islamaumaroc

النبي والسلام -3-

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  قد يسال سائل : كيف عامل النبي يهود المدينة ؟و هل اثر في معاملتهم لهم السلام على الخصومة ، و العفو على العقوبة ؟
نعم ، فقد صبر النبي على اذى اليهود و خياناتهم حتى ضجع الصبر ، و عفا عنهم حتى ضاق بهم العفو ، و سالمهم ما وسعته المسالمة ، ثم يئس من صلاحهم ، و ايقن ان سلامة الاسلام و المسلمين و سلامة المدينة ، و حياة الدعوة التي كلف ان يبلغها ، تحتم عليه الا يصبر اكثر مما صبر ، و الا يعفوا اعظم مما عفا ، و توجب عليه ان يلقى الشر بما ينبغي ان يلقاه به ، فلم يكن بد من النهوض بهذا الواجب ، كما تبين من هذه الاحداث .

1 ـ مقتل كعب بن الاشرف :
كان قد عاهد النبي كعب هو و قومه بنو النضير على الا يحاربوا النبي او يحاربهم ، و على ان يكون كل منهم حليف الاخر يكن له المودة و الوفاء ، و يقدم له المعونة ان احتاج الى معونة .
لكنه نقض العهد ، و جعل يؤلب قريشا و غيرها على النبي ، بدافع من عداوته للاسلام التي كانت تطمس على قلبه ، فيؤثر و ثنية قريش على توحيد محمد صلى الله عليه و سلم ، حتى انه لما قتل بعض زعماء قريش في غزوة بدر قال : اولئك اشراف العرب و ملوك الناس ، و الله لئن كان محمد اصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها .
ثم اسرع الى مكة يحرض قريشا على النبي و يتباكى بشعره على قتلاها و يحض على الثار لهم .
و يشف هذا حقده ، بل عاد الى المدينة ، فجعل يشيب بنساء المسلمين ، و هو يعلم ان بهتانه يؤذي المسلمين ، و ينفر منه الخلق العربي .
فماذا يفعل النبي برجل ياكل الحقد قلبه و عقله فلا يفتا يشعل نار الفتنة ؟
هل يعفو عنه ؟
لا ، فانه قد نقض العهد ، و اشعل الفتنة ، و جرح اعراض المحصنات ، و تبجح بالعداوة ، و لن يكون العفو عنه الا امكينا له ، و ترويجا لغيه ، و تجريئا لغيره .
هل ينتقم منه ؟
نعم ، فان سلامة الاسلام و المسلمين تقتضي هذا ، لانه الجزاء العادل ، و العقاب الرادع .

2 ـ بنو قينقاع :
لم يزدجر بنو قينقاع كعب بن الاشرف ، بل جعلوا يتحرشون بالمسلمين ، و اعتدوا على امراة مسلمة ، كانت قد قدمت الى صائغ يهودي يسوقهم ، فارادوا منها ان تكشف وجهها فابت ، فتسلل احدهم الى خلفها فعلق طرف ثوبها بشوكة الى ظهرها فلما قامت انكشفت عورتها ، فسخروا منها و ضحكوا ، فصرخت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ ?
 فقتله ، ووثب اليهودي على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ اهل المسلم اخوانهم ، فوقع الشر بين المسلمين و بين بني قينقاع .
حينئذ طلب النبي من اليهود ان يكفوا عن اذائهم ، و ان يفو بعهدهم الذي عاهدوه ، و هددهم ان لم يفعلوا ان ينزل بهم مثل ما انزل بقريش في بدر ، فاستخفوا بوعيده ، و قالوا : لا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فاصبت منهم فرصة ، انا و الله ان حاربناك لتعلمن اننا نحن الناس .
فهل يعفوا النبي عن هؤلاء و هم يزعمون انهم اقدر منه ، و يهزاون بوعيده ؟
اليس العفو اذا عجزا ، و اضعافا لرهبة المسلمين ، و املاء للمعتدين ، و تشجيعا لغيرهم من المشركين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر ؟
لقد جنا بنو نقينقاع على انفسهم ، فاستحقوا العقاب على جناياتهم ، حتى ان حليفهم عبادة بن الصامت برئ منهم و اعلن براءته .
و كان عقاب العادل ان خرج المسلمون فحاصروهم  خمس عشرة ليلة ، لم يبيحوا فيها لاحد من بني قينقاع ان يخرج من داره ، و لم يسمحوا لاحد ان يدخل عليهم بطعام ، فلم يبق لهم الا الخضوع لحكم النبي .
فماذا كان حكمه ؟
لقد استشار كبار المسلمين ، فجمعوا على قتلهم ، فقام اليه عبد الله ابن ابي بن سلول ـ وكان حليفا لبني قينقاع و للمسلمين ـ فشفع فيهم عند النبي ، و جاء عبادة بن الصامت يشفع كما شفع عبد الله ، فقضى النبي اجلائهم عن المدينة ، فارتحلوا الى وادي القرى ، ثم الى اذرعات بحدود الشام .

3 ـ بنو النضير :
كان بعض المسلمين قد قتلوا غدرا بعد غزوة احد ، في يوم الرجيع و في يوم بئر معونة ، ففرح بنو النضير الذين بالمدينة ، وودوا ان يكون حزن النبي و المسلمين على قتلاهم مقدمة لاحزان اخرى ، فاراد النبي ان يكشف عن نوايا بني النضير ، فمضى اليهم في عشرة من كبار الصحابة فيهم ابو بكر و عمر و علي ، فتظاهروا بالغبطة بمقدمه ، و جعل بعضهم يتبسط في الحديث معه ، و لكنه راى اخرين يتناجون و يتآمرون ، فغادر مكانه مسرعا و ترك اصحابه و هم يظنون انه قام لبعض امره ، و لم يعلموا ان النبي اوحي اليه بما كان اليهود يدبرون من غدر به ، و ان عمرو ابن جحاش بن كعب  دخل البيت الذي كان النبي مستندا الى جداره ، فصعد الى سطح البيت ليلقي حجرا على راس النبي .
و لما اخفقت مؤامرة اليهود حاروا في امرهم ، و عجزوا عن تلفيق الاعذار ، و كان اصحاب النبي قد استبطاوه فنهضوا في طلبه ، فذكر لهم ما كان اليهود يريدونه به .
حينئذ ارسل اليهم النبي محمد بن مسلمة يقول : ان رسول الله ارسلني اليكم ان اخرجوا من بلادي ، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي ، و لقد اجلتكم عشرا ، فمن رئى بعد ذلك ضربت عنقه .
و بينما هم يتاهبون للرحيل ارسل اليهم عبد الله ابن ابي يامرهم بان لا يخرجوا ، و ان يبقوا في حصونهم و يعدهم ان يحميهم بالفين من قومه و من العرب .
فلما انقضى الاجل و لم يرحل بنو النضير ، سار اليهم المسلمون بسلاحهم ، فقاتلوهم عشرين ليلة ، و لم يتقدم عبد الله بن ابي لنصرتهم ، و لم يجدوا املا في قتالهم للمسلمين ، فسالوا النبي ان يؤمنهم على اموالهم و دمائهم و ذراريهم حتى يخرجوا من المدينة ، فوافقهم النبي ، فاتجه بعضهم الى خيبر ، و شخص اخرون الى اذرعات بالشام .
لقد كان هذا الاجلاء اهون عقاب لبني النضير ، لانهما عداء النبي و الاسلام ، يسرون العداوة و يتربصون بالمسلمين الدوائر ، و هم يساكنون المسلمين بالمدينة ، و يعرفون من احوالهم ما لا يصح ان يعرفه عدو مخالط .
و لقد ابتهجوا بمقتل جماعة من المسلمين غدرا ، و توقعوا ان تتكرر ماساة احد ، ثم انهم دبروا الوسيلة  لاغتيال النبي و هو في دارهم .
و هم الى هذا كله لم ينفذوا الجلاء بعد ان رضوا به و اعتزموا عليه ، لانهم اطمانوا الى نجدة عبد الله بن ابي ، و ارسل زعيمهم حيى بن اخطب الى النبي انا لا  نخرج من ديارنا واموالنا ، فاصنع ما بدا لك ، و قال لبني النضير : ما علينا الا ان نرم حصوننا ، و ندخل اليها ما شئنا ، و ننقل الحجارة الى الزقتنا ، و عدنا من الطعام ما يكفينا سنة ، و مؤنا لا ينقطع ، و لن يستطيع محمد حصارنا سنة كاملة.
