islamaumaroc

الفكر الإسلامي في مواجهة حملات التشكيك والتبشير

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  يواجه الفكر الإسلامي اليوم، وفي هذه المرحلة بالذات، حملات متعددة من التشكيك وإثارة الشبهات تستهدف إخراجه عن قيمه ومفاهيمه وذاتيته عن طريق إلقاء ضوء حول صلاحية هذه القيم أو عدم صلاحيتها كأساس لقيام ضوء حول صلاحية هذه القيم أو عدم صلاحيتها كأساس لقيام النهضة ومحاولة رد "آثار النكسة" إلى هذا المعنى، بينما يبدو واضحا للباحث المنصف أن جذور فكرنا وأصوله العربية الإسلامية ما كانت يوما ولن تكون حائلا دون النهضة، بل إن النهضة بدونها سوف لا تكون كاملة على النحو القوي المشيد.
  ومن الحق أن يقال في مواجهة هذه الشبهات أن المجتمع العربي تديني والدين جزء منه لا ينفصل عنه وأهم سمات الثقافة العربية (المستمدة من الفكر الإسلامي) لا تفصل بين القيم الروحية والقيم المادية.
  ولعل من أول ما يحاول دعاة التبشير والتغريب التركيز عليه في هذه الفترة هو الدعوة إلى الاتجاه نحو "العلوم العصرية" وحدها باعتبارها الهدف الحضاري الذي يوصف أنه عامل النهضة والتقدم، ولقد نبه العرب إلى ذلك منذ سنوات طويلة خبر منصف هو العلامة جوستان لوبون ونصح بها الطلاب العرب والمسلمين الذين زاروه في باريس حين قال لهم :
" ان العلوم العصرية لا تفيد لمسلمين والعرب إلا إذا اقترنت بتربيتهم الدينية وسارت جنبا إلى جنب مع أوضاعهم وعقلياتهم، وأن تهذيب العرب والمسلمين بالمعارف العصرية الأوربية خارجا عن دائرة تقاليدهم وعقائدهم انحطاطا وفساد أخلاف ولن تنفعهم هذه العلوم إلا إذا كانت ضمن دائرة عقيدتهم وقوميتهم".
وقد صورة هذه الرابطة بين الحضارة والدين في الفكر الإسلامي كاتبان غربيان هما : ريفلين وسبلوفيكسي في كتابهما : الشرق الأوسط المعاصر :
" إن أول ركائز الاجتماع والثقافة في الشرق الأوسط هو " الدين الذي يحدد العلاقات بين أفراد المجتمع، ففي مجتمعات الشرق الأوسط خلافا للمعهود في المجتمعات الغربية وحدة وثيقة بين الدين والمجتمع، ولا انفصال هنا بين ما هو دنيوي وما هو أخروي، والروح الدينية منبثة في جوانب الحياة كلها في موصوفاتها ولغاتها ولهجائها، ولسنا بحاجة إلى أن نصف الدور  الهام الذي يقوم به الدين في الحياة الاجتماعية والثقافية في الشرق، فإن في تاريخ أي بلد شرقي ما يثبت أن لدين ينفذ إلى كل نشاط اجتماعي وعقلي للشعوب، بل إنه في الواقع العامل المسيطر على حياة الشرق، رجاله ونسائه، ولا يمكننا أن ندعي وجود طائفة لها اعتبارها من أبناء الشرق لا تهتم بشؤون الدين السائد في
مجتمعها، لهذا من العسير على الغربي أن يفهم حياة الشرق الاجتماعية دون أن يفهم "الدين" الذي تدين به الجماعة والتي تحاول دراسة ثقافتها".
ويفهم من هذا " أميل درمنجم" ويعبر عنه أصدق تعبير حين يقول :
"إن حضارة الإسلام هي مثل أعلى رفيع يجمع بين الدين والدنيا والبعد عن النفعية والرهبانية على سواء."
 ومن الحق أن يقال أن الإسلام لم يكن هو مصدر تأخر المسلمين، بل كان مصدر تقدمها، بينما كان الموقف مختلفا بالنسبة إلى الغرب، فإن الإسلام لم يلبث في خلال قرن واحد من بزوغ فجره أن أقام حضارة باهرة بينما ظلت الأمم الأوروبية عشرة قرون بعد دخول المسيحية إليها قبل أن تنهض، وقد أصبح الترابط في الدين والمجتمع في مفهوم الإسلام بوصفه دين عبادة ونظام وحضارة جميعا، هذا الترابط أصبح واضحا في مختلف كتابات الغربيين والباحثين اليوم.
أما التبشير والتعريب ودعاوي كتبهما فإنها مستمدة من مفهوم خاطئ أصلا، وقائمة على خطأ متعمد، هذا الخطأ يقوم على محاولة اعتبار الإسلام دينا تعبديا ولهذا فهي تحاول اقصاءه عن مختلف مظاهر المجتمع.
