islamaumaroc

السيد جمال الدين الأفغاني فيلسوف الجامعة الإسلامية

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  عاش صاحبنا كالطير فوق الغصن، متنقلا من بلد إلى بلد، باحثا عن الحرية والعزة والكرامة، داعيا إلى الوحدة الإسلامية، وإلى تجديد الفكر الإسلامي، بلسانه الساحر، وقلمه البليغ، وذكائه النادر، وإيمانه الراسخ، وعزيمته الصادقة، في وقت تفككت فيه عرى الجامعة الإسلامية، وضعفت فيه روح المسلمين، وتقلص نفوذهم، وخارت قوتهم الحسية والمعنوية، وصاروا فريسة للاستعمار الغربي وعملائه وأذنابه الذين طاردوا صاحبنا ولاحقوه أينما حل وارتحل، للقضاء عليه وكبت دعوته، وتحطيم مبادئه وتشويه تعاليمه، بكل ما أمكنهم من مال ورجال، وحيل وخداع، تارة يسلكون معه سبيل الإغراء والإغواء، وتارة يلجأون إلى التهديد والوعيد، فلم ينفعهم ذلك أمام شخصيته القوية الكبيرة، ولم ينجحوا في الاستحواذ على الرجل الذي كرس حياته لخدمة الإسلام والمسلمين وإعلاء كلمتهم وإعزاز دولتهم، زاهد في متاع الدنيا وزينتها، معرضا عن فتنتها ومباهجها، فهو كما وصفه الأمير شكيب أرسلان رحمه الله: «لم يكن يؤخذ لا رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد كان راغبا عن الدنيا بحذافيرها، وأم الرهبة فلم يكن يعرف الخوف إلى قلبه سبيلا». ذلكم هو مفخرة الإسلام والمسلمين، وفيلسوف الجامعى الإسلامية، السيد محمد جمال الدين الحسيني الأفغاني رحمه الله ورضي عنه.
  ولد السيد جمال الدين الأفغاني في قرية (سعد أباد) سنة 1254 ’ – 1839 م. ويتصل نسبه بالإمام الترمذي المحدث المشهور رحمه الله، ويرتقي إلى سيدنا الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهما، فهو من عائلة عريقة في المجد والشرف، وبسبب ذلك كان رحمه الله يدعى بالسيد، وكان السيد فخورا بنسبته لآل البيت رضي الله عنهم.
 نشأ السيد في (كابل) عاصمة الأفغان، ولم يستكمل الثامنة عشرة من عمره حتى كان قد أحاط معرفة بالعلوم النقلية والعقلية، وكان في مستهل حياته منفي المذهب، إلا أنه بعد ذلك مال إلى الاجتهاد، وهو على تمسكه بالسنة الصحيحة وسلوكه مسلك الصوفية، حاول أن يعقد أواصر ألفة ووحدة بين أهل السنة والشيعة قائمة على أساس المودة بين أهل السنة والشيعة قائمة على أساس المودة والتسامح. وقد أتيحت الفرص للسيد لأن يكون شخصية بارزة في البلاط العثماني، ولكنه اختار أن يعيش حرا، وأن يسلك سبيل المصلحين.
وقد ذكر مؤرخو حياة السيد أنه كان «جذاب الملامح، طلق المحيا، قوي الحافظة، شديد البكاء، فصيح اللهجة، بليغ العبارة، مليح النكتة، كريم النفس، كثير الحلم، فاطما نفسه عن الشهوات، كثير القيام بالليل، لا يأكل إلا مرة واحدة في اليوم، مع ولع شديد بشرب الشاي والتدخين.» ووصفوه كذلك بأنه «كان فيلسوفا وكاتبا وخطيبا وصحفيا، ولكنه كان فوق ذلك سياسيا، وكان في نظر المعجبين به وطنيا عظيما، أما خصومه فكانوا يعدونه مشاغبا خطيرا.»
ووصفوه أيضا بأنه «الباعث الأول للروح العصرية في الإسلام».