فهل لهؤلاء جزاء اهون من الطرد ؟
اليس بقاؤهم في المدينة بعد هذا كله مثارا للفتنة و مهيا للشرور و معاول للتقويض ؟
الم يغدروا بعدهم ، و انهم لمتاهبون للغدر ما و اتتهم الفرصة ؟
اليسوا جرثومة خبيثة يعتمد علينا مشركو العرب الذين لا يفتاون يعدون العدة لمحاربة المسلمين ؟
لقد اجلاهم النبي ، فكان عفوا معهم ، سمحا في مؤاخذتهم ، و لم يكن يستطيع ان يصطنع عفوا اعظم من هذا العفو .
4 ـ  بنو قريظة :
جلا بنو النضير عن المدينة ، فلم يشتقوا من النبي ، لكن الحقد لم يياس ، و هم بعلمون ان قريشا و عرب غطفان و هذيل و غيرها و يهود بني قينقاع و بني النضير ، كلها تشتعل موجدة على النبي ، فما الذي يمنع زعماء بني النضير ان يؤذبوا هؤلاء جميعا على النبي ؟
لقد خرج حيى بن اخطب و سلام بن ابي الحقيق و اخوه كنانة و غيرهم الى مكة ، و اعلموا قريشا ان بني النضير مقيمون بين المدينة و خيبر حتى تاتيهم قريش فيسيروا جميعا الى قتال محمد و اصحابه ، و ان بني قريظة مازالوا بالمدينة و هم اشد الناس بغضة لمحمد ، فاذا ما سرتم اليهم كانوا عليه معكم .
و ابي  الخلق الوضيع الا ان يعلن عن نفسه ، فان قريشا قالت لهؤلاء اليهود : انكم اهل الكتاب الاول ، و اصحاب العلم بما نختلف فيه نحن و محمد ، فخبرونا اديننا خير ام دينه ؟
فقالت اليهود : بل دينكم خير من دينه ، و انتم اولى بالحق منه ، و هذا هو معنى قوله تعالى (( الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت  و الطاغوت و يقولون للذين كفروا هؤلاء اهدى من الذين امنوا سبيلا . اولئك الذين لعنهم الله ، و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا )).
ثم خرج حيى و صحبه الى غطفان و غيرها ، و حرضوهم على محاربة على محاربة محمد و الثار منه ، و ذكروا لهم ان قريشا تعد للحرب عدتها .
و كانت غزوة الخندق ، و كان ياس الاحزاب من اجتيازه و ترددهم في البقاء و الجو عاصف بارد .
و لكن حيى بن اخطب اراد ان يباعد الياس ، فاخبر الاحزاب انه سيحمل بني قريظة على نقض موادعتهم لمحمد ، و انهم سينضمون الى الاحزاب المهاجمة ، و سرعان ما بدا ينفذ خطته ، فذهب الى كعب بن اسد زعيم بني قريظة ، و ما زال به يثير حفيظته على محمد ، و يطمئنه الى قوة الاحزاب و ما معها من سلاح ، فقبل كعب ، و نقض عهده .
فلما علم النبي ارسل جماعة من المسلمين ليعلموا حقيقة الخير ، فوجدوا بني قريظة لم ينقضوا عهدهم فحسب ، بل جعلوا يسبون النبي ، و يجحدوان انه كان بينهم و بينه عهد .
و ما لبثوا ان قطعوا الطعام على المسلمين ، فنشطت الاحزاب بعد ضعف ، و املت بعد ياس، و جرؤ بعض بني قريظة على النزول من حصونهم الى منازل المدينة القريبة منهم .
و حينئذ فزع المسلمون اشد الفزع ، و خشوا ان يفتح بنو قريظة طريقهم للاحزاب المغيرة فيدخلوا المدينة ، و يفتكوا بالمسلمين ، و قد صور القران الكريم هذا الفزع في قوله تعالى : (( اذ جاؤوكم من فوقكم و من اسفل منكم و اذ زاغت الابصار و بلغت القلوب الحناجر ، و تظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا . و اذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا ، و اذ قالت طائفة منهم يا اهل يثرب لا مقام لكم ، فارجعوا ، و يستاذن فريق منهم النبي يقولون ان يبوتنا عوره ، و ما هي بعوره ، ان يريدون الا فرارا )).
