islamaumaroc

لحظات في صحبة عمر

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 حببت إلي منذ صغري رفقة عمر بن الخطاب، وأضحت مع مرور الأيام عزيزة علي ترتاح إليها نفسي وتجد في صحبتها الاطمئنان الذي يبدد ما يتسرب إلى النفس من الضعف واليأس، ويجدد الثقة بالنجاح والتغلب على كل العقبات مهما تكن شدتها، وفوق هذا وذاك أجد حين قراءة عمر أني أعيش من خلاله حياة الجماعة الإسلامية الحق كما بناها الرسول الأمين وكما وصفها رب العالمين بقوله "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.." فعمر لم يكن في حياته رضي الله عنه إلا ممثلا لخلق وفضائل الجماعة التي شرفته بمركز القيادة وشرفها بارتفاعه لمستوى مركزه القيادي فكانت به وكان بها خير أمة ولم يكن هذا بالأمر السهل فقد كف عمر ما كلفه وتحمل- راضيا- وحمل عائلته معه المشاق التي يحتمل أن تصيب أي فرد من أمته، لقد كان واعيا خطورة مركزه وجعل من حياته مثالا وقدوة لغيره وراقب نفسه باستمرار أمام ربه وعلى هدى من تعاليمه وتعاليم رسوله، فإن هفا عاقب نفسه علانية قبل أن ينتبه الغير لهفوته أو يعلم به أحد، فقد ضرب بدرته، أعرابيا بسوق فراجع نفسه فلم يجد لتصرفه تعليلا وبحث عن الأعرابي حتى وجده فاسترضاه بمال وسلمه الدرة ليقتص منه واندهش الأعرابي عن السبب فقال له بتواضع: لقد ضربتك في السنة الماضية..! فرد الأعرابي دامع العين من هذا الموقف الرهيب أمير المؤمنين يسلم نفسه لي لأقتص منه وعلى ضربت هفت! لم أعد أذكرها!.. فيرفع بأدب رأسه قائلا: يا أمير المؤمنين والله لقد نسيتها وإني أسامحك وسامحتك أمام الله.. ويرتاح عمر لهذه الترضية ويقول إن كنت نسيت فأنا لم أنس وينصرف الأعرابي مسرورا بهذا الموقف العظيم وتبادل الأمة عمر إخلاصا بإخلاص ووفاء بوفاء فتطيعه في الحضرة والغيبة وتنازع الفتاة أمها إذ أرادت مخالفة عمر في قضية عدم خلط اللبن بالماء فتحتج الأم بأن عمر لا يراهما، فتثور البنت لهذا التصرف وتصر على احترام أمر الخليفة ويقدر لعمر أن يكون حاضرا فعجب بأخلاق البنت ويزوجها لولده. ويدعى سيف الله خالد للثورة حين عزل فيقول أما مع عمر فلا. ويثور آخر في وجه الخليفة بالمسجد فيحاول أحد الحاضرين منعه فيشجع عمر على نقده قائلا: دعه لا خير فيكم إذا لم تقلها ولا خير فينا إذا لم نسمعها.. وترتاح نفسي لهذا الانسجام والتلاحم بين الحاكم والمحكوم حتى يختلط الأمر على الذي ينظر لهذه الجماعة من بعيد فلا يستطيع التفرقة بين الأمير والمأمور، وليسأل أمير المؤمنين عن أمير المؤمنين فيدهش حين يعلم أن الذي سأله هو مقصده، وكما يختلط الأمر على الأجنبي بين الناهي والمنهي يختلط عليه أيضا تركيب الأمة وآثار الجماعة والأفراد، لهذا لا غرابة إن وجدنا بعض المستشرقين، وحتى بعض المسلمين الذين لم يستطيعوا النفاذ لأعماق حياة القوم، يقعون في أخطاء وترهات بحق عمر يحسبونها نتيجة لبحثهم العلمي النزيه، ودراستهم المستفيضة، والواقع العلمي من كل ذلك براء. والرد على مثل هذه الأخطاء المقصودة والغير المقصودة في هذه القضية وغيرها من قضايا الإسلام التي تلاقي هجوما مستمرا- لن يكون عن طريق الكتابات التي تعتمد المدح والثناء وإثارة العواطف.. الخ. تلك بعض ما تثيره في نفسي صحبة عمر وتجعلني أعيش سعيدا لحظات ضمن الأمة الإسلامية الحق ولو في رحاب الخيال والتذكر حين عدمت السبيل لحياتها حقيقة، وقد دفعني هذا مرة إلى كتابة شيء عن الفاروق، وحسبت أني أعرف عنه الكثير وبدأت أستعد وما أن بدأت العمل حتى عجزت عن المتابعة وأيقنت أني ضعيف عن تقديم عمر لغيري كما كان وكما هو، وتخليصه مما ألصق به من تنقيص أو مدح مفتعل والإشارة لمواطن عبقريته.. الخ. ورأيي الخاص أن من عبقريات عمر ما هي من معطياته ومميزاته، إن من عبقريات عمر ما هي من معطياته الشخصية ومميزاته، ومنها ما تضافرت على إخراجها شخصيته وأمته، وأرى من الصعوبة الفصل  بين عمر وأمته فقد كان أحدهما يكمل الآخر، فلا هو بدونها ولا هي بدونه، وبديهي أن الإسلام هو أساس الكل، وهذه الحالة لا أحسبها تنطبق على غيره مثل العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وأمام قلة زادي لمواجهة هذا العمل تركت الأمر لمن هو أهل لهذا الشرف وعدت راضيا بما وجدته من متعة في هذه المدة القصيرة التي عشتها مع عمر، ومضت الأيام وجئت باريس أطلب المعرفة وذهب بي موضوع اختصاصي بعيدا فانغمست بكل طاقتي في البحث حول موضوع أتعبني، واستغرق كل أوقاتي، ولم أجد مناصا من أخذ قسط من الراحة وكانت فرصة أعادتني إلى عمر وعصر عمر وكلاهما كما قلت يكونان ما أسميه بعصر الأمة الإسلامية الموصوفة في القرآن والممثلة لعصر النبوة ورفيقه في الغار رضي الله عنه وخرجت من هذه الجولة الممتعة بتسجيل بعض اللمحات عن شخصيتنا وهي تسجيلات جاءت إلى حد بعيد عفوية ولا نهدف من وراء عرضها تقديم دراسة علمية أو ما شابه ذلك وحسبنا أن نذكر عمر بها.
نشأته:
القبيلة التي ينتمي إليها عمر قبيلة عدي بن كعب، والأسرة التي نشأ فيها هي أسرة الخطاب بن نوفل، زعيم القوم وسفير قريش، أما قبيلة عدي بن كعب فهي من أشرف قبائل قريش وأكرمها حسبا بيد أن فقرها وقلة عددها حرمها من المناصب الدينية الكبرى بمكة ولكنه لم يسلبها شرفها فظلت تنافس الشرف بني عبد شمس إلى أن أجبرت في عهد الخطاب إلى ترك ديارها والاحتماء بجوار بني سهم، وأما الأسرة فتحتل مركز القيادة في القبيلة فقد احتفظ الخطاب الأب بسفارة قريش لغيرها من القبائل العربية وحكومته مقبولة في المنافرات لما امتاز به من حكمة، وأما الأم فهي شريفة النسب إنها حنتمة بنت هاشم?1? بن المغيرة.
في حضن هذه الأسرة وتلك القبيلة أبصر النور عمر، ولا سبيل إلى تحديد التاريخ المدقق لهذا المولود، وحسبنا بعد البحث والتنقيب أن نعتمد على الرواية التي تحدد السنة الثالثة عشرة?2? بعد ميلاد سيدنا الحبيب محمد رسول الله.  
طفولة غير معروفة:
نعم إن طفولة عمر غير معروفة ولا سبيل لمعرفتها معرفة كافية، ومحاولة تحديد معالم هذه الطفولة صعبة والاعتماد على الأخبار القصيرة والمنقطعة لا تكفي وحدها، ومن هذه الأخبار نعلم أنه عاش طفولة صعبة وشاقة كان لها ولا شك أثر في تكوينه، ولم تستطع الأيام أن تمحي آثار هذه الطفولة القاسية من ذاكرة عمر، فقد مر، وكان تولى الخلافة- يوما بمكان يسمى ضنجان فتأمل المكان في صمت وقال "لا إله إلا الله المعطي ما شاء من شاء كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف وكان فظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت".
 واستمر مدة يرعى غنم أبيه وبعض غنيمات خالته?3? ويضطلع بمهام يومية شاقة لعجز ذات يد الخطاب عن استعمال الخدم والحشم، وكان الخطاب نفسه يشاطر ابنه العمل والكد فقد وصف حالته عمرو ابن العاص في كلمته لمحمد بن مسلمة الذي كلفه عمر بمحاسبته عن الأموال التي جمعها "لعن الله زمانا صرت فيها عاملا لعمر? والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لا تتجاوز مأبض ركبتيه وعلى عنفه حزمة حطب والعاص بن وائل في مزرات الديباج"? من مثل هذا النتف يستطيع المرء تصور طفولة عمر، ولكن هذا التصور يجب أن لا يتم بمعزل عن مركز قبيلته ومركز والده والتنافس الدائر بين قريش لتوالي المراكز الدينية بمكة، وهي عوامل عاشها عمر ووعاها بعمق وتصور أنه مؤهل لتولي سفارة قريش بعد أبيه، وربما احتل منصبا دينيا، فترك الرعي ومارس التجارة برأس مال صغير، ولم يكن يهدف من ذلك جمع المال فقط وسافر إلى الشام?1? وشارك أقرانه حياتهم وتفوق عليهم، وكان يشعر بهذا التفوق فتحدى غيره في المصارعة وركوب الخيل.. ولا يرضى أن يتفوق عليه أحد، ورأى يوما فارسا ينهب بجواده الأرض نهبا فصاح "واللات والعزى لقد خلتني إياه"?2? قال ذلك إعجابا بقدرته، وشرب الخمر وأحبها دون إفراط وتهتك رغم أنه كان يختص دون رفاقه بالكأس الكبيرة، وتولى عن جدارة واستحقاق سفارة قريش?3? وتولى الدفاع عن آلهتها فعادى كل دعوة مناوئة بغلظة وشدة كما سنرى.
شدة عمر:
كما نبهنا آنفا لا نبغي دراسة معللة وإنما تسجيل لمحات، عن عمر كما هي، ومن المعلوم أن عمر عرف بشدته وهي صفة أبداها بعض الصحابة للصديق حين استشارهم في تولية عمر أمر المسلمين، وتخوفوا منه، والواقع أن عمر كان شديد المعاملة وهي شدة لا تعني الاعتداء في اعتقاده وإنما تعني في نظره الدفاع عن حق مشروع ووضع للأمور حيث يوجب أن توضع حسب إيمانه واعتقاده، وقساوته في الدفاع عما يومن بأنه الحق كانت تصيب أقرب الناس إليه وكان أشد ما يكون حين يدافع عن معتقداته في الجاهلية والإسلام فقد ثار لأوثان قومه عندما بلغه قول ابن عمه زايد بن عمرو بن نوفل:

فلا العزى أدين ولا ابنيها
              ولا صنمي بغي طمس أدبر
أربا واحدا أم ألف رب
              أدين إذا تقسمــت الأمــــور

  وقال مهددا "تبا له ولا غفرت العزى كفرانه خيرا فعل الخطاب إذ أخرجه من مكة ومنعه من أن يدخلها منذ أن فارق ديننا وعادى أوثاننا وصبا يتلمس إلها عند اليهود والنصارى فلم يظفر من هؤلاء وأولئك بخير فزعم أنه على دين أبيه إبراهيم ولو أن الخطاب ترك لي أمره لصرعته فأوردته
حتفه"?1? بمثل هذا يواجه عمر من أراد تسفيه معتقداته، وإن كان الأمر يتعلق بابن عمه الذي أخرجه والده من مكة ووكل به سفهاء قريش وأمرهم بإذايته وطرده من مكة إن علموا بدخوله?2? لها.. ولم يكن موقف عمر من الإسلام أحسن من موقفه من ابن عمه، فقد ناصب الإسلام ورسوله العداء منذ اللحظة الأولى وقاوم الدعوة والمؤمنين بها بكل عنف وصلابة، ويقول عن نفسه "كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها"?3? واستمر على عدائه إلى أن شرح الله صدره للإيمان فآمن واهتدى بعد أن كان يخيل للناس أنه أبعد الجميع عن الإسلام. قال سعيد بن زيد "والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام أنا وأخته وذلك قبل أن يسلم وروت أم عبد الله بنت حنتمة قائلة لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر حتى وقف علي وكنا نلقي منهج البلاء والأذى، والغلظة علينا فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قالت نعم والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجا، فقال عمر صحبكم الله، ورأيت منه رقة لم أرها قط فلما جاءها عامر بن ربيعة وكان قد ذهب في بعض حاجاته وذكرت له ذلك فقال كأنك قد طمعت في إسلام عمر? قلت له نعم فقال إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب? نعم عداوة عمر للإسلام جعلت إسلامه أمرا مستبعدا في رأي من نالتهم عداوته، ولكن دراسة نفسية عمر ربما جعلت إسلامه من الأمور المفروغ منها، وقد حلل هذه النقطة جيدا المرحوم العقاد في عبقرية عمر.
إسلام عمر:
استجاب السميع العليم لدعاء رسوله الحبيب "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة?4? فأسلم عمر وجهه لخالقه وانقاد للحق إذ عرفه طائعا فكان إسلامه فتحا عظيما ونصرا مبينا وتختلف الروايات في كيفية إسلامه، ونحن لا نعتقد أن اقتناعه جاء ابن لحظته دون سابق تفكير كما يمكن فهمه من روايات إسلامه، سواء تلك التي جاءت عنه حيث يخبر أنه أسلم حين سمع الرسول يقرأ بالكعبة وقد جاء يريد به شرا أو تلك التي تحكي قصته مع أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد نقول هذا ونحن على بينة من طبيعة عمر، وسواء أسلم لأول مرة في المكان الموجود بين دار العباس ودار ابن أزهر على يد الرسول لا ثالث لهما أو أسلم بدار الأرقم فإن الروايات رغم صعوبة الجمع بينها تؤكد أن إسلامه جاء نتيجة تأثره المباشر بالذكر الحكيم?5? أولا وبخلق الرسول الأمين ثانيا. وجاء إسلامه بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام في شهر ذي الحجة من السنة السادسة للنبوة ولم يكن عدد المسلمين يفوق الخمسين بينهم إحدى عشر امرأة?1? وبالرغم من هذه القلة فإن عمر ما إن أسلم حتى أخذته شدته المعهودة في الدفاع عن معتقداته، فقال يحث الرسول: يا رسول الله ألسنا على حق إن متنا أو حيينا، قال الرسول بلى والله إنكم على الحق إن متم أو حييتم فقال ففيم الاختفاء والذي بعثك بالحق لتخرجن، فخرج (ص) في صفين- عمر في أحدهما وحمزة في الآخر- لهما كديد ككديد الطحين حتى دخل المسجد فنظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط وسماه الرسول (ص) يومئذ الفاروق?2?. وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقال صهيب بن سنان: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا وطفتا وانتصفنا ممن غلظ علينا، ويشتد عمر على المشركين كما اشتد بالأمس على المسلمين فيقول: "والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف لا نعبد سرا بعد اليوم، فأنزل الله "يا أيها النبيء حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"، وذلك أول ما نزل من تسمية الصحابة مؤمنين، وأبت عليه شهامته وشجاعته أن يجد نفسه محميا دون كثير من المسلمين من إذاية قريش فرد مختارا جوار من أجاره حبا في مقاسمة إخوانه آلام المشركين ولم يفعل ذلك شهورا بل عن رأي وبعد نظر، لهذا نجده يحجم عن المخاطرة حيث يكون أفضل، فقد اعتذر للرسول حين كلفه بتبليغ ما جاء به لأشراف مكة قائلا يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي، إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان?3? ونحسب أن إشارته لعثمان غير قائمة على خوفه فقط وإنما فيها تقدير لظروف لاحظها ولقيت استحسانا من صاحب الرسالة عليه السلام.   
رجل القيادة:
حظيت شخصية عمر بإعجاب وتقدير الكل ووقف عندها كل الذين كتبوا عنه بشكل أو آخر، ومن الكتابات المهمة كتابة المرحومين هيكل والعقاد، ولم تسلم شخصية عمر من الأقلام الحاقدة مثل إيميل إتيان وغيره.. وقيادة عمر لا كباقي القيادات التي تبرز في ميدان من الميادين ولكن قيادته كانت غنية ومتنوعة الجوانب، فقد قاد عن جدارة أمته في الميدان السياسي والعسكري والتشريعي والاجتماعي.. الخ. وكان في كل ذلك القائد المبدع، فهو صاحب فكرة جمع القرآن الكريم?1? بعد حروب اليمامة وأهل الردة وهو الذي لقي الصديق بعد ستة أشهر من خلافته فقال له أين تريد، قال إلى السوق- وكان يرتزق من عمل يده- فقال عمر تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين، قال فمن أين أطعم عيالي؟ قال انطلق يفرض لك أبو عبيدة، وقد فرض عمر لقاضيه على الكوفة مائة درهم شهريا مع مؤنته، وأدخل العسس الليلية، وأنشأ إدارة لتسيير مالية الدولة تحت اسم الديوان وأنشأ نظام المقاسمة لكي لا يجور عماله.. الخ. والذي يتتبع ما أحدثه من مرافق وما سنه من أعمال يدهش لمقدرة الرجل وسعة إدراكه، فموقفه من أراضي العراق وجيش أسامة وغيرهما، وسلوكه مع الرسول وخليفته ومع المؤمنين في خلافته هو نفس السلوك العمري وهي استمرارية نلحظها في عمر حتى قبل إسلامه، ويمتاز عمر بالسرعة التي يصل فيها لقراره، فإذا قر رأيه على أمر أصر على تنفيذه كما في أراضي العراق ومسألة جمع القرآن، وبنفس السرعة يتخلى عن رأيه إن اقتنع أو أقنع عن بينة مثل موقفه من جيش أسامة ووفاة الرسول، وعمر يطلب الاقتناع الداخلي لا مجرد الاعتماد على الحجج الشكلية فكثيرا ما خالف النص، مسألة قطع يد السارق عام المجاعة?2? ومسألة الطلاق.. الخ.   
  وهذا لا يعني مطلقا أنه كان متساهلا أو معجبا برأيه بل كان مجتهدا عديم المثيل، "وكل عمل يأتيه يؤخذ قضية مسلمة أنه دخل في حدود الإسلام?3? لأنه- وتلك نقطة مهمة- كان يشرك معه الأمة ما أمكن في اجتهاده فيضفي على اجتهاده الصفة الاجتماعية مثل اعتباره لخمسة معارضين وخمسة مؤيدين للتقرير في أرض العراق ولأن اتهم بالشدة كما اتهم بالتساهل فإن شدته محببة إلا على من كره الشدة في الحق وأراد فتح الباب على مصراعيه للمستغلين وحثالة القوم والسفهاء ليتلاعبوا بمقدرات الدولة كما وقع أيام ذي الثورين عثمان رضي الله عنه حيث استغلت طيبوبته وليونته، ذكر أعرابي عمر يوما بأنه قاتل قريبه فقال عمر أعرف وإني أبعضك فقال الأعرابي وهل يمنعك هذا أن تعطيني حقي، فأجاب عمر محتدا معاذ الله، فقال الأعرابي إنما تأسف النساء على الحب وشدة عمر وصرامته في الحق، كانت هي معاملته منذ أن كان وعامل نفسه وأهله بذلك قبل أن يعامل غيره وإن كنا نرى أنه أقسى ما يكون على نفسه وذويه حتى لنجد في قسوته هذه ما يتجاوز الحد، وكان بذلك يهدف لضرب المثل وقطع القيل والقال، وكان "إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وقال لهم إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم يا معشر أهلي نظر جوارح الطير إلى اللحم وأقسم بالله لو أحدا فعل ما نهيت الناس عنه إلا زدته في العقوبة ?4? وفعلا زاد عقوبة ولده فأعاد جلده رغم أن الحد أقيم عليه بمصر، وكان يثور أشد ما تكون الثورة إذ يرى أصحاب السلطة يستغلون سلطتهم لمصالحهم الخاصة، مثل قصة عمرو ابن العاص ومعاوية والأمير الغساني مع الشاب الفزاري.. لأنه قرر أن المجرم الكبير تكبر جريمته.
نكتفي بهذه الملاحظات السريعة عن شخصية عزيزة وحبيبة نقدرها ونعجب بها لأنها تستحق الإعجاب والتقدير.   
تلك هي شخصية عمر الفاروق الذي قال فيه الرسول الاكرم : ان الله جعل الحق على لسانه وقلبه )) وقال علي كرم الله وجهه : ذلك امرؤ سماه الله بالفاروق (19) فرق الله به بين الحق والباطل, وكان الشعبي يقول : من سره ان ياخذ بالوثيقة في القضاء فلياخذ بقضاء عمر, وقال ابن المسيب ما اعلم احدا بعد رسول الله (ص) اعلم من عمر بن الخطاب .
و قال مجاهد : اذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به .
نكتفي بهذه اللمحات عن شخصية لها مواقف جليلة في تاريخ الفكر الانساني, يقصر بنا المقام عن ايفائها حقها, وعسى ان تتاح لنا المناسبة لمعاودة صحبة عمر رضي الله عنه ورحمه .


  1
    الرياض النضرة 1: 188، شرح المواهب 1: 320- والصحيح أنها بنت هاشم لا هشام.
?2?  الخلفاء الراشدون- النجار 113.
?3?  الخلفاء الراشدون 113 "ك" هيكل 24- 26.
?1?  الطنطاوي 22- 25.
?2?  هيكل، 24- 26
?3?  الاستيعاب 2: 459
?1?  هيكل 26
?2?  ابن هشام 1: 149
?3?  ابن هشام 1: 217
?4?  وعن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين  إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب وجمع ابن عساكر بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم دعا بالأول فلما أوحي إليه بأن أبا جهل لن يسلم خص عمر بدعائه. شرح المواهب1: 317- صحيح الترمذي 2 وغيرهما.
?5?  الطنطاوي 25- 44 الإصابة 2: 519- ابن هشام 1: 218- مسند الإمام أحمد وغيرها.
?1?  يقارن بين تاريخ الخلفاء 42 ابن الجوزي 13- 14 حلية الأولياء 40 والاستيعاب 2: 459.
?2?  تاريخ الخلفاء 42 حلية الأولياء 40.
?3?  ابن هشام 2: 227.
?1?  الخلفاء الراشدون 104 وغيره.
?2?  وكان يشتد حين يكون المبرر، قال مرة لسارق أوتي له به لم سرقت؟.. فقال قضاء الله?.. فأمر به فقطعت   يده وضرب أسواطا فقيل له في ذلك.. فقال: القطع للسرقة، والجلد لما كذب على الله?.. فكان رضي الله عنه يعتمد روح الدين وما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لوجه الصواب. أبو زهرة- مالك ص 143- 180.
?3?  محمد قطب الإنسان بين المادية والإسلام 199.
?4?  عبد القادر المغربي الأخلاق والواجبات 180 أبو زهرة تنظيم الإس

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here