  وذك الأمير شكيب أرسلان أن السيد لم يتزوج في حياته، وأن السلطان عبد الحميد العثماني راوده على الزواج وحاول أن يعلق قلبه بالمال والبنين، فقال له السيد «قضيت حياتي مثل الطير على الغصن، فلا أريد في ءاخر حياتي أن أتعلق بعائلة.« وزاد الأمير يقول أنه كان مسامرا عنده مرة فقال له أحد الحاضرين: يا مولاي، لماذا لا تتأهلون ويكون لكم الذرية الصالحة؟. فلم يعجبه قوله!. ولما انصرف الرجل قال السيد للأمير «لم تدخل روح الفلسفة  في هذه الأمة!» وفسر الأمير كلام السيد بقوله «مراده أن الفلسفة لا تبالي بالنسل والذرية، وان الفلسفة قلوبهم في شغل شاغر عن ذلك!»
  وكان السيد زاهدا في المظاهر والرتب، وقد عرضت عليه رتب مرموقة فرفضها، وأوسمة رفيعة فأبى أن يقبلها. ولما سأله الأمير شكيب عن ذلك قال: «أكول كالبغل يحمل على صدره الجلاجل؟!»
وكان السيد زاهدا في المال أيضا، لا يدخره، ولا يأخذ منه إلا ما هو ضروري للحياة، بل إنه كان عفيفا أبيا حتى في أحلك الأوقات وأصعب اللحظات، فمن ذلك ما روى عنه أنه حينما كان مقيما بمصر وصدر الأمر بنفيه منها، نقل إلى السويس ولم يكن معه أكثر من ثلاثة جنيهات وبضعة قروش فضية أخذت منه جميعا، فامتطى من البحر وليس معه شيء من المال. فلما علم بذلك قنصل انجلترا وقيل بل قنصل إيران تقدم لتشييعه و عرض عليه مبلغا وافرا من المال، فأبى السيد أن يأخذ منه شيئا وقال له: «أنتم إلى هذا المال أحوج، الليث لا يعدم فريسته أينما ذهب!»
  وقضى السيد حياته متنقلا بين الشرق والغرب يدور كعقرب الساعة، ناشرا دعوته الإصلاحية، غارسا بذور الجامعة الإسلامية أينما حل وارتحل، وكان إذا سئل عن وطنه أجاب «ليس لي وطن!.. ولا وطن اليوم للمسلمين!» ويعي بذلك أن وطنه هو العالم الإسلامي بأجمعه، وان المسلمين غرباء في أوطانهم ما دام الاستعمار الأجنبي يسيطر عليهم.
                                                     - * -
 كان السيد فيلسوفا للجامعة الإسلامية التي وصفها الأستاذ لوثروب في كتابه (حاضر العالم الإسلامي) بأنها شعور بالوحدة العامة والعروة الوثقى لا انفصام لها بين جميع المؤمنين في المعمور الإسلامي.» ويقول المستشرق جولد زيهير بأن «جمال الدين بقلمه ولسانه كان أصدق ممثل لفكرة الجامعة الإسلامية». وقد أصدر السيد في باريس مجلته الشهيرة (العروة الوثقى) لنشر مبادئه ودعوته.
  وتتلخص مبادئ السيد ودعوته في: إشعار العالم الإسلامي بوجوب امام العالم النصراني الذي ما زالت الروح الصليبية كامنة فيه والتعصب الديني يسيطر عليه، ولذا فالشعوب النصرانية متفقة على عداء الإسلام والمسلمين، ويتجلى ذلك العداء في جميع المواقف. فهم يريدون إذلال المسلمين وسحقهم، ويعتبرون ما فيهم – أي المسلمين – من عزة قومية ونفس أبية وشرف وطني، تعصبا مذموما وأنانية ممقوتة. بينما يعدون تعصبهم هم – أي النصارى – تعصبا مباركا وقوميتهم قومية مقدسة ووطنيتهم وطنية معبودة. وكل هذا يفرض على العالم الإسلامي أن يتحد اتحادا عاما دفاعيا وثيق العرى، وان يتكتل في إطار جامعة إسلامية ليستطيع بذلك الدفاع عن نفسه وكيانه.