ثم اختلف الاحزاب ، و نزل المطر مدرارا ، و قصف الرعد ، و لمع البرق ، و تارت العاصفة ، فاقتلعت الخيام و كفات القدور ، و ادخلت الرعب الى القلوب ، فسارعوا الى الفرار ، و نجى الله المدينة من خطر داهم لم تشهد مثله .
فماذا يفعل النبي ببني قريضة ؟
لقد غدروا به في اشد محنة حاقت بالمدينة ، و لقد ناصروا الاحزاب المغيرة عليه في الوقت الذي كان يقتضيهم الوفاء .
و لم يكن يريد منهم مؤازرته في الحرب ، بل كان يريد منهم الحفاظ على حيدتهم ، ليامن غدرهم ، و هم الذين يساكنونه في المدينة المعرضة للغزو المدمر .
و قد كشفوا عن حقدهم الدفين اذ عرضوا للنبي بالسب على الملا من اصحابه .
 من قبل عن بني قينقاع و بني النضير ، فكانوا دعاة الانقضاض على المدينة و مثيري العرب عليه .
و لن يكون العفو عن بني قريظة الا تجميعا لليهود ، و تقوية لهم و اتاحة لفرص شتى يحرضون فيها على النبي ، و يؤلبون قريشا و غيرها لحربه و للاستيلاء على المدينة .
فليكن العقاب عادلا و الجزاء وفاقا ، حاصرهم النبيخمس و عشرين ليلة ، ثم اختار اليهود سعد بن معاذ ليقضي بينهم و بين النبي ، و استوثق سعد من النبي و من بني قريظة ان يرضوا بقضائه .
فماذا كان قضاء سعد ؟
حكم بان تقتل المقاتلة ، و تقسم الاموال ، و تسبى النساء و الذرية .
و هذا الحكم يتفق وقول التوراة التي يدينون بها (( حين تقرب من مدينة لتحاربها استدعها الى الصلح، فان اجابتك الى الصلح و فتحت لك فكل الشعب الذي فيها يكون لك للتسخير ويستبعد لك ، و ان لم تسالمك بل حاربتك فحاصرها .
و اذا دفعها الرب الهك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف .
و اما النساء و الاطفال و البهائم و كل ما في المدينة فغنيمة تغنمها لنفسك و تاكل غنيمة اعدائك التي اعطاك الرب الهك )) و هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هذه الامم التي هنا . و اما مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب اياها فلا تستبق منها نسمة ما ، بل اهلكها اهلاكا .
و هم يعتقدون ان موسى عليه السلام ارسل اثنى عشر الف محاربة اهل مدين ، فحاربوهم و انتصروا عليهم ، و قتلوا كل ذكر منهم و خمسة ملوك ، و سبوا نساءهم و اولادهم ، و لما رجعوا غضب عليهم موسى كما زعموا ، لانهم استبقوا النساء و الاطفال ، ثم امر بقتل كل طفل ذكر و كل امراة ثيب ، و ابقى الابكار ، و كان عددهم  اثنتين و ثلاثين الفا .
و يزعمون ان داود عليه السلام كان يقاتل اعداءه و لا يبقى ذكرا و لا انثى و لا طفلا ، و كان يمثل احيانا بمن يقتلهم اشنع تمثيل .
و اذا كان القانون الدولي يبيح قتل الاسير الذي عاود القتال بعد ان اقسم بشرفه الا يعاوده ، فان قتل بني قريظة اولى بالاباحة ، لان جرمهم اشنع ، و شرهم اضخم ، و لانه لا امل في صلاحهم و اتقاء غدرهم .
مع النصارى :
كانت النصرانية اكثر من اليهودية انتشارا في جزيرة العرب ، اذا دان بها كثير من القبائل العربية في اطراف الجزيرة و في قلبها .
و لم يكن غريبا ان يبذل النصارى جهودهم في تعويق الاسلام و القضاء عليه كما فعل اليهود ، لانه يبطل دينهم ، و يدعوا الى اعتناق دين جديد مبرا مما اصاب المسيحية الاصيلة من بلبلة و اضطراب و فساد ، و ينشيء مجتمعا جديدا يدين بالوحدانية الخالصة و بالحرية و المساواة ، و سن نظما سامية تقضي على النظم الفاسدة الشائعة .
و لقد بلغ من ضلال النصارى و زيغهم ان زعموا ان المسيح بن الله ليفتدي به البشر من كفارة عن خطيئة ادم و حواء ، لانهما اكلا من لشجرة المحرمة فعصيا الله ، قال تعالى : (( قالت اليهود عزير بن الله ، و قالت النصارى المسيح بن الله ، ذلك قولهم بافواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله انى يوفكون )) .
و لهم في ذلك ضروب من الاباطيل ، فالمسيح عليه السلام واحد من ثلاثة اقاتيم الاب و الابن و الورح القدس . و هو ذو طبيعة الهية واحدة في مذهب فريق ، و ذو طبيعتين الهية و بشرية في مذهب فريق اخر .
و اليعا قبة يزعمون انه هو الله نفسه ، نزل الى الارض و صلب ليفدي الناس ، قال تعالى : (( لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم ؟ )) .
و هم في مزاعمهم هذه يشبهون البراهمة في ادعائهم ان برهما ثالث ثلاثة و انه الموجود الخالق ، و ان كربشنا ابنه من العذراء ديفاكي التي اختارها والدة لابنه بسبب طهرها و عفتها ، و ان كربشنا هو المخلص و الفادي . و السيدة مريم عند بعض المسيحيين الهة معبودة تقرب لها الاقراص التي يسمونها كليوس ، و يسمى اصحابها كليريين . 
على انهم حرفوا الانجيل و غيروا فيه ، و حذفوا منه ما يبشر بنبوة محمد ، حفاظا على منافعهم العاجلة ، و مراكزهم الدينية ، قال تعالى : (( و اذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ، و مبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا : هذا سحر مبين )).
و اذا كان اليهود قد كادوا للاسلام فقد كاد النصارى له ، لان البواعث و الغايات متشابهة عند الفريقين .و قد صدق الله العظيم في قوله : (( و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم . قل ان هذي الله هو الهدى . و لئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا نصير)) ؟.
و لم يكن هناك امل في هدوء مقاومتهم او استجابتهم  للحق (( و لئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل اية ما تبعوا قبلتك ، و ما انت بتابع قبلتهم ، و ما بعضهم بتابع قبلة بعض ، و لئن اتبعت اهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انك اذا لمن الظالمين )).
و هم اليهود يتخذون الحرب وسيلة لاطفاء نور الاسلام ما جدوا الى الحرب سبيلا (( و لا يزالون يقاتلون حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا )).
كان الفساسنة ملوك الشام يمثلون النصرانية في الشرق منذ عين الامبراطور جستنبان الحارث بن جبلة ( حوالي 529 – 569 م ) اميرا علىجميع القبائل العربية في سورية ، و منحه لقب فيلارك ـ اميرـ  ثم منحه لقب بطريق ، و كان لقب الاشراف ، و ارفع لقب في الدولة بعد الامبراطور .
و كان الحارث نصرانيا يعقوبيا حاميا للكنيسة الشرقية ، فاحتفى به القيصر طيباروس ، و البسه التاج.
فمن الطبيعي ان يناوئ الغساسنة الاسلام و الدعوة الى الاسلام ، لا لانه يغاير عقيدتهم فحسب، بل انه يقضي على سلطانهم السياسي و نفوذهم الديني .و من الطبيعي ايضا ان تحارب الدولة البيزنطية الاسلام .
لانه يقوض قوتها الاستبدادية ، و يطوح بما كسبه رجال الدين و السياسة من سلطان و نفوذ و مال .
و هل كان من المعقول ان تطيق الكنيسة الملكانية ـ و هي تحارب كل راي مسيحي يخالفها ـ دينا ينكر عقيدة التثليث و الفداء ، و يذيع في الناس ان الله واحد احد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤا احد ، و لا يعترف بما لرجال الدين من سلطان على النفوس ، ووساطة بين العباد و خالقهم ؟
لهذا لم يلبث النصارى ان كشفوا عن شرهم و عزمهم على محاربة الاسلام :
1 ـ ففي سنة 6 هـ ( 627-628م) صلب البيزنطيون عاملهم على عمان و هو فروة بن عمرو الجذامي ، لانه اعتنق الاسلام ، و ارسل الى النبي فرسا و بغلا و حمارا و عباءة و اقمصة ، و حاول الروم ان يجبروه على الارتداد عن اسلامه ، فابى ، فسجنوه ثم صلبوه .
2 ـ و في سنة 8 هـ (629 م) بعث النبي كتيبة من خمسة عشر رجلا الى شرقي الاردن ليدعوا الناس الى الاسلام ، فخرج عليهم جمع كبير من مكان يقال له (طلة) و قتلوه الا واحد لاذ بالفرار .
3 ـ  و في السنة نفسها ارسل النبي كتابا الى الحارث بن ابي الغساني يدعوه الى الاسلام ، كما دعا غيره من الملوك و الامراء ، فرد عليه المغرور الذي يتوعد بالعدوان .
و لما بعث النبي الحارث بن عمرو الازدي الى هرقل يدعوه الى الاسلام تصدى له شر حبيل بن عمرو الفسائي في مؤتة و قتله ، فكان هذا سببا في غزوة مؤتة .
4 ـ و في السنة التاسعة للهجرة امر هرقل بعد انتصاره على الفرس بجمع جيش لغزو بلاد العرب و قتال رسول الله ، للقضاء عليه قبل ان يستفحل امره و بلغ النبي ان هرقل و من يتبعه من النصارى العرب قد عزموا على قصده .
و اذا فلا مفر من حملة لتاديب هؤلاء المعتدين الذين يصدون عن سبيل الله ، و يقتلون دعاة رسول الله، و يتاهبون للهجوم المفاجئ .
و لو لم يفعل رسول الله ذلك لاغلق الجزء الشمالي من الجزيرة في وجه الدعوة التي تشق طريقها بسلام .
و كيف يرضى بهذا الذي يفعله الغساسنة و الروم ، و هو يعلم ان واجبه يحتم عليه حماية دعوته من هؤلاء الطغاة ؟
ثم ان الحكمة تقتضيه ان يختبر قوة اعدائه ، و يتعرف السبب في تجمعهم .
لهذا سار النبي بجيشه الى تبوك ، و لكن ثم يحدث بينه و بين خصومه صدام ، لان الروم اختفوا وراء حدود الشام ، و لم يفكر النبي في اختراقها ، و اكتفى بما عقد من صلح بينه و بين بعض العرب مثل يوحنا بن رؤية ، و عاد الى المدينة .
لكن الافاعي خرجت من احجارها بعد عودة النبي ، و بدا نصارى العرب و الروم يعتدون على المسلمين ، فصلب هرقل امير ايلة يوحنا بن رؤية ، لانه عقد مع النبي صلحا ، كما صلب من قبل فروة بن عمرو الذامي ، لانه اسلم و اصر على الاسلام .
فبعث النبي جيشا بقيادة زيد بن حارثة الى الشام في السنة الثامنة (629م ) ، و تصدى الروم و العرب للقاء هذا الجيش الصغير الذي لم يتجاوز ثلاثة الاف رجل ، و كان جيش الروم من مائة الف او مائتين ، يقوده هرقل نفسه او اخوه ،و التحم الجيشان التحاما لم يكتب فيه نصر حاسم لايهما ، فاثر المسلمون العودة الى المدينة .
ثم اراد النبي ان يتدارك ما عساه ان يحدث من هذا الانسحاب ، و اراد ان يسترد هيبة المسلمين في الشمال ، فامر بتجهيز جيش اسامة بن زيد لمحاربة الروم ، لكن الرسول لحق بالرفيق الاعلى قبل ان يتحرك الجيش من المدينة ، فانفذه ابو بكر.
و من هذا يتبين ان الرسول عليه الصلاة و السلام كان حريصا في صلته بالنصارى كما كان حريصا في علاقته باليهود على ايثار السلام ، و ان لم يشهر سيفه الا للدفاع ورد العدوان .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here