islamaumaroc

الفيلسوف محمد إقبال: أحد رواد النهضة الإسلامية الحديثة

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  إذا كان القدر قد ابتلى العالم الإسلامي بمحن، بعد سقوط بغداد على يد التتار في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد، وسلط عليه من لا يرحمه ولا يرحم شعبه المؤمن المسالم، الذي غمرت جوانحه نفحات الروحانية الزكية، منذ انبثق نور الله في مكة المكرمة، ونودي: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان م علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» فإن هذا القدر لم يترك شعب هذا العالم الإسلامي تائها في فيافي الظلام، سادرا في ظلمات الجهل والجمود والخشوع والاستسلام والكسل. بل وهب له روادا كانوا كالنجوم التي تهدي السائر في الفلاة إلى سبل النجاة، وكالبلسم الناجع لمن أوشك السقم أن يأتي عليه.
 وهؤلاء الرواد الميامين الذين سيبقى ذكرهم خالدا على مر الأجيال؛ يحفظه جيل بعد جيل هم: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده المصري، وعبد الرحمن الكواكبي السوري، ومحمد إقبال الهندي.
 لقد أصاب الهوان والضعف العالم الإسلامي، لانحراف المسلمين عن تعاليم الدين الرشيدة، ولعدم تطبيقهم لنصوص الشريعة السمحاء، المتمشية مع واقع الحياة، ومع الفطرة البشرية؛ وهذا هو الأساس. وأخذ الاستعمار الغربي يمد بصره نحو العالم الإسلامي، فتمتد معه أطماعه لتبتلع خيرات هذا الوطن الكبير، الذي يمتد من منغوليا شرقا، إلى شاطئ الأطلسي غربا؛ والذي تزخر أرضه الطيبة بمواد وثروات هامة، لا غنى للغرب عنها، بل أن صناعته تتوقف عليها.
في سنة 1559 م اكتشف الرحالة البرتغاليون الطريق المؤدية إلى الهند، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح بجنوب إفريقيا، ومن تم أصبح من السهل الوصول إلى أبعد نقطة في منطقة الشرق الأقصى. وكان على البرتغاليين أن يدمروا الأسطول العربي الذي وضعته مصر في منطقة البحر الأحمر، لضمان أمنهم وسلامتهم ففعلوا. ولم يكتفوا بسيطرتهم على تجارة الشرق، التي كان يدبرها العرب منذ قرون خلت.
 ومنذ شنة 1600 م. أخذ الإنجليز يسيطرون على الامبراطورية التجارية التي أقامت البرتغاليون بصفة تدريجية. وكان للهولنديين نصيب في هذا الاستيلاء إلى جانب البريطانيين. وذاق الشرق الإسلامي مرارة جديدة، لا تقل عن مرارة البرتغال. ومن تم أخذت أطماع بريطانيا تزداد يوما عن يوم حتى شملت الهند.
 لقد انتهزت بريطانيا فرصة انحطاط الحكم الإسلامي في شبه القارة الهندية، التي عاشت في ظله سنوات من الازدهار المتمثل في الحرية والعدالة والمساواة؛ هذه المزايا التي يمتاز بها الإسلام عن باقي الشرائع، سواء منها السماوية أو الوضعية. فاحتلت الهند تحقيقا لأطماعها التجارية والاقتصادية. إلا أن بريطانيا سلكت سبيلا معودا في تطبيق سياستها الاستعمارية الرامية إلى تحقيق الأرباح مهما كان الثمن، فقضت على الصناعة التقليدية الهندية، وأهملت كل صناعة يدوية محلية، حتى يمكن لها أن تجعل من الهند سوقا رائجة تباع فيه منتوجات صناعة بريطانيا.
 ونتج عن هذه السياسة المنحرفة، قيام خلل كبير في التوازن الاجتماعي بين أبناء الهند على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم؛ الشيء الذي تمخض عنه حدوث مجاعة قاسية. وطبقا لسياسة بريطانيا الاستعمارية القائمة على نظرية «فرق تسد» فقد عمل الانجليز على خلق النعرات الطائفية في الهند بين المسلمين والهندرس، فكانت تقوم بينهم معارك دامية في أغلب الأحيان يكون البقر الذي يقدسه الهندوس سببا في حدوثها.
 ومن أجل ذلك، وفي هذه الحقبة الحالكة من تاريخ الإسلام، أخذ فيلسوف الإسلام محمد إقبال، يفرك في إنقاذ مسلمي الهند، من الهاوية السحيقة التي حفرتها بريطانيا، لنقضي بذلك على دين التوحيد في الهند.
 لقد كان محمد إقبال يرى أن من اللازم إنشاء دولة مستقلة تضم مسلمي الهند، حفاظا على الكيان الإسلامي وصيانة لكرامة الإسلام، التي حاول الإنجليز وأذنابه من وثني الهند أن يقضوا عليها. فهو أول من بشر بهذه الدعوة التي أصبحت الغاية المرجوة، والهدف المنشود لكل مسلم في شبه القارة الهندية منذ أعلنها سنة 1930 م.
وفي سبيل هذه الدعوة الكريمة أوقف إقبال كل جهوده وقواه، فكانت شغله الشاغل، وأنشودته العذبة التي يرددها لسانه، إلى جانب الثورة على المجتمع الإسلامي الذي تخلف ركبه، وخيمت على أجوائه سحب قاتمة، كلها ضلال وجهل وأساطير وخرافات، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تمت إلى الدين الحنيف بصلة، فأعلن رحمه الله ثورته العارمة على التواكل المقيت، الذي تفشى في نفوس المسلمين بسبب تمسكهم بنظريات دخيلة على الإسلام؛ والإسلام منها بريء، بل إنه يستعيذ بالله أن تنسب إليه.
 والحق أن الفيلسوف الشاعر محمد إقبال علم من أعلام الإسلام البارزين في العصر الحديث، ورائد من أكبر رواد النهضة الإسلامية الحديثة، وقائد من قادة الفكر الإنساني عامة في الفلسفة والدين، وشاعر فحل وهب كل عواطفه وأفكاره لخدمة المسلمين خاصة والبشر عامة.
                                                   - * -
  ولد المفكر الإسلامي الكبير محمد إقبال في بلدة «سيالكوت» بإقليم البنجاب في الهند، في 22 فبراير عام 1873 م. من أسرة متوسطة الحال، محافظة على تقاليد الإسلام الحنيف. وكان جل أفرادها يشتغلون بالزراعة، وتتحدر من أصل برهمي. إلا أنها منذ ثلاثة قرون، حيث تنازلت هذه الأسرة العريقة عن كل امتيازاتها، وعن منزلتها المرموقة بين طبقات الهند، أسوة بتعاليم الإسلام التي تنكر الطبقية وتدعو إلى المساواة، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، ولا بين شريف ووضيع؛ إذ الكل سواء في نظر الدين الحنيف، وليست الحظوة والفضل والشرف إلا لمن اتقى الله تعالى في السر والعلانية.
كان والده فيلسوفنا رجل ورعا متدينا يخشى ربه ويؤمن بالقيم الروحية باعتبارها سلم الرقي، وعنه أخذ محمد إقبال مبادئ القراءة، ومن ينبوعه الصافي لفياض اغترف الأخلاق الإنسانية النبيلة، التي تمثها الرحمة والشفقة والمحبة أصدق تمثيل.
روى إقبال حادثة وقعة له مع سائل وقف في بابهم يسأل صدقة بطريقة همجية، وموقف أبيه الحاسم فيها، فقال:
«وقع على بابنا سائل وقوع القضاء، ورفع صوته كأنه نعيب غراب، وأخذ يهز الباب... ولما ءالمني تصايحه وإلحافه خرجت إليه، وأهويت على رأسه بضربة بعثرت ما بيده، مما جمعه طوال يومه. فلما رأى والدي تلك الحادثة اصفر وجهه الأحمر، وانحدرت الدموع نهرا على خديه وقال:
« تذكر بابني جلال المحشر، يوم تجمع أمة خير البشر، وأرجع  البصر كرة إلى لحيتي البيضاء، وتحول جسمي المرتعش بين الخوف والرجاء. كن يا بني من البراعم في غصن المصطفى، وكن وردة من نسيم ربيعه، واظفر من خلق محمد بنصيب».
ولعمق إيمان والد إقبال، ورسوخ العقيدة في نفسه، كان يوصي ابنه الذي كان إذ ذاك يدرس القرآن الكريم في أحد الكتاتيب بسيالكوت قائلا:
«يا بني اقرأ القرآن كأ،ه نزل عليك».
لم يكن الوالد يرضى لولده أن يكون كآلة التسجيل التي تفتقر إلى الروح. بل كان يحث ابنه على درس القرآن الكريم دراسة حفظ وفهم وتدبر، كي يعمل به، ويهتدي بهديه، ويجتنب نواهيه. وفي ذلك يقول إقبال:
«ومنذ ذلك اليوم بدأت أفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست ومن بحره ما نظمت».
وبعد أن حفظ إقبال كتاب الله كما أوصاه أبوه، انتقل إلى مدرسة سيالكوت الابتدائية، ولما أتم تعليمه بها التخق بمدرسة ثانوية تابعة للبعثة الاسكتلندية، حيث أخذ أصول اللغة العربية والفارسية على أحد أصدقاء والده ، واسمه مير حسن ويدعى «شمس العلماء» الذي توسم في تلميذه علامات النجابة والذكاء في سنة المبكر، وهو الذي شجعه على قرض الشعر، فكان إقبال ينظم الشعر باللغة الأوردية بدلا من اللغة المحلية التي يتكلم بها أهالي سيالكوت.
ثم دخل إقبال جامعه لاهور، ثم التحق إثر تخرجه من الجامعة، بجمعية حماية الإسلام. وفي مدينة لاهور التقى إقبال بأستاذه المستشرق الانجليزي الكبير «السير توماس أرنولد» مؤلف كتاب «الدعوة إلى الإسلام» فتوثقت عرى الصداقة والألفة بين الأستاذ وتلميذه؛ إذ كان الأستاذ «أرنولد» معجبا جدا بذكاء إقبال الخارق ومواهبه النادرة. وكثيرا ما كان «أرنولد» يعبر لإقبال عن إعجابه بشعره الذي يفيض حماسة وثورة.
  لأجل هذا طلب منه أن تولى مكانه مهمة التدريس في جامعة لندن سنة 1905 وفي عاصمة الانجليز تعرف إقبال على عدد كثير من أهل العلم والفضل، ثم ارتحل إلى جامعة «هيدلبرج» ومنها إلى جامعة ميونخ بألمانيا، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة برسالة قدمها تحت عنوان: «تطور الميتافيزيقا في بلاد فارس» كما حصل في سنة 1908على درجة في القانون.
وعاد إقبال إلى وطنه المكلوم، فأخذ يشتغل بالشعر والفلسفة والسياسة، وانتخب عضوا بالمجلس التشريعي «بالبنجاب». وفي سنتي: 1931 – 1932  ذهب إلى لندن للاشتراك في مؤتمر المائدة المستديرة. كما عين رئيسا لحزب الرابطة الإسلامية، ورئيسا لجمعية حماية الإسلام، التي كانت لها مهمة الإشراف على عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية.
ففي هذه الآونة، كان إقبال يواصل كفاحه ضد الاستعمار الانجليزي، وضد أعداء الإسلام، وذلك بالقول والفعل.
  كانت لإقبال آراء في الدين والفلسفة، تعكس لنا شخصيته القوية، التي لا ترضى بأن تعيش في هناء وراحة بال، مقابل السكوت عن الحق كما يفعل كثير من العلماء المحترفين في جميع الأديان. بل إن إقبال كان لهيبا محرقا، وشعلة متوقدة، وشررا متطايرا يحرق الخونة والمارقين وأتباع الشيطان وعباد المال، وما إليهم من الذين اتخذوا الدين الإسلامي ستارا، وهم في حقيقتهم من ألد أعدائه.
أما آراء إقبال الدينية فيجدها القارئ في كتباه: «تجديد بناء الفكر الديني في الإسلام» الذي نشره سنة 1934. ويمكن القول بأن إقبال يعد من أكثر مفكري الإسلام في العصر الحاضر علما وإحاطة وفهما لمذاهب الفكر في الشرق والغرب. كما يعد من أكبر رجال التصوف في العصر الحديث، إلا أن تصوفه سلفي، فهو يخالف القائلين بالانزواء والهروب من شواغل الدنيا والقعود عن العمل كيفما كان العمل. بل إنه يرى والحق معه أن أصحاب هذه الآراء وباء على الإسلام وشر على المسلمين. فالدين عنده سبيل واحد بدايته الدنيا ونهايته الآخرة، فليس هناك فرق بين الدين والدنيا، لأن كل واحد منهما يكمل للآخر ما يحتاجه. وفي ذلك يقول:
«إن الدين لا يقنع بالتصور المجرد، بل يطلب اتصالا بمقصوده. ووسيلة هذا الاتصال العبادة أو الصلاة. الصلاة استنارة روحية تعرف بها الذات الإنسانية أنها موصلة بحياة أوسع. وكل طلب للمعرفة هو في حقيقته صلاة. فالباحث في العلم الطبيعي كالصوفي في صلاته. وتزيد الصلاة قربا من مقصودها بالاجتماع. والعبادة، فردية كانت او جماعية، هي إعراب عن تلهف الوجدان الإنساني إلى استجابة له في صمت الكون الهائل...»
وكان يكره تلك الأفكار الجبرية المشؤومة التي شاعت في المجتمع الإسلامي، فألحقت به أضرارا جساما؛ ويرى ضرورة إعطاء الحرية للإنسان بحجة أن الإسلام أكدها ونافح من أجلها. وكان رحمه الله يبغض الجمود الذي خيم على المسلمين، وينادي بالخروج من أوحاله. ولكنه كان يرى أن الخروج من متاهات الركود، لا تتم إلا إذا فتح باب الاجتهاد الذي أغلق. فيقول:
«والحركة في الجماعة الإسلامية بالاجتهاد. ويؤسفنا أن هذا الأصل الذي يهب للأمة الحياة لم يعمل عمله في المسلمين. ان من أقوى أسباب ضعف المسلمين إهمال هذا الأصل، أعني ابطال الاجتهاد»
وعن الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي وهو «الإجماع» يقول إقبال:
  «والأصل الثالث من أصول الشرع الإجماع. وهو عندي أعظم السنن الشرعية، وعجيب أن هذه السنة الرشيدة نالت كثيرا من بحث المسلمين وجدالهم، ولكنها لم تعد التفكير إلى لعمل، وقلما صارت سنة عملية في بلد إسلامي. ولعل اتخاذها سنة دائمة ونظاما محكما لم يلائم مطامع الملك المطلق الذي نشأ في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين. ولعل ترك الاجتهاد لأفراد م المجتهدين كان أقرب إلى منافع الخلفاء من بني أمية وبني العباس، من تأليف جماعة وأئمة عسى أن تفوقهم قوة. ومما يبعث على الرضى والأمل سيرة الحوادث في هذا العصر وتحارب أمم أوربا، أشعبت الفكر المسلم الحديث بقيمة الإجماع وعرفته أنه ممكن,ذ.
وآراء إقبال الفلسفية في الدين هي في جوهرها تحمل طابعا دينيا عميقا، وترمز إلى أن صاحبها يسعى إلى بعث الحياة والقوة والامل في المستقبل في نفوس المسلمين الذين خذلهم الاحتلال، فأنساهم بسطوته وجبروته وقهره أنفسهم، حتى لم يعد أحد، إلا القليل، يفكر في رفع كوبس الظلم عن هذه الأمة.
فلقد استولت على عقول المسلمين فكرة الاستسلام للأمر الواقع، والرضوخ بصفة بشعة مميتة لسيطرة الاستعمار الغاضب. ويرى إقبال أن التحرر من قيود المذلة، لا يتحقق للمسلمين ما لم يسيروا على هدي دينهم الحنيف، واتباع الكتاب والسنة، والتخلص من رواسب الجهل، وبقايا العهد البائد؛ عهد الجمود والركود، والتمسك بالعوائد الفاسدة التي ينهى الإسلام عنها، بل يحرم بعضها تحريما باتا.
 ولا ينفك إقبال مشيدا بمآثر الإسلام، يحث الهمم والضمائر على متابعة السير نحو حياة أفضل، وعلى الزحف لمسايرة الركب الحضاري الذي تخلف عنه المسلمون. وفي ذلك يقول فيلسوفنا:
«الغاية القصوى للنشاط الإنساني هي حياة مجيدة فتية مبتهجة. وكل فن إنساني يجب أن يخضع لتلك الغاية. وقيمة كل شيء يجب أن تحدد بالقياس إلى تلك القوة على إيجاد الحياة وازدهارها. وكل ما يجلب إلينا النعاس، ويجعلنا نغمض عيوننا عن الحقيقة الواقعة فيما حولنا إنما هو انحلال وموت».
وفي رأي إقبال أن الرجل الغربي منحرف عن النهج القويم بسبب انسياقه للمادة، انخداعه ببريق معطياتها، حتى أصبح الغربي لا يعطي لمعنى الروح أي مدلول، ولا يؤمن إلا بما يقع عليه الحس، رغم أن الحواس محدودة الإدراك، ويجحد بكل ما هو غيبي لا تدركه الحواس لعجزها عن ذلك. وهذا ما جعل الغربيين يتصفون بأنانية مقيتة، وشهوة جامحة طائشة، وفي ذلك شقاء وحسرة. ويقول إقبال:
«... لقد رأت أوربا بعينيها النتائج المخوفة لمثلها الاقتصادية والأخلاقية والعلمية... ولكن وااسفاه! لم يستطع عباد القديم الذين سمعوا حقائقه أن يقدروا الانقلاب المدهش الذي كان يثور في الضمير الإنساني».
وكان إقبال يؤمن بضرورة تغيير أحوال الأمم الإسلامية، ولكن، بأي طريقة يتم هذا التحول؟ الحق أن كل ثورة اجتماعية لا تتحقق إلا إذا كانت الأمم تعي مسؤولياتها، وتنظر إلى حالتها نظرة الناقد البناء. بمعنى، أن الأمة لا ترقى إلى قمة المجد الذي تصبو إليه، ما لم تكن تريد ذلك؛ لأن المجد والرفعة والسيادة أشياء لا تمنح، بل تؤخذ بالقوة لأنها حق مشروع. يقول محمد إقبل:
«... لكن يجب على أمم الشرق، أن تتبين أن الحياة لا تستطيع أ، تبدل ما حولها حتى يكون تبدل في أعماقها، وإن عالما جديدا لا يستطيع أن يتخذ وجوده الخارجي حتى يوجد في ضمائر الناس قبلا. هذا قانون الفطرة الثابت الذي بينه القرءان في كلمات يسيرة بليغة حين قال: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» انه قانون يجمع جانبي الحياة كليهما الفردي والاجتماعي. وانه لجدير بالإكبار كل مسعى في العالم، ولاسيما في الشرق، يقصد إلى أن برفع أنظار الأفراد والجماعات فوق الحدود الجغرافية، فيولد أو يجدد فيها سيرة إنسانية صحيحة».
ولإقبال إيمان شديد وراسخ بأن للدين أهمية عظمة، وأثرا فعالا في نفوس بني البشر على الإطلاق، وهو وحده الذي يملك القدرة على توجيه الفرد والجماعة، نحو الصراط المستقيم، والخير العميم، والمستقبل الزاهر. ولا ينظر إقبال إلى الدين على أنه طقوس وصلوات وأذكار كما ينظر الجهال إليه فيقول:
«أن الدين في أعلى صوره، ليس أحكاما جامدة، ولا كهنونية، ولا أذكارا. ولا يتيسر إلا بالدين تهيئة الإنسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم في عصرنا. والدين وحده يرد إليه الإيمان والثقة اللذين ييسران له اكتساب شخصية في هذه الدنيا والاحتفاظ بها في الآخرة. ولا بد للإنسان من الارتقاء إلى تصور جديد لماضيه ومستقبله، ليستطيع التغلب على المجتمع المتنافر المتصادم، ويقهر هذه المدنية التي فقدت وحدتها الروحية بالتصادم الباطني بين الدين والمطامع السياسية. والحق أن سير الدين والعلم على اختلاف وسائلها، ينتهي إلى غاية واحدة، بل الدين أكثر من العلم اهتماما ببلوغ الحقيقة الكبرى»
وكانت نظريات إقبال في الدين مقتبسة من الإسلام نفسه؛ الإسلام الطاهر من أدران العصور التي جاءت بعد الخلفاء الراشدين، فهو ينظر إلى الإسلام نظرة الإمام علي و أبي ذر الغفاري وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز إليه. أولئك الأقطاب الذين اغترفوا من ينبوع الإسلام الصافي غرفة فكانوا بها مثالا صادقا للمسلم، في ورعهم وتقواهم وزهدهم وحبهم للعدل والمساواة وتمسكهم بالشريعة الإسلامية.
وكان يرى أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وان لا فرق بين الدين والدنيا، كما ذهب بعض الجاهلين الفارين من حظيرة الله. يقول رحمه الله: «ليست غاية الإسلام محصورة في الواردات الذاتية التي تجعل المرء بمعزل عما حوله من الأشياء وعمن حوله من الناس، بل بناء للتربية التي تجعل الفرد صالحا لأن يكون منه ومن غيره مجتمع صالح له أنظمته القديمة، فإن العصبيات التي تدعو إلى البغضاء والتنفير وضيعة مهينة ليس لها في الإسلام وجود».
  وهكذا كان إقبال داعي خير ومحبة، ورجل إصلاح يرد أن يرفع الإنسان المسلم إلى المكان الذي أراده له الله تعالى. كما كان ساخرا متهكما على أولئك الذين ستخذون الدين وسيلة لبلوغ أهدافهم، فكان يتهكم عليهم ويصفهم بأنقص الصفات، لأنهم نبذوا الإسلام بفرائضه وسننه، واتخذوا من البدع ومحدثات الأمور مذهبا لهم، يحاولون خداع الناس بما يدعون، فيطلقون اللحي، ويطوفون في الشوارع يهمهمون، فيظن الساذجون أن هؤلاء الشيوخ هم رمز الإسلام ونموذجه الصادق! مع أن الإسلام لا علاقة له بهذه الأشياء التافهة، التي لا تزيد في نفوس غير المسلمين إلا نفورا من الإسلام، ووصفه بالتخلف والجمود، الشيء الذي يتنافى مع ما جاء في الكتاب والسنة.
ولقد وقف إقبال من هذا النفاق الديني موقفا صلبا يتجلى في قوله: «أن بعض قادتنا الروحيين إنما وصلوا إلى مكانتهم فينا بفضل البياض في شعر رؤوسهم، هم أضحوكة للأطفال في الشوارع والطرقات، قلوبهم لا أثر فيها للإيمان بالله، ولكنها عامرة بأصنام الشهوات، وكل ذي لحية طويلة يتصدى للدعوة والإرشاد. حمانا الله من قوم يتخذون الدين تجارة بالليل والنهار يجوبون البلاد مع الأتباع والأنصار. لا يستجيبون لدعاء ذي الحاجة أو المحروم. ينظرون ولا يبصرون في قلوبهم فقر، وصدورهم من الحكمة خواء» وديوان محمد إقبال « بيام مشرق» طافح بقصائد في النقد الديني والاجتماعي والفلسفي.
  أما آراء إقبال في الفلسفة، فإنها قبسات من آراء أصحاب المذهب المثالي والأخلاقي في الغرب، نذكر منهم: كانط، وبرجسون، وفشته، ووليم جيمس؛ ويمكن اعتبار أعمال إقبال في الفكر الإسلامي الحديث شبيهة بأعمال «كانط» في الفكر الغربي الحديث
لقد كان «أمانويل كانط» يقول عن فلسفته: (أردت أن أهدم العلم (بما بعد الطبيعة) لأقيم الإيمان» وكان لا يصدق في إيمان المرء إذا لم تؤيده الأعمال.
ولقد عبر إقبال عن آرائه الفلسفية شعرا ونثرا، فأعجب الشباب الهندي المسلم بهذه الآراء الإصلاحية البناءة. وفلسفة إقبال التي يسميها البعض «فلسفة الذات» نجدها زاخرة بخواطر «فشته» و«برجسون»
  كان إقبال يعتقد أن الشخصية أو الذات شيء له وجود حقيقي، بعيد عن الوهم والتخمين اللذان يبدعهما العقل الإنساني. فهو يعارض اتباع الفيلسوف الألماني «هيجل» أولئك الذين لا يؤمنون بوجود الفرد، ول يسلمون بالمطلق. فهيجل يعتبر الفرد ميال للأنانية والشر، وبعده عاجزا عن تحقيق المثل العليا للأخلاق. إلا أن إقبال كان يحمل على هذه الفلسفة التي رآها غير صالحة، خصوصا لأمة انعدمت فيها الشخصية بوجود القهر الاستعماري. وكان يخشى أن تتفشى عدواها في النفوس فتضعف، ويستولي عليها الوهن. بل كان يرى أن سبب انحطاط وفشل المسلمين، راجع إلى تمسكهم بفلسفة نكران الذات التي برزت في شعر ونثر بعض رجال الصوفية أمثال حافظ الشيرازي ومن حذا حذوه.
ورأى إقبال في فلسفة الذات، أن الحياة كلها فردية، وهي بما تحويه من تناقضات، ما هي إلا مجموعة من أفراد، بل ان الله سبحانه وتعالى فرد
الأفراد في نظر إقبال، وليس هناك شيء يسمى «الحياة الكلية» والكون عند إقبال ما هو إلا ارتباط واقع بين أفراد، وعمل الكون لم يتم بعد، بل انه دائم الصيرورة، وسائر بخطى ثابتة إلى التكوين، كما أن عملية الإبداع والخلق لا زالت مستمرة إلى أن يشاء الله
وهذه الآراء التي يتبناها إقبال معارضة لنظريات «هيجل» ومخالفة للقائلين بوحدة الوجود، التي تدعو الإنسان إلى الفناء في الحياة الكلية. وان المثل الأعلى للإنسان عند إقبال هو إثبات الفردية وتوكيدها، وفي ذلك يعطي لقول النبي صلى الله عليه وسلم «تخلقوا بأخلاق الله» أي تشبهوا بصفات الكمال التي يوصفه بها، تفسيرا يظهر مدى تمسك إقبال بفلسفة الذات. بمعنى أن الإنسان إذا تخلق بأخلاق الله، فهو واحد يتشبه بالواحد الأحد، وهو الله سبحانه وتعالى
ويرى إقبال أن العقبة التي تعترض سبيل الحياة هي «المادة». مع إيمانه بأن المادة ليست شرا يجب تجنبه والفرار منه، وإنما هي عنده وسيلة لإخراج القوى الكامنة في هذه الحياة.
وإذا كانت الشخصية كما يعرفها إقبال، هي أغلى شيء يجب على المرء أن يحققه، فإن ذلك يتطلب قوة النفس وصلابة الإرادة، للتغلب على الصعاب والعراقيل، والثبات في وجه إعصار الدهر وأحداثه، وفي ذلك يقول:
                        إذا صانت الذات المتينة نفسها
                                       أعيت على الأيام كل ممات
ويقول أيضا:
«تنص كلمات القرءان على أن الكون الذي يواجهنا غير باطل، ان له منافع كثيرة.وأهم نفع له أن الجهود المبذولة للتغلب على الصعاب فيه تشحذ بصيرتنا وتعدنا للنفوذ إلى ما هو تحت سطح الظاهرات»
والإنسان الكامل عند إقبال هو الذي يتوفر على إرادة قوية لا تقهر، وطموح شديد إلى المعالي، حتى تصبح حياته  تآلفا بين الدين والدنيا، بين القلب والعقل، بين الفكر والعمل... والحياة الحقيقية عند إقبال هي حياة الكد والسعي والدأب والنمو والإقدام. يقول إقبال:
                          على كل غصن تبين ان النــ
                                          ــبات مشرق لرحب الفضاء
                          فما ر في ظلمة الترب حب
                                          جنون النشــوء بــه والنمــاء
                          فلا تبغ في فطرة ترك سعي
                                         فما ذاك معنى الرضا بالقضاء
  وكان إقبال رحمه الله يحمل في نقده على أفلاطون ومكيافيلي وغيرهما؛ ذلك أنه لم يكن يتفق مع هؤلاء في بعض آرائهم، فنراه يعيب على أفلاطون نظرياته التي كانت تهدف إلى التأمل الخالص البعيد كل البعد عن العمل. كما سفه رأيه القائل بأن التفكير الصحيح والتفلسف الحقيقي هو ما كان تأملا في الموت!
وأما نقده لمكيافيلي فهو في الحقيقة موجه لطبقة من السياسيين الخارجين على المبادئ، الساعين بخضوع وذلة إلى المنافع، الداعين إلى الانحلال الخلقي والفساد الاجتماعي بصفة مباشرة أو غير مباشرة. فيقول عن مكيافيلي:
                        «هذا الفلورني، عابد الضلال
                                    عشى باطله على البصائر والأبصار
                          ألف كتابا للطغاة من الحكام
                                    فبذر بذورا للشقاق بين الناس
                          حول دينه المملكة إلها معبودا
                                 وصور منطقة المدموم في صورة الممدوح
                        ونشر تفسيره البهتان في أرجاء البلدان
                                       وصير تفكيره الزور فنا مرموقا»
والمتصفح لديوان محمد إقبال يرى أن فلسفة الشاعر في الجمال، هي جزء من فلسفة الذات، فهو لا يسلم بان هذا الشيء جميل إذا لم تدركه الذات في سموها واعتلائها، ولا يسلم كذلك بقبحه ما لم تدرك انحطاطه وهبوطه. فيقول:
                        عالم الذات به علــو وسفــل
                                          واعتراك القب فيه  والجمال
                     في اعتلاء الذات ما يبدو جميلا
                                          وقبيــح مابدا فتـي الاستفــال
والجمال عند إقبال هو «القوى» في جلالها ورهبتها، وفي روعتها وبهائها. ولقد ذهب به حبه للقوة إلى القول بأنه إذا قدر له أن يكون من أهل النار في الآخرة، فهو يتمنى أن تكون ناره التي سيحترق بها نارا قوية ملتهبة. فيقول:
                     ورأى جمالا في بهاء ان ترى
                                          في سجـدة للقــوة الأفــلاك
                     ولنغمة مــن دون نــار نفخــة
                                          ما الحسن إلا بالجلال يحاك
                     لا ارتضى نار الجزاء ولم تكن
                                          وهـاجــــة ولهيبــــها دراك
   لذلك نرى أن إقبال يمقت كل فن لا يحمل طابع القوة، ويرى أنه مميت للنفس والقلب على السواء. سواء كان الفن شعرا أو موسيقى أو عناء أو رسما...
هكذا كان إقبال الفيلسوف الشاعر؛ وهكذا قضى حياته في الجهاد لإعلاء كلمة الإسلام والمسلمين، في وقت كان الاستعمار الغربي يحاول القضاء على مقومات الإسلام وخصائصه، ويسعى إلى طمس مآثر الحضارة الإسلامية العريقة، بإشاعة الجهل والفساد والضلال بين المسلمين.
لقد كان محمد إقبال من أشد الناس وطنية وغيرة على حرمة الإسلام. ولم يكن يهتم بوطنه بقدر ما كان يحمل إحساسه المرهف آلام وأحزان المسلمين في كل بقاع الأرض، وما آلت إليه حالتهم في العصور الأخيرة.
ولم يكن فيلسوفنا يبالغ في المناداة بالقوميات، التي كان يراها سببا في القضاء على العواطف الأخوية بين المسلمين، بل عنده أن جنسية المسلم هي عقيدته. يقول إقبال:
                  «ما مقصود الفطرة وكنه الإسلام؟
                                          شيوع الأخوة وفيض المحبة
                    حطم أصنام الدم واللون والجنس
                                          وافــن ذاتــك فــــي الملــــة
انس الفروق بين التوراني والابراني والأفغاني»
ظل إقبال طوال حياته ينفخ من روحه القوي في الإنسان المسلم الذي ذله الاستعباد الغربي ودس كرامته، فجعله عبدا في زمن قامت فيه ثورات ضد الاستعباد والاستغلال والاحتكار، مطالبة بتحرر الإنسان من كل قيد، إلا من قيود الدين والأخلاق. فقال:
«إلى اليوم لا يزال الإنسان ضحية الاستغلال والاستعمار، وانه لبلاء عظيم أن يبقى الإنسان فريسة للإنسان».
ورأى إقبال أن الغرب الذي يفتخر بصناعته، لا يملك من الحضارة الإنسانية مثقال ذرة. فمدنية الغرب المتمثلة في الصناعة، تخدم في الحقيقة أغراضا استعمارية عدوانية، لا أقل ولا أكثر. يقول إقبال: 
    «وما العلم الذي يفاخر به رجال الغرب إلا سيف معركة في قبضة جشع مخضبة بالدماء».
لقد كان إقبال داعي خير ومحبة وسلام، وزعيما من أكبر زعماء المسلمين في العصر الحاضر، ورائدا من أكبر رواد نهضتنا الإسلامية الحديثة، كرس جهوده لنصرة الحق المهضوم، فكان أول داع لأنشاء دولة باكستان لتكون حصنا منيعا، يحمي الإسلام في شبه القارة الهندية، من تيارات الاستعمار، وإعصار الوثنية الهندية. إلا أن المنية اختطفت مفكرنا الكبير قبل تحقيق أمنيته الغالية التي ناضل من أجلها. فلقد توفي رحمه الله ورضي عنه في 21 أبريل سنة 1938 م ودفن في مدينة لاهور.
وفي أغسطس سنة 1947 م تم إنشاء دولة باكستان التي كانت الغاية القصوى لإقبال بفضل كفاحه المتواصل وجهود أتباعه تحت قيادة الزعيم محمد علي جناح رحمه الله أول رئيس لجمهورية باكستان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here