعوا بعد قضاء ما يقرب من أسبوع، سألته كيف مرت نزهتكما مع "سيدي المدني" فأجاب على أحسن حال، ولكن لم نجتمع معه إلا قليلا فقلت باندهاش ولماذا؟ فقال استقر في بيت هناك وعن يمينه عشر مجلدات ضخام، يطالع الأول فالثاني فالثالث إلى آخرها، وينقل منها على التتابع حتى استنفذ ما يريده، وقال: لما سألته ما هذه الكتب؟ أجاب هي "مجلدات دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي أتت من الشرق حديثا"، ولقد اضطررت لإيراد هذا ولو كان في جانبه ما يرمي لنطاق شخصي، فإن في بعض دلالته ما يفيد عن جزء هام من حياته الخاصة الثقافية"، حقا لم يقنعه الكتاب ولم يغنه- أبدا- عن مصاحبة المجلات والجرائد ذات الجودة والطرافة "كالمقتطف" و"الهلال" و"العرفان" و"والمنار" و"الأهرام اليومية" و"المقطم اليومي" و"السياسة الأسبوعية" و"الرسالة" و"الثقافة" زيادة على الجرائد والمجلات التونسية "كالزهرة" و"الزهو" و"النديم" والثريا" و"البصائر" الجزائرية، وما يصدره المغرب من ذلك. وتراه يتفكه بما تذكره جريدة "النديم" التونسي من نكات عذبة فحواها الأحوال السياسية- آنذاك- مع الطلبة، ويتحدث معهم عن حديث الصاوي اليومي في جريدة "الأهرام" المصرية معجبا بقوله الموجز المركز ومبتسما بارتياح لعنوانه الظريف "ما قل ودل" وفي مطالعته لكل ذلك، يكون لتتبع الأحداث السياسية العالمية وعلى الأخص أحداث البلاد العربية والإسلامية وقد تشعر لدى مجالسته أنه على خبرة تامة فيما تدبره لها الدول الاستعمارية من مؤامرات، وما تحيكه- حينذاك- الدول الكبرى ذات الأطماع الاقتصادية في الخفاء من مكايد، كما كانت له- أيضا- دراية واسعة برجالاتها السياسية وأدبائها رواد النهضة يحدث عن كل واحد منهم كأنه لازمه عن كثب، ويذكر كتبهم لا ذكر العناوين فقط، بل معرفة موضوعاتها واستقصاء ما فيها بروح خبير نقادة يبرز الأخطاء وينبه عليها بعض طلبته الولوعين بالاطلاع، ويزيدهم فائدة وتشويقا وترغيبا لتقوية حياتهم الثقافية، فيحدثهم عن مميزات هؤلاء الرواد الشخصية بذكر بعض كتبهم ويسوغها- بروح فكاهية ودعابة في الأسلوب فيقول- قدس الله روحه- مبتسما، طه حسين نظراته في "الشعر الجاهلي" جعلته من "قادة الفكر" بعد "الفتنة الكبرى"، والعقاد "عبقرياته" و"الله" و"ساعات بين الكتب"، وأحمد أمين ذوقه الخاص في الإسلام عند "الفجر" و"الضحى" و"الظهر"، والمازني "في الطريق" و"من النافذة" و"صندوق الدنيا" وبعد "حصاد الهشيم" كـ "قبض الريح"، وأحمد حسن الزيات "وحي الرسالة" الأحمدية في ثلاثيات الافتتاحية، وتوفيق الحكيم عنده "زهرة العمر" في "عودة الروح" مع "أهل الكهف"، ومصطفى صادق الرافعي "وحي القلم" أبعده من النار "على السفود" منتصرا "تحت راية القرآن"، وزكي مبارك "وحي بغداد" ألهمه الكتابة في "ليلى المريضة في العراق" بـ "النثر الفني" ومحمد حسين هيكل عنده "ثورة الأدب" في "منزل الوحي" "في أوقات الفراغ"، وكل من خالطه يدهش كثيرا لسرعة استحضاره للثوريات والنكات المليئة بالالتفاتات التاريخية والأدبية، توجد ضمنها معلومات عديدة معبرة عن غزارة في التنوع دال على سلامة ذوق في حسن اختيار وحبك عرض، أما حديثه عن الشرق العربي وحركاته الاستقلالية، فلقد كان على إلمام كبير بها يحيط بما يروج في الأوساط من انقلابات واضطرابات تسببت عن إضرابات شعوبها المتوثبة ضد كابوس الاستعمار الجاثم بالبلاد، وعلى تطور الأحوال فيه إلى جانب التحرر والتخلص من نير القيود إلى حياة الاستقلال الطليقة، يلم بكل ذلك كأنه هنالك شاهد عيان، وهذا الأمر- حقا- يدهش بعض القراء الذين لم يسبق لهم التعرف به والحضور في مجالسه، وكان- قدس الله روحه- يتعمد سوق هذه الأخبار المثيرة الموقظة للمشاعر الخامدة، أثناء الدرس- لأدنى مناسبة- وأحيانا يسبح ذهنه المكتنز لتفصيل بعض القضايا السياسية الهامة فيه تكون حديث الساعة فيحمد الكل البيان عنها، ولا يقتصر في عمله التوجيهي هذا على حلقة الدرس، بل وفي الندوات الشعبية- أيضا- التي كان يحضر فيها، وفي مجالسه الخاصة بالنخبة المثقفة، قصد بث الوعي، وإحياء الشعور الوطني الكامن في النفوس وتكوين فوج صالح من طلبته الكثر كي يتحملوا مسؤوليات البلاد بصفة إيجابية عاملين لخدمة مصالحها، والعمل على استرداد مجدها في دائرة الحرية التامة، وهذا الموقف الجليل للمترجم علمه الكثير من خلطائه وأصغيائه، وإني لا زلت أذكر من أيام عامرة غابرة عن تلكم الجماعة الصغيرة التي كانت تجتمع يوميا- بعد الظهر- في بستان يطل على البحر المحيط خارج باب العلو، تطربها نغمات قوادس بئر السانية، وبرفقتها "ندماء أعزاء" كتب عصرية ومجلات علمية أدبية وجرائد سياسية، تتسرب- كل حين- من الشرق العربي، تطالعها وتناقش عما فيها، وكان من أفرادها الأخ الغيور المرحوم مولاي الطاهر الرفاعي، فيحدث لها- أثناء المناقشة- لمزيد من التعرف عن مسألة سياسية أو أدبية- توقف في فهمها قد يطول بعض المرات، ويسوء بتخييم السكوت فيقف عند ذاك مولاي الطاهر- وسط الجماعة- تعلوه روح حماسية، مقطبا ما بين عينيه، متأففا من كثرة الجدال والنقاش دون جدوى، وكان- رحمه الله- ضريرا "بصيرا" مدركا نابها متوقد الذكاء ذا وعي صادق وشعور وطني خالص، فقال بصوت جمهوري متسم بتوتر عصبي، فما هذا السكوت فلنسأل "سيدي المدني" فعند جهينة الخبر اليقين!، ولم يكن نشاطه العلمي وأثره الثقافي منحصرا في حلقات دروسه في مساجد الرباط أو ندواته الأدبية التي يحضر بها أو مجالسه الخاصة، بل كانت له جولات في بعض المدن المغربية يلقي فيها بعض الدروس كطنجة ومراكش ومكناس، وبفاس مرارا ترأس امتحانات جامع القرويين، وكان من أطيب الفرص اتصاله المباشر بجلة من علمائها ونخبة من طلبتها، وكثيرا ما كنت أسمع ممن اجتمعت بهم من بعض علمائها وطلبتها من الثناء على أخلاقه الفاضلة والتنويه بعلمه الغزير واقتداره في فنون شتى، بفكر متفتح، ووسع في المدارك، بل تعدى اتصاله هذا بأثره العلمي إلى أقصى الجنوب، مع رجالات علماء سوس وعلى رأسهم الأخ الجليل الفهامة المفيد مؤرخ سوس "العالمة" المرحوم المختار السوسي أحد طلبته النجباء المعجبين به، ومن الذين ارتووا من معينه الفياض بحظ وافر، والمفتخر أكبر الافتخار بالتلمذة عليه، والأخذ عنه في عدد من الفنون بتقدير وإعجاب، والذي كان يعد السنوات التي قضاها ملازما لحلقة دروسه هي محطة انطلاق بالنسبة إليه في تحويل وجهته العلمية والأدبية إلى تفتح ذهني قابل لمطالعات كتب عصرية وجرائد ومجلات مختلفة الميادين، والخروج من نطاق ضيق محلي بوعي هادف لغاية ثقافية، غير مقتصر على التراث القديم فحسب، وذكر غير ما مرة أنه ترجم له ترجمة حافلة في كتابه "أساتذتي الحضريون" استعرض فيها- كما قال- ذكريات جميلة طريفة عما استفاده من مجالسه العلمية فضلا عن هذا فلقد كان المترجم العزيز من جملة العلماء الكبار المرشحين للحضور في أوقات المجالس الحديثية الملكية في العهدين "اليوسفي" و"المحمدي" ولقد كلف فيها بتدريس صحيح الإمام مسلم ابتداء من عام 1357 هـ- 1938 م فما بعدها، وأبرز في مجلس تدريسه براعة فائقة في قوة حفظه للحديث، وإتقان تام لمصطلحاته، مصحوب كل ذلك بذاكرة واسعة المدى في استيفاء معرفة رجاله على اختلاف طبقاتهم، محدثا عن مكانتهم بفيضان من القول مسترسل لا توقف فيه، يعيد للتاريخ بصورة شخصه الكريم الحية إملاءات حفاظ السلف في العصور المجيدة للإسلام، مما أذعن له خصوم المعاصرة قبل إعجاب الحاضرين، وكان لدروسه صيت حسن محمود خارج المجلس، هذا ولم يقتصر- قدس الله روحه- في التوجيه، وبث الوعي وتحريك الشعور الوطني على الجيل الصاعد من الشباب فحسب الذي كان يتعاطى الطلب في مجالسه أو من كان يتصل به من نخبة تلاميذ المدارس الحكومية استكمالا لثقافتهم العربية، بل كان يرعى بكامل الاعتبار عن كثب الأطفال الصغار الذين كانوا يزاولون تعليمهم في المدارس الحرة- التي تكونت- أول ظهورها- في المغرب متواضعة في أمكنة بسيطة المبنى من زوايا ومساجد مهجورة ترفرف عليها روح الإخلاص، وصدق النية، وحب مثالي للعمل، فانتشرت فكرتها الطيبة في ربوعه فتأسست في البداية بالمدن الرئيسية كفاس ومكناس والقنيطرة وسلا والرباط والدار البيضاء والجديدة وآسفي ومراكش والصويرة وكان رؤساء جيش الاحتلال- حينذاك- يطلقون على مجموعها "بؤرة الخطر!" ولم يستطيعوا القضاء عليها جهارا للشعار الديني الذي تحمله، ولكن أغروا أساتذتها المبرزين بزيادة الأجور بانتقالهم إلى المدارس الحكومية. فخربت وأقفل معظمها، نعم فهذه المدارس الحرة التي استعرضت حالتها بإيجاز، كانت محل اهتمامه الكبير في كل حين يعلق على أبنائها المتخرجين آمالا كبارا في تكوين نخبة منهم تكون ذا ثقافة عربية تتسم بروح العصر متحررة من قيوم الرجعية، والجمود العائق في السير رفقة الركب "المدني" كي تتجاوب رغباتها مع المطامح التحررية التي صارت- وقتذاك- تظهر بوادرها في الشرق العربي بسرعة في الأوساط كالشرر، ولقد حقق الله آماله في بعض الأفراد الذين ارتووا من معينه الغزير بحظ وافر، فبرهنوا على ذلك بكفايتهم في العلم والأدب والسياسة الشاهدة عليهم أعمالهم الإيجابية المحمودة التي قاموا بها في ميادين التدريس والتأليف والدعوة إلى الإصلاح، وفي الحقل الوطني اليانع بفضل مساهمتهم الفعالة في ازدهاره، وكان اهتمامه الكبير لهذه المدارس الحرة جعله يتفقد أحوال الموجودة منها بالرباط ويتتبع باستفسار دائم سير أعمال تعليمها، ويزور مرة مرة- القريبة من منزله كمدرسة درب والزهرا (الزاوية الحراقية) والمدرسة الشدادية (بالزاوية الكتانية) وكان يحضر حفلاتها، ومن ذكرياتي العزيزة في عهد الصبا التي لا يمكنني نسيانها ولا محوها من ذاكرتي حفلة أقيمت بمدرسة والزهراء، بمناسبة انتهاء السنة الدراسية سنة 1339هـ- 1920 م تحت إشراف لجنة إدارتها المركبة من المرحومين الأديب النقادة الطلعة الأريب أحمد الزبدي، والوجيه الكريم المفضال الفاطمي بركاش، والغيور المتفتح المقدام المعطي بوهلال وبالرئاسة الفعلية لمترجمنا العزيز، فلما اكتمل الحفل بمجيء بعض آباء التلاميذ، قام الرئيس الكريم بسمته الحسن وطلعته البهية، وتبعه في القيام أعضاء اللجنة والمدعوون، ووضعنا المعلم نحن الصغار- أمامه- جالسين- صفا صفا- عن قرب منه تلبية لرغبته في مواجهتنا له وبيننا على اليمين والشمال التلاميذ الكبار والمعلمون يطوفون حولنا لتهدئتنا وسكوننا وفي فترة الهدوء والسكون المراقب، أخرج "الرئيس" صحيفة اشتملت على قصيدة خفيفة المبنى لطيفة المعنى سهلة القافية تساعد الطفل على حفظها فألقاها علينا والكل يصغي لصوته الهادئ الحنون المؤثر بانتباه زائد، فقال في طليعتها:

أبناء قومي إليكم ترسل الخطب
                 ونحو تهذيبكم تسلسل الكتـب
فإنكم بعد حين من زمانكم
                رجالنا في غد إذ أنتـم النجـب
قوموا بجد إلى تحقيق بغيتنا
                ونيل مطلبنا منكـم كمـا يجــب

إلى أن قال:
ولازموا حب أوطان لكم أبدا
              وسابقوا واسبقوا فحظكم قصب
أنعمت فكري في بحث وفي نظر
              وجلت فيما به تستدفع الكــرب
فلاح لي أنه ما من فلاح لنا
              إلا بخــدمتــهـا فإنــها السبـــب

 وقد استنسخها- آنذاك- عدد من التلاميذ ذوي القرائح الطيبة، وصاروا يرددون قطعا منها على جماعتهم بنغمات أصوات صبيانية حلوة، وانتشر ذكرها وحفظها في الأوساط المدرسية الأخرى حتى في خارج الرباط، بل انتشارها- أيضا- بمفعول أثرها قد تعدى إلى المدارس الحكومية? مع قصيدة أخرى له مثيلتها في خفة المبنى وسهولة القافية وسمو المقصد. كان ألقاها على تلاميذ المدرسة الشدادية بمناسبة انتهاء سنتها الدراسية 1341هـ- 1922 م تلك المدرسة التي كان يدير شؤونها ويشرف على التعليم فيها المرحوم المربي المنتسب الخطيب الموفق الصديق الشدادي، وفي طليعتها:   

بني قومي أفيقوا من منــام
             وجـدوا في المعالــي باهتمــام
فما نيل المعالي بالتوانـي
             ولكــن بالعزيمــة والنظــــــام
لقد كنا وكان العرب قدما
             هدأة الخلق مــن ســام وحــام

إلى أن قال:
فكونوا خلفهم خلفـا حميــدا
            يجــدد مــا تناثـــر من نظـــــام
وكونوا مثلهم فضلا ومجـدا
            فينجو الكــل مــن مــوت زؤام
إلى آخرها

  وعلاوة على هذا كان- رحمه الله- سامي الهمة، أبي الشعور، قوي الإيمان، لا يتعاون مع المستعمرين رؤساء جيش الاحتلال في أي حال، ولا يؤدي لهم أي خدمة ترمي لمصالحهم تمس بشرف وطنه وكرامته، ومن ذلك لما قامت الحرب العظمى بدافع ألمانيا النازية، وعمت موبقتها، وانتشرت في أسرع حالات وحشية محطمة لمعالم الحضارة ومآثر الأمم في كثير من بقاع العالم، وبصفة خاصة البلاد المجاورة لألمانيا، ووقتذاك- فقد طلبت السلطة- لمكانة المترجم العزيز الكبرى المحتلة في قلوب الأوساط الشعبية- ترشيحه على أن يكون ضمن شخصيات من علماء مغاربة يلقون محاضرات في برنامج أسبوعي خصصته "الإذاعة بالمغرب" لنشرها وسط المجتمع المغربي كأبواق للدعاية في تأييد دولة فرنسا وإعانتها في الحرب القائمة بالجنود والتموين جزاء "الصداقة" بينها وبين المغرب، والوفاء بالعهد لتحملها أعباء الحماية، والاستمرار في الاضطلاع بمسؤولياتها!! كتعبيرهم حينذاك- فأبى وامتنع كل الامتناع باعترافه بهذا الترشيح الداعي للمشاركة في هذا البرنامج المزري بمقامه، غير عابئ بالظروف الحرجة التي كانت تسود البلاد المبنية على حالة الطوارئ التي استلزمتها نوائب الحرب وكوارثه، فتدخل في الأمر- للتخفيف من التوتر الناتج عن امتناعه- أحد كبار المسؤولين من المغاربة- خشية إذايته من جانب المستعمر الغاشم- ففاتحه بطريق ودي على أن يلازم منزله في هذه الفترة المؤلمة- ريثما تنجلي هذه الزوبعة المؤسية- نظرا لمكانة شخصيته المحبوبة من الجميع، وقد شاع هذا الامتناع في الأوساط الشعبية وغيرها فحمد الكل موقفه البطولي المشرف- الذي تحدى به رغبة السلطة- المبني على شجاعة مؤمن مخلص لمبادئه الدينية، وقدروه بكامل الاعتبار والتقدير، وزاد في أعينهم هيبة واحتراما ومحبة، ومن جهة أخرى كان في حياته الوظيفية لا يتهاون في تحقيق الأحكام الشرعية المنوطة به لتحقيقها وأخذ نظره فيها، فلا يساعد في فتح باب الرخص وحشد الأقوال الضعيفة لتقوية أي مسألة تعرض عليه وتلوح الرغبة فيها لإيجاد مخرج شرعي لها يتناسب مع ما تقتضيه الحالة التي يعيشها المغرب في إطار الحماية الأجنبية. فيأبى كل الإباء الخوض في البحث عن أقوال مرجوحة لتوجيهها على مقتضى رغبة الطالب، بل ولا يعتمد في تثبيت الحكم إلا على صريح النقول وأوثق النصوص، ولا يعبأ بأي مصدر صدرت منه- ما دام مخالفا للصحيح عنها، ولا يتأثر بمساعي نفوذه وقوته، للعمل على جواز هذا الترخيص، ورجالات "المخزن" وعلى رأسهم عاهل البلاد كانوا يعرفون منه هذا الموقف الحازم المشرف الذي يأبى فيه السير مع هوى السلطة المحتلة ويعهدونه- دوما- من خصاله الحميدة، ويسرون لذلك- في أنفسهم، ويحمدونه منه اعتبارا وتقديرا. وكانت إدارة الاستعلامات تتبع منه هذه المواقف ومن أمثاله المخلصين بكامل الاهتمام وبالغه لأنها تعد ضد أعمال "الحماية" وعائق كبير لتعطيل مصالحها الاستعمارية، وتحفظها في ملفها "الأسود" ريثما تأتي الفرص الملائمة في نظرها لتحطيم شخصيتهم، والقضاء عليها في عيون الشعب، ومن قلوبهم باختلاف وسائل مختلفة تزري بقدرهم، وأكاذيب تشوه سمعتهم بين الناس وإذاعتها بأساليب مصطنعة من طرف خفية قد تجوز حيلتها على "المغفلين"، ومن المعلوم الشائع عن ساسة الاستعمار في حبك المكائد أنهم إذا اشتدت عليهم الأزمات في الأمم المستضعفة الجاثمة عليهم بالكابوس الثقيل، وتكاثرت- بوعيها- الضربات على هدم مخططاتهم، وضاقت بهم الأنفاس وحاروا في الحلول، عمدوا أولا وقبل كل شيء إلى تحطيم سمعة شخصيات ذات مكانة أصيلة شعبية، بأخبار ملفقة عنهم يختلقونها لمناسبة عارضة تعينهم على جواز ذيوعها وتخدير الجو لتصديقها كي تبعدهم عن صفوف الشعب خوف أن يلتف حولهم فيزداد قوة في أوار نار اشتدادها، وتحويل شرره بسريان سريع إلى طريق شائك معشوشب، لا تحمد عقبى ذلك السريان بالنسبة لمؤامراتهم المدبرة المليئة بأنواع الظلم وأشكال الاستعباد، وهذا نفس ما وقع في حق المترجم الجليل القدر العظيم الشأن النزيه السيرة منذ حياته الأولى العامرة بالخير الحافلة بالمكرمات، لما نفي جلالة الملك محمد الخامس- قدس الله روحه- مع عائلته الكريمة، ووضعوا مكانه شخصا خاملا من الأسرة صنعوه ليشغل مقامه!، وفي هذه الحالة الكئيبة الجو المكهرب المحدث عن عواصف مقبلة، رأوا الفرصة سانحة لتحطيمه وإبعاد قلوب الشعب عنه، فغمروه بكثرة الاستدعاءات وتوالي الاتصال بالتلفون ليصعد للقصر الملكي للحضور يوم تنصيب "دمية المهزلة" ولعزيمته الثابتة وإيمانه القوي بالله لم يلب الطلب في ذلك اليوم المشؤوم رغم التهديدات- لوجوب مشاركته فيه وبعد هذا قدم استقالته للسلطة القائمة في اسم الشخص الذي نصبته متوجا بالهالة المزورة المحبوكة بالدسائس- كما تقتضيه الإجراءات القانونية والنظم الإدارية لتسويغ قبولها بصورة رسمية، ولكن قوبل منه ذلك بالرفض وبمزيد من التهديد والوعيد بالتنكيل، وأشاعت خلاف الحقيقة بواسطة جواسيسها العملاء بين صفوف الشعب قصد إهانته وتجنب مجالسه الخطيرة على سياستها الخرقاء، حقا فما وراء سطور تقديم هذه الاستقالة في ظروف أيام التنصيب المصطنع العصبية، ورفضه للحضور في يومه بالضبط لدلالة قوية غنية عن البيان، واحتجاج صارخ معبر بصراحة تامة لا غموض في فهمها، على عدم الاعتراف بهذه الدمية المنصبة كملك شرعي للبلاد، ولن يستطيع أن يقدمها في تلك الأيام المضطربة ببلبلة الخواطر، والمحاطة بحذر الطغاة اليقظين، إلا شجاع الجنان أبي النفس، مؤمن أقوى الإيمان بأحقية قضية البلاد الشرعية، وبكل أسف جازت حيلة هذه المكيدة المدبرة على بعض النفوس الضعيفة الكليلة النظر التي تنظر الأشياء بمنظر سقيم لا يميز إلا ظاهرها المغلف بسياسة "الواقع"، لا الحقيقي المستكن تحت سحب كثيفة حالكة، التي لما انجلت ظلمتها وصفا الجو من أكدارها وانفرجت الأزمة برجوع عاهل البلاد الشرعي من منفاه، ذهبت الإشاعات المكذوبة مخذولة من بين أوساط الشعب وغيره، وانمحت من الأذهان أثرها السيئ المؤلم و"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"! صدق الله العظيم.
  وفي الختام أود أن أكون قد أديت في هذه الكلمة بعض الشيء الواجب علي في حق هذه الشخصية العظيمة ذات الأبعاد الكبيرة بالنفع العام في كثير من الميادين العلمية المعززة بروح الإسلام والمبنية على أهدافه السامية. والتي تعد من مفاخر المغرب المحتلة لمكان مشرف بين عظمائه المبرزين الذين فرضوا وجودهم باستحقاق كامل لأعمالهم الإيجابية لخدمة الصالح العام، فكانوا بذلك في صف طليعة رجالات العالم الإسلامي الحاضر أصحاب الدعوة الإصلاحية العاملين على إيقاظ أممهم ونهضتها من السبات العميق الطويل، وتجديد بناء صرح الإسلام على أسس متينة بقوة الإيمان وثبات العزيمة وسمو الأخلاق والخروج من الجهالة الموبقة بالمعرفة الصادقة.
 
وأخيرا أقدم رجائي لوارث سره الأخ الحميم البحاثة الفهامة ذي الذوق السليم سيدي عبد الكريم على أن يفتح لنا بابا من "التسهيل" لمراجعة بعض إنتاجه وبصفة خاصة شرح "النصيحة" القيم لنشر كلمة أخرى تعبر عن حياته- رحمه الله- من خلال أقواله، وتعرب عن ذاتيته الحق بعبارات من شق قلمه بيانها أجلى ومنطقها أقوى ومعلوماتها أوثق تغني عن التعليق والفروض والاحتمالات، وللأخ الكريم كامل الاعتبار والفضل الجزيل سلفا والسلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here