ويبين السيد مراده من (الجامعة الإسلامية) فيقول: لست أعني أن يكون لهم – أي للمسلمين-  إما واحد، وإنما أعني أن يكون إمامهم القرءان.»
  ويذكر الشيخ عبد القادر المغربي ما رواه عن السيد حول هذا المعنى أنه قال: «إننا معشر المسلمين إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرءاننا فلا خير فيه، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق.» فقال له الشيخ عبد القادر: «ولكن إلا ترى أيها السيد فرقا بين حالتنا اليوم وحالتنا منذ ثلاثين سنة من حيث الرقي والأخذ بأسباب العمران مما يصح لنا القول بأننا قد تقدمنا تقدما ملموسا». فأجابه السيد: «أن ما نراه اليوم من حالة حسنة فينا هو عين التقهقر والانحطاط!» قال الشيخ: ولمه؟ أجاب السيد: لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوربية، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب والاستكانة لهم، والرضى بسلطتهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الإسلام التي من شأنه رفع راية السلطة والتغلب، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي.» قال الشيخ: وما هي الطريقة القويمة التي ترى أن نسلكها لنتوصل إلى التمدن الصحيح؟. أجاب السيد: «لابد من حركة دينية». قال الشيخ لم أفهم معنى الحاجة إلى الحركة الدينية التي تدعو إليها!. فأجابه السيد: «إن الحركة الدينية هي كتابه عن الاهتمام بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم لبعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل، ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد ءاخر الزمان أو قرب انتهائه فهما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح مما لا عهد للسلف الصالح به، فلابد إذن من بعث القرءان، وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها لهم على وجهها الثابت، بحيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادته دنيا وأخرى.» ثم قال السيد أيضا: «أن العرب قبل إنزال القرءان عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف،فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلما وفلسفة وصناعة وتجارة، وكل هذا لعمري لم ينتج إلا عن هدي القرءان، وإرشاد القرءان، فالقرءان وحده الذي كان كافيا اليوم أيضا في اجتذاب الأمم القديمة وهدايتها جدير أن يكون اليوم أيضا في اجتذاب الأمم الحديثة وهدايتها.» ثم قال السيد: «لولانا .. لولانا.. القصور منا، والتبعة علينا، انصرفنا عن الأخذ بروح القرءان والعمل بمعانيه ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه وإعرابه، والوقف عند بابه، دون التخطي إلى محرابه!». انتهى ما نقله الشيخ عبد القادر المغربي عن السيد حول القرءان والحركة الدينية.
 وكان السيد ينتقد نظم التعليم ومناهجه، ويدعو إلى وجوب تجديد الفكر الإسلامي، وإلى إصلاح التعليم إصلاحا جذريا وجعله في مستوى العصر. وبقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله أن السيد «هو الذي نفخ في الأزهر روح النهضة وغرس بذور التقدم الفكري والعلمي، وقد بدت ثمارها بظهور المدرسة الحديثة التي حمد لواها الأستاذ الإمام محمد عبده في الأزهر وخارج الأزهر.»
 وكان السيد يرى أن الإسلام دين عام عالمي، قادر تمام القدرة على ملاءمة الظروف في كل جيل. وكان يرى أن الأوربيين مستعدون لقبول السلام إذا أحسنت الدعوة إليه، وأن الأمريكيين أقرب من الأوربيين إلى قبول السلام، ولكن ذلك يتوقف كما قال على «علماء يصلحون للدعوة ويدخلون إليها من بابها المعقول». وكان السيد يرى في علماء عصره أنهم «نفروا للمسلمين من الإسلام فأجدر أن ينفروا الكافرين!» ولذا كان يدعو إلى تخريج طائفة من العلماء يصلحون للدعوة، وكان يتلو على من يرى فيه المقدرة على الدعوة قوله تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».