 وقد وضح تماما للباحثين المنصفين استحالة ذلك وأكد كل المؤرخين المنصفين أن جميع الحركات الإصلاحية والسياسية والوطنية والقومية والتحررية التي قامت في العالم الإسلامي في مجال العدل الاجتماعي أو الحرية أو الوحدة إنم كانت تستمد مفاهيمها وجذورها من التراث الإسلامي ......الخصيب الموحي دائما بالمقومة والنضال والجهاد في سبيل تحرير الأرض وتحرير النفس، وأقرب مثل إلينا (ثورة الجزائر) التي كان منطقها الإسلامي – باعتراف خصومها أنفسهم – كان هو منطلقها ومصدر نجاحها بعد استمرارها بعتاد وإصرار وتقدمها مليونا من الشهداء.
وقد اعترف كتاب الغرب بهذه الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها وهي أنه لم تقدم حركة وطنية تقدية في العالم العربي إلا وكانت روح الإسلام أساسها، وأكد (ماملتون جب) و(الفريد كانتول سميث) هذا المعنى في دراستهما، وقال جب بالحرف "ان العرب متمسكون بلغتهم وأدبهم ومعنيون بمجد الإسلام" كما أكد أن العرب لن يتنحوا عن لغة القرءان التي تربطهم بالعالم الإسلامي كافة وأن الروح الإسلامية ستبقى تسود بلادهم وستقدم أبدا بلا كلل ولا ملل ولن يطرأ عليها أي ضعف أو وهن" ا.هـ
 ولذلك فإن الدعوة المضللة التي تنطلق في بعض الشعوبيين والتغربيين تحت عنوا "تحرير الذات العربية من الإسلام" لن تجدي فتيلا وستواجه ما واجهته الدعوات التي سبقتها من الرفض والهزيمة.
وأن الشعوبيين ودعاة التغريب الذين يتحدثون عن هذا ويظنون أنه سيحقق لهم "أملا" يهدف إلى "إخراج الجيل الجديد من إطارات الدين" كما يقولون، هم واهمون فإن العرب يعرفون أن النصر القادم سوف لا يحقق لخصوم العرب ملا، وان استغاوا فترة النكسة لإذاعته فسوف يثبت لهم الغد أن هذه الأمة ستظل متمسكة بقيمها الأساسية وتراثها وجذورها تستمد منها دوما النصر والقوة.
أما ما يرددونه من أن أسباب التخلف إنما ترجع إلى الإسلام أو إلى الإيمان بالدين فتلك دعوى قديمة أعلنها كرولر ولبوتي من قبل ستين عاما وما زال أتباعه يرددونها وكل الدلائل تكذبها، لأن الأمة العربية بإيمانها بالإسلام وبلغتها وتراثها العربي الإسلامي لا تعارض الدولة العصرية، بل أن هذه المقومات الأصيلة هي التي تدفع إلى النهضة والتقدم.
 والعرب والمسلمون هم الذين أنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي هو حجر البناء في الحضارة الحديثة. والإسلام بدعوته إلى العلم وإلى النظر في الطبيعة إنما هو الذي حفزهم إلى ذلك.
ومن النظريات التي يحاول النفوذ الاستعماري إذاعتها عن طريق قوى التبشير والتغريب الدعوة إلى "تقبل الحضارة الغربية بفكرها تقبلا كاملا" وهو ما لا تقره الشخصية العربية ذات الذاتية الأصيلة والملامح الواضحة في ثقافته وقيمه التي كان لها ولا ..........الرصيد الضخم والتاريخ الطويل الزاخر بالبطولة والإيمان والطابع الإنساني المؤمن بالإخاء الإنساني والعدل الاجتماعي والحرية والكرامة.
  ومن حق العرب التماس عوامل القوة والحيوية والإيجابية في الحضارة، ولكنهم سيظلوا قادرين
دوما على الاحتفاظ بشخصيتهم قوية حية وذاتيتهم كريمة غلابة دون أن تذوب في غمار الأممية أو تسقط في ظلال النفوذ الأجنبي أو ما يطلق عليه الفكر العالمي.
 وعلى الذين يرون أن محاولات تفريبية قديمة قد حاولت سلب الشخصية العربية والذاتية العربية طابعها وروحها، وأن هذه المحاولات قد فشلت أو أجهضت عليهم أن يعلموا أن كل المحاولات الجديدة ستبوء بنفس الفشل، وعلينا أن نذكر كيف واجه العالم العربي أزمتين خطيرتين هما هجوم الفرنجة وهجوم التتار وذلك من خلال أكثر من مائتي عام وقد أثبتت الذاتية العربية ