islamaumaroc

الإسلام والمسلمون في اليابان

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  منذ ثلاثين عاما، عندما تم إنشاء مسجد طوكيو، لم يعرف من اليابانيين سوى مسلم ياباني واحد، على أنه كان في اليابان مسلمون.. كانوا طائفة من مسلمي تركستان الذين هاجروا من ديارهم، وتفرقوا في الأمصار، حيث حطت فئة منهم رحالها في عاصمة اليابان.
  ومرت سنوات والجالية التركستانية الإسلامية تحاول أن تلتقط أنفاسها وتترقب أن تصلح أحوالها، وأن تعود المياه إلى مجاريها، فيقود المشردون إلى بلادهم، ولكم تأخرت الآمال وهم يقيمون صلواتهم في منازلهم الصغيرة، حتى استقر رأيهم على بناء مسجد لهم. فلما أخذوا يجمعون الأموال للمشروع، اتصل النبأ بمسامع مضيفيهم اليابانيين، وسرعان ما انهالت عليهم التبرعات والمساعدات من أفراد وشركات ومؤسسات حتى قام مسجد طوكيو في أوائل عام 1938م زاهيا بهيا.
في ذلك الحين كان هناك من اليابانيين باحثون ودارسون للإسلام، فقد كانت الامبراطورية اليابانية في أوج عهدها الذهبي المليء بالطموح والآمال، وخاصة بالنسبة لعلاقاتها مع الشرق الإسلامي، على أنه لم يعتنق الإسلام من اليابانيين وقتئذ سوى (عمر ياماوكا) الذي كان أول ياباني مسلم، وأول ياباني حج إلى بيت الله الحرام.
  كان (ياماوكا) من أول الذين التحقوا بجامعة الدراسات الأجنبية اليابانية غداة افتتاحها، وأهلته دراسة اللغة العربية، وتاريخ الإسلام إلى مزيد من البحث والتفقه، مما ملأه إعجابا بهذا الدين، فاعتنقه بإخلاص وحماس، وكرس حياته للتأليف والكتابة عن الإسلام والدعوة إليه، حتى وافاه الأجل منذ سنوات قليلة.
 وكان انفكاك اليابان من عزلتها في مطلع القرن العشرين، وانطلاقها إلى العالم المحيط بها وخاصة في آسيا، فرصة لكثير من الشباب الياباني للاحتكاك بالإسلام، والاطلاع على طراز جديد من طراز الحياة لم يألفوه، فهذا الشاب الياباني (ميتا) خرج من جزيرته إلى الصين من ذ خمسين سنة، طالبا للرزق والتجارة حتى حط رحاله في مقاطعة هونان الصينية، وكغريب فقير يبحث عن ملجأ، وجد الأبواب موصدة أمامه، حتى إذا مر أمام دار كبيرة فخمة، مفتحة الأبواب، دخلها فوجد الترحيب والإكرام والعناية، فلما سأل دار من هذه؟ قيل له هي المسجد بيت الله مفتوح لكل قاصد، ومن هنا سمع الشاب الياباني (ميتا) اسم الإسلام لأول مرة، وكانت الصدفة وحدها هي التي أتاحت له التعرف إلى مقاصد الإسلام وسماحته ومزاياه.
واليوم، في صومعة أتربة قديمة، من بقايا المعابد البوذية، قائمة في أطراف طوكيو، يقبع شيخ نحيل طاعن في السن، على حصير، أمام منضدة عتيقة منخفضة، تكاد تكون هي كل ما في الصومعة، وأمامه أكوام من الكتب والأوراق، لا يرفع رأسه عنها إلا إذا كررت ابنته عليه النداء، لينهض إلى طعام أو شراب،
فلا يأخذ منه كسرة أو رشفة، حتى ينتفض عائدا إلى منضدته، منهكا في قراءته وكتابته.
 ولو أتيح للداخل إلى الصومعة أن يطلع على الكتاب الذي يعلو كل هذه الكتب والأوراق لأخذته الدهشة، إنه القرآن الكريم. وهذا الرجل الطاعن هو الشاب (ميتا) المعروف اليوم باسم الحاج عمر ميتا الذي انشأ الجمعية الإسلامية اليابانية، ورأسها فترة، حاملا لواء الدعوة إلى الإسلام بين مواطنيه ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية، ذلك المشروع الذي بذل حياته من أجله، ويراه حمله الذي يعيش له، والخيط الوحيد الذي يمسكه بالحياة.
  وهو المشروع الذي تقف من ورائه رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة التي تبنت القصد النبيل منه ترجمة معاني القرآن الكريم التي يضع الشيخ ميتا الآن لمساتها الأخيرة، يعتبرها الشيخ أجل خدمة يقدمها لأبناء وطنه، الذي يدرك هو أكثر من غيره حاجتهم إلى دين حي يملأ فراغهم الروحي، ويضيف معنى للانهماك المادي وراء الكسب والمتعة في حياة الإنسان.
 والصومعة التي يعيش فيها الشيخ ويعمل، هي مثال على تسامح اليابانيين وإعجابهم بالدين الإسلامي، بالإضافة إلى شخصية الشيخ التي أكسبته كل احترام ودفعت الراهب البوذي، متولي تلك الصومعة إلى وضعها تحت تصرف الشيخ المسلم، حتى يساعده على إتمام مشروعه الجليل في راحة وهدوء.
 وزائر مسجد طوكيو يوم الجمعة يلاحظ تعدد جنسيات المصلين وأجناسهم وألوانهم، وإذا لم يكن في الأمر غرابة على كل جماعة إسلامية، فإن كثيرين لا يتمالكون من الدهشة عندما يتعرفون بعد الصلاة على كاهن بوذي وزوجته اعتنقا الإسلام وآمنا به أعمق الإيمان، عندما وجدا أنه هو الضآلة التي كانا ينشدانها في محاولاتها الروحية السابقة.
والطلائع اليابانية الأولى الإسلام تكاد تكون كلها من هذا الطراز، أمثلة على الطريقة التي تعرفوا بها على الإسلام. لم يحمله إليهم أحد، بل بل هم الذين بحثوا عنه، ووجدوه أو صادفوه في تجاربهم فوجدوا فيه ضالتهم المنشودة ومستقرهم الروحي.
فهذا جندي من جنودي الغزو الياباني في الصين، وذلك موظف في إدارة الاحتلال الياباني في أندونيسيا، وثالث ديبلوماسي في مفوضية يابانية في بلد إسلامي.. تعرفوا على الإسلام في مصادره المتعددة فأضائت أبواره جوانب حياتهم، فحملوا المشعل عائدين به إلى بلادهم، يحاولون أن يضيئوا به قلوبا تبحث عن الهدى والاطمئنان.
  وإذا كان المسلمون اليابانيون لم يبلغوا كثرة عددية، فهم لا يزيدون على بضع مئات، فإن منهم من ضرب المثل على صدق الإيمان والعزيمة الإسلامية.
  فهذا الحاج الدكتور عبد الكريم سايتو، رئيس الجمعية الإسلامية اليابانية والأستاذ في إحدى الجامعات، أرسل أكبر ولديه لدراسة الإسلام والعربية أوشك والشاب المؤمن الصالح على التخرج، واقترب موعد العودة اختطفه المنون في حادثة عجيبة من حوادث القضاء والقدر، أمام عيني والده الذي ورغم فجيعة الوالد في ولده لم يمنعه ذلك من الإصرار على إرسال ابنه الثاني الذي صار وحيده، لدراسة الإسلام في الجامعة نفسها من جديد.
  واليوم، وبعد مرور ثلاثين سنة على إنشاء مسجد طوكيو، يوشك المسجد الأنيق الجميل أن يحني ظهره للزمن وتؤثر عليه الأمطار والأعاصير والزلازل، فتتصدع قبته العالية، وتسقط جوانب من مئذنته، وتتسرب مياه الأمطار إلى داخله وتنساب إلى سجاده، فتبادر سفارات إسلامية وعربية إلى إشعار حكوماتها بهذا الخطر، وتكون الكويت والمملكة العربية السعودية وأخوات لها أول المبادرين المنجدين بأموال وجهود، لتبقى معاني التوادد والتراحم الإسلامي حية نابضة لتشعر كل ذي حس بأن الإسلام ما زال كما كان نابضا في القلوب وسيبقى أبدا رسالة التضامن والحياة دين النهوض والخلود.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here