 وهذا هو مجمل مبادئ السيد ودعوته وفلسفته التي لقي في سبيلها البلاء، وذاق من أجلها الغربة والاضطهاد. ولكنه لم ييأس ولم يستسلم. وقد كان يعرف جيدا أنه ليس من السهل توحيد الامة السلامية وإنقاذها بالسرعة المطلوبة بعد أن فسدت أخلاقها وتشتت شملها. وقد ذكر الأمير شكيب أن السيد قال له مرة «أن المسلمين قد سقطت هممهم، ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شيء واحد فيهمن وهو شهواتهم!» وقال أيضا «بأنهم اتفقوا على ألا ينفقوا» ومع ذلك فإنه لم ييأس من الإنقاذ والإصلاح، وقد تعززت مواقفه بتلميذه الشيخ محمد عبده الذي كان وفيا لأستاذه مؤمنا برسالته، وكان يصدر معه في باريس مجلة العروة الوثقى. على أن الشيخ عبده كان يشعر أحيانا بصعوبة الموقف أو استحالة تحقيق أهداف أستاذه فكان يشير عليه بترك السياسة والانقطاع إلى العلم والدرس، فكان السيد يقول له: «اسكت.. أنت مثبط!» ولكن السيد كان يقدر تلميذه الوفي ويقول في حقه: لا يوجد مثله في مصر.
                                                        - * -
 وكانت طريقة السيد في الدعوة والاقتناع فريدة ساحرة، فهو تارة يلمح وتارة يصرح، وتارة يبشر وتارة ينذر، وهو في تصريه وتلميحه، وفي إنذاره وتبشيره، مثال للشخصية المؤمنة الموهوبة، التي تنجذب إليها النفوس، وتقتنع بتعاليمها الأفكار،  وقد وصفه الشيخ عبده بأنه «كان يلقي الحكمة لمريدها وغير مريدها. ومن خواصه أنه يجتذب مخاطبه إلى ما يريد». وكان يناصر أهل العلم ويشد أزرهم ويواسي محتاجهم، ويشجع القاصرين والخاملين منهم ويبذل لهم ما أمكنه من مساعدات. أما بيته فكان منتدى للعلماء والأدباء والطلبة النابهين.
وقد كان السيد في المواقف الحرجة مثالا للثبات وصدق العزيمة، فمن ذلك أنه حينما كان في الهند وقررت الحكومة البريطانية نفيه منها وأعلم بذلك وهو في جمع من زائريه قال: «إنني ما أتيت الهند لأخيف حكومة بريطانيا العظمى، ولا أنا على استعداد لأحدث شغبا عليها، ولكن تخوفها من زائر أعزل مثلي، يسجل عليها وهن عزيمتها وضعف شوكتها وقلة عدلها في حكمها.» ثم التفت إلى زوارها من علماء وأفاضل فقال: «يا أهل الهند، وعز الحث وسر العدل، ولو كنتم وأنتم تعدون بمئات الملايين دبابا لكان طنينكم يصم ءاذان بريطانيا!.. ولو كنتم وأنتم مئات الملايين سلاحف وخضتم البحر وأحطتم بجزيرة بريطانيا لجررتموها إلى القعر وعدتم إلى هندكم أحرارا.» فما أتم كلامه حتى أذرفت العيون، فنهض وقال: «اعلموا أن البكاء للنساء!.. ولا حياة لقوم لا يستقبلون الموت في سبيل الاستقلال بثغر باسم!»
 وأثناء مقامه بمصر كان يخاطب الشعب المصري بما معناه: «إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم بالاستبداد، وتوالت عليكم قرون وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتعتون لوطأة الغزاة الظالمين..! لو كانت في عروقكم دماء حية، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بالذل والمسكنة، ولما صبرتم على الضعة والخمول، ولما قعدتم على الرمضاء وأنتم تضحكون!.. هبوا من غفلتكم، أصحوا من سكرتكم، انفضوا عنكم غبار الغباوة والخمول، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء!»
  وكان ينتقد الحياة الاجتماعية في مصر فيقول: «ما أكثر الجرائد السياسية والعلمية والأدبية في هذه البلاد، مع أن أهاليها في حاجة إلى جريدة البسط من ذلك كله، إلى جريدة تقول لهم: اغسلوا أرجلكم، اغسلوا أيديكم، اغسلوا أثوابكم!». كما ينتقد مسلمي الهند الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا أنهم يأكلون لحم البقر والحمد لله!
  ولكن السيد كان يحب مصر ويقول عنها: «مصر أحب بلاد الله إلي، وقد تركت لها في الشيخ محمد عبده طودا في العلم الراسخ، وعرمرما من الحكمة والشمم وعلو الهمم.» ولا غرابة في هذا الحب الذي يكنه السيد لمصر، ففيها وجد المؤازر والنصير، وفيها نمت وازدهرت تعاليمه حتى صارت دولة إسلامية مرموقة، ومنها سرت دعوته إلى البلدان الإسلامية الأخرى فتسابقت إلى النهوض والتحرر، وقد عبر الزعيم المصري سعد زغلول رحمه الله عن ذلك في إحدى خطبه فقال: «لست خالق هذه النهضة، لا أقول ذلك ولا أدعيه، بل لا أتصوره، إنما نهضتكم قديمة، وللسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير فيها، وهذا حق يجب أن لا نكتمه، لأنه لا يكتم الحق إلا الضعيف»
                                                  - * -
 هكذا قضى السيد حياته داعيا هاديا، حتى لقي ربه راضيا مرضيا. ويذكر أحد تلاميذه وهو الشيخ عبد الرشيد إبراهيم التتاري أنه دخل عليه وهو في مرضه الذي مات منه، فأشار السيد إليه أن اقترب. قال الشيخ: فدنوت منه، وكان لا يستطيع الكلام، فأخذ ورقة وقلما وكتب فيها «نشهد يا الله أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم قيل وفاته: أمتي، أمتي. وأنا أقول: ملتي، ملتي.» قال الشيخ: وبعد ساعتين من ذلك توفاه الله.
وكانت وفاة السيد في الأستانة سنة 1315 ’ – 1897 م وأحيطت موته بغموض كبير، فمن قائل أنه مات مسموما، ومن قائل أنه مات متأثرا بمرض السرطان الذي أصابه في ءاخر حياته، ومن قائل أن المرض الذي مات منه ناتج عن التسمم الذي أصابه وعن تعمد في إهمال علاجه. وذكرت تراجم حياته أنه دفن في الاستانة بعد ثلاث ساعات من وفاته «كما يدفن أقل إنسان، في بلاد ءال عثمان!». وظل قبره مهجورا مغمورا، بينما صارت مبادئه وبذوره غرسه تنمو وتترعرع وتوتي أكلها بإذن ربها، حتى شهد العالم استقلال معظم الدول السلامية، ومولد جامعة الدول العربية، وانبثاق روح التضامن والوحدة الإسلامية، ثم بزوغ شمس مؤتمر القمة الإسلامي وكلها أهداف سامية من الأهداف التي جاهد من أجلها السيد جمال الدين الأفغاني. ويوم تتحرر فلسطين المجاهدة من الاستعمار الصهيوني الغاصب يكتمل عقد الجامعة الإسلامية بالجوهرة الغالية المغتصبة، ما ضاع حق وراءه طالب.
  هذا، وبعد مرور نصف قرن على وفاة السيد رضي الله عنه احتفل الشرقيون بإحياء ذكراه، ونقل جثمانه من الاستانة إلى بلاد الأفغان في شهر دجنبر سنة 1944. ولدى مرور موكبه الرهيب ببغداد احتفل العراق حكومة وشعبا بهذا الحدث التاريخي الذي إن دل على شيء فإنما يدل على يقظة ووعي الأمة الإسلامية واعتزازها برجالها الأبرار المخلصين الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتقديرها للجهود المباركة التي بذلوها في سبيل المجد والكرامة والحرية والاتحاد, وقد ألقيت في تلك المناسبة عدة خطب وقصائد في الإشادة بالسيد وتعديد مناقبه ومآثره.
رحم الله السيد جمال الدين الأفغاني، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here