islamaumaroc

عودة إلى قانون السببية عند الغزالي

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 نشرت مجلة دعوة الحق الغراء في عددها لشهر غشت 1969 مقالا لفضيلة العالم الفاضل سماحة المفتي الأستاذ السيد نديم الجسر رد فيه على مقال نشر لي في مجلة (الوحدة) المغربية منذ شهور، حول (نظرية المعرفة عند أبي حامد الغزالي)
 وأبادر أولا إلى الاعتذار للقارئ الكريم الذي ربما تطلع إلى ما سوف يكون جوابي على اعتراضات الشيخ الفاضل، دون أن يوافيه الجواب في وقت قريب. فإن مشاغل الإدارة لم تترك لي – على تحرفي المخلص – فرصة المسارعة إلى الرد دون التسرع فيه.
ثم أسارع بعد هذا إلى أن أشكر للسيد الأستاذ اهتمامه بالمقال وبما ورد فيه، وهو اهتمام ينبئ عن روح مخلصة لله ولدينه القويم، مجاهدة في سبيل الدفاع عن الإسلام وأقطابه. وانني لأرجو أن أكون من زمرة الأستاذ الكريم ولو اختلفت نظرتنا إلى الموضوع.
وأستأذن الأستاذ في الاقتفاء بطرقة نقده للمقال، حيث أحسن في بدايته عرض أهم فقراته التي اعتزم ابداء الملاحظ الناقذة عليها. وإنني لأرجو – مرة أخرى – أن أوفق في هذا الاقتداء.
1- لقد كان أولى عبارات الأستاذ الفاضل بعد عرض فقرات المقال موضع النقد هي العبارة التالية:
(ان هذه الأقوال التي نقلناها هنا بحروفها لتزري بعقل الإمام الغزالي وتزري بعلمه، بل تزري بدين الإسلام وبعلماء المسلمين الذي لقبوا الغزالي بحجة الإسلام).
2 – وقال فيما نقله عن فصل (خصومة المؤمنين) من كتاب ( قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرءان) من ءاراء ابن رشد:
(... أما ابن رشد فلم يخرج أبدا عن هذا المنطق السليم والإيمان الكامل حيث يقول: «وأما هل الأفعال الصادرة عن موجود ضرورية الفعل أو هي أكثرية أو فيها الأمران جميعا، فمطلوب يستحق الفحص عنه، فإن الفعل والانفعال الواحد بين كل شيئين من الموجودات إنما يقع بإضافة ما من الإضافات التي لا تتناهى، فقد تكون إضافة تابعة لإضافة. ولذلك لا يقطع أن النار إذا دنت من جسم حساس فعلت ولابد، لأنه لا يبعد أن يكون هناك موجود يوجد له إلى الجسم الحساس إضافة تعوق تلك الإضافة الفاعلة للنار، مثلما يقال في حجر الطلق. ولكن هذا لا يوجب سلب النار صفة الإحراق ما دام بإقبالها اسم النار وحده».. ثم يقول، وما أحكم ما يقول: «والعقل ليس هو شيئا أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعا أن ها هنا أسبابا و مسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلى بمعرفة أسبابها. فرفع هذه الأسباب هو مبطل للعلم ورافع له، فإنه يلزم ألا يكون ها هنا شيء معلوم أصلا على حقيقته بل ان كان فمظنون، ولا يكون ها هنا برهان ولا حد
أصلا. ومن يقنع أنه لا علم واحد ضروري يلزمه أن لا يكون قوله هذا ضروريا. وأما من يسلم أن ها هنا أشياء بهذه الصفة وأشياء ليست ضرورية وتحكم النفس عليها حكما ظنيا وتوهم أنها ضرورية وهي ليست ضرورية فلا ينكر الفلاسفة ذلك»... ثم ينتهي ابن رشد إلى أن يقول – وما  أعظم ما يقول – وما أصدقه اتفاقا، في النتيجة، مع الذي قصد إليه الغزالي من استدامة التوجه إلى خالق الأشياء ومعطيها طبائعها وخواصها - «فلا ينبغي أن نشك في أن هذه الموجودات قد يفعل بعضها ببعض، وأنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل، بل بفعل من خارج، فعله شرط في فعلها بل في وجودها فضلا عن فعلها.)
3 – وقال الأستاذ أيضا نقلا من فصل (تلاقي العباقرة) من نفس الكتاب:
(.. – الشيخ- عظيم جدا يا حيران.. إن هذا المثل الذي جئتني به خير من مثال الزيت والآن أطرح عليك سؤالا جديدا: لو جئناك بجسم من الأجسام لم تعرفه في حياته ولا سمعت به ثم سألناك: هل من ضرورة عقلية تفرض عليك أن تعتقد (اقتضاء هذا الجسم للتحيز)
فماذا تقول؟
حيران – أقول أنني أرى ضرورة عقلية تفرض على أن أعتقد اقتضاء كل جسم للتحيز.
الشيخ – لماذا؟
حيران – لأنني أرى ذلك أمرا بديهيا
الشيخ – لماذا لا تجد بديهيا اقتضاء الزيت للاشتعال، واقتضاء فترات الكليسيرين للانفجار؟
حيران – لأنني لا أجده بديهيا، ولا أجد ضرورة عقلية تفرض هذه البداهة.
الشيخ – هذا هو ما أراده الغزالي يا حيران، فالغزالي لم ينكر مبدأ السببية من أصله وأساسه وحاشها أن ينكره ولكنه يقول أن هذا لظاهرة التي نسميها (سببا) ليست مقتضية اقتضاء عقليا ضروريا حصول ذلك الأثر الذي نسميه مسببا. فالعقل لا يجد ضرورة عقلية توجب عليه الجزم أ، ظاهرة الاحتراق عند مس النار للخشب هي ظاهرة مطردة، فاعتقد أن النار سبب الإحراق. ولولا هذا الاطراد الذي يراه العقل، لما كان مفروضا عليه (ضرورة) أن يعتقد اقتضاء النار للاحراق، كما هو مفروض عليه (ضرورة) أن يعتقد اقتضاء الجسم للتحيز. وإنما يريد الغزالي بهذا أن يتوصل إلى القوم : طالما أن خاصية الإحراق غير مفروض وجودها ( بالضرورة عقلا) في النار، وكان يمكن أن تكون هذه الخاصية بعكس ما هي عليه، فلا بد أن الذي أعطى النار، وكل الأشياء خواصها وطبائعها، هو الذي خلقها، وهو الذي يستطيع سلبها هذه الخاصية).
4 – وقال أخيرا في نهاية نقله عن فصل (بين دارون والجسر):
(... الشيخ – نعم وأنت ترى أن (الجسر) لا ينكر الأسباب والمسببات، والخواص والطبائع والنواميس كما لم ينكرها أحد من علماء المسلمين وفلاسفتهم، وكيف السبيل إلى إنكارها يا حيران، والأشياء ما كانت متحايزة إلا بخواصها وطبائعها، فإذا عدم الشيء خواصه وصفاته المميزة لم يعد هو هو، بل عاد شيئا آخر. وما دام العقل لا يرى ضرورة عقلية تقتضي أن يكون للشيء خاصة بذاته من ذاته، فلا مجال لهذا العقل أن يرتاب بأن الله خالق الأشياء هو الذي منحها خواصها وطبائعها، وأنه قادر على سلبها. ولو كانت الشرائع السماوية تنكر الأسباب والمسببات لبطل التكليف، ولقعد الإنسان عن السعي، ولفتح الناس باب الغدر في ترك الأوامر واجتناب النواهي، وهذا إبطال للشرع بل إفساد للعقل، وتعطيل للإيمان الذي لا يكون إلا بالعقل، فمن ظن أن دين الإسلام يقول بذلك فقد دل على جهله قلة عقله).
تلك مقتطفات من مقال الأستاذ الجسر أرجو أن يوافقني على أنها تعبر عن مراميه من المقال.
1 – أما ملاحظتي على العبارة الأولى، فأعترف بأنني – عند بحث موضوع نظرية المعرفة عند أبي حامد الغزالي لم أكن حريصا على استبقاء سمعة الإمام لدى مريديه أكثر من حرصي على تبين الحقيقة المنزهة عن الغرض، والخالية من الهوى. فإذا كانت النتيجة التي خرج بها بحتي في هذا الموضوع تزري بعلم حجة الإسلام أو بعقلهن فيشهد الله أنه لا ذنب لي في ذلك.
وإما أن تزري أقوالي بدين الإسلام، فأستسمح الأستاذ الكريم في التنبيه إلى أ، ءاراء أبي حامد الغزالي لا تمثل (بالضرورة) وجهة نظر الإسلام. ان
أعجاب علماء المسلمين بأبي حامد وبمواقفه التي هدفت إلى سد الذرائع، وإلى حماية العقيدة لأهلها، وتجنيبهم أضرار الفلسفة الأرسطية التي لم توفق دائما إلى السداد بين حكمة اليونان وشريعة الإسلام.. إن ذلك الإعجاب هو الذي دفع العلماء المسلمين إلى تلقيب الغزالي بحجة الإسلام.. وإذا كان أبو حامد الغزالي في غمرة دفاعه عن الدين – قد انتهى إلى بعض النتائج التي نناقشها على هذه الصفحات، فليس يعني ذلك أن العقيدة الإسلامية هي التي نضعها هاهنا موضع النقاش.
إن من أهم السمات الجوهرية التي تميز الإسلام عن غيره من الديانات – وأخص منها المسيحية – هي معرفة الرجال بالحق لا الحق بالرجال، وليس على دين الإسلام من وحي مطلق التصرف، غير قابل للنقد.
2 – وأما ملاحظاتي على الفقرة الثانية، فأستأذن الأستاذ الفاضل في التنبيه إلى أن أقوال ابن رشد الواردة في هذه الفقرة، جاءت في معرض الرد على ما قاله الغزالي في موضوع السببية. لذا فإن قول الأستاذ «أما ابن رشد فلم يخرج أبدا عن هذا المنطق السليم الخ..» قول فيه نظر. وإلا فما قصد ابن رشد إذن من الرد على أبي حامد إلا أن يكون قد لاحظ ما لاحظناه من تخلي أبي حامد الغزالي عن الاعتراف بوجود مبدأ السببية ينتظم الموجودا؟
إن ابن رشد في عبارته تلك يرد على الغزالي الذي حاول أن ينزع صفة الإحراق من النار بوصفها سببا فيه، وذلك عندما يقول: «... ولكن هذا لا يوجب سلب النار صفة الإحراق ما دام باقيا لها اسم النار وحده..»، ثم يقول «.. والعقل ليس هو شيئا أكثر من إدراكه الموجودات أسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل..»، لمادا يقول لنا ابن رشد هذا الكلام إذا لم يكن قد فهم – كما فهمنا نحن:
أ – أن الغزالي يوهن من قيمة الأسباب والمسببات،
ب – وأن في ذلك خطرا يهدد التفكير العقلي السليم نفسه، وبالتالي يبطل العقل. أليست هذه هي النتيجة التي انتهى إليها مقالنا موضوع النقد؟.
أما قول أبن رشد أن الموجودات غير مكتفية بأنفسها في هذا الفعل الخ.. فأمر يسلم به جميع المسلمين ولا جدال فيه.
نحت تؤمن جميعا بأن الله تعالى قد خلق كل شيء علىهيئة مخصوصة ونظام مخصوص وعلائق مخصوصة مطردة، وإنه خلق العقل الإنساني الذي يدرك الكليات الضرورية، كما يدرك الممكنات والمستحيلات، خلق سبحانه كل ذلك على النحو الذي نعهده، ونحن نؤمن أيضا بمضمون الآية الكريمة «إن يشأ يذهبكم ويات بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز».
ومعنى ذلك أن في مقدوره تعالى أ، يجعل النبات أحمر والتراب أخضر، وأن يجعل الأجسام ترتفع في العلا عوض أن تسقط في الأرض الخ.. ولكنه سبحانه قد أراد غير هذا، أراد قوانين الطبيعة على نحو ءاخر غير هذا الذي تخيلناه. فكانت القوانين كما كشف عنها العقل البشري، وكما اطردت منذ البداية، وكما سنطرد ما دام الوجود الطبيعية والعقل الإنساني على خالتهما الراهنة كما أراد الخالق لهما أن يكونا.
3 – لهذا، فلا ضرورة للخوض في موضوع ما هو بديهي دون تجربة وبين ما (كان يمكن أن يكون على نحو ءاخر)؟
فإن الجدل في هذا الموضوع قد يدفع بنا إلى أن نطرح السؤال التالي:
هل كان الله تعالى فاعلا مختارا عندما خلق العقل البشري؟ وإذا كان الجواب بنعم فإن سؤال يتولد: هل كان بمقدوره سبحانه أن يجعل للعقل قوانين أخرى غير التي يتميز بها حاليا؟..
وسنصل إلى نتيجة أخيرة هي أن ما نعتبره بديهيا ليس إلا نتيجة تكويننا العقلي الذي أراده الخالق على نحو دون ءاخر.
وإذا كان الجدل سيجرنا إلى أن نتهم بالتشكيك في القيمة المطلقة للعقل البشري، فما أشبه هذا بما قلناه عن أبي حامد عندما توصلنا إلى أن موقفه من مبدأ السببية يجر إلى إبطال قيام علم طبيعي ذي قوانين كلية ثابتة.
4 – وأخيرا نقول أن الذي يؤمن بأن الله خالق كل شيء، لا يمكن أن يعتبر صفات الأشياء وخصائصها
وعلاقاتها صفات وخصائص وعلاقات ذاتية، لأن سلسلة العلل والمعلولات لابد أن تكون لها نهاية. وليست أتفق في شيء مع الأستاذ الفاضل أكثر من اتفاقنا حول عبارته التي يقول فيها: «والأشياء ما كانت متمايزة إلا بخصائصها وطبائعها، فإذا عدم الشيء خواصه وصفاته المميزة لم يكن هو هو ..»، وقوله «.. ولو كانت الشرائع السماوية تنكر الأسباب والمسببات لبطل التكليف ولقعد الإنسان عن السعي إلخ..»
لذا أستسمح الأستاذ الكريم في لفت نظره السديد إلى أحوال عالمنا الإسلامي، الذي غرق قرونا طويلة في ليل بهيم من التواكل والسلبية والخذلان، والذي لا زال يعاني إلى الآن من ءاثار هذا الموقف العقيم، بينما حقق الآخرون ما كان أولى بنا نحن أن نحققه، لو استمرت انطلاقتنا الإسلامية الأولى انطلاقة متفائلة بناءة واقعية متجهة نحو المستقبل.
أفلا يرى الأستاذ أن للتركيز على أفكار من مثل قابلية كل شيء للتغير، وعدم الضرورة العقلية في انتظام الأشياء، ضلعا في هذا الواقع الذي لا يزال عالمنا الإسلامي يعاني منه؟
وبعد،
فقد نقل لنا الأستاذ الفاضل حفظه الله ما نقل من فصول كتاب (قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرءان)، صيانة لشباب المسلمين من أن يسيئوا الظن بالغزالي فيسري سوء ظنهم إلى دين الإسلام نفسه، ولم يفعل ذلك دفاعا عن أبي حامد.
وإني لم أنته إلى ما انتهيت إليه عند بحث موضوع نظرية المعرفة عند الغزالي وعند ردي على اعتراضات الأستاذ الفاضل إلا أسفا على ما أصاب الموقف الذهني العام عند المسلمين، نتيجة انتشار التشكيك في قيمة العقل البشري في الوصول إلى قوانين ثابتة مطردة، وذلك عن طريق الاعتراض غير الوجيه بالإدارة الإلهية التي تستطيع تغيير كل شيء، فإن ذلك في نظري قد أدى إلى تخلف المسلمين، وبالتالي إلى تحميل ديننا الحنيف تبعة هذا التخلف.
فإذا كان هدفنا جميعا هو رفع هذه التهمة عن الإسلام، فلا مجال للخلاف، وشكرا للشيخ الفاضل على سعة صدره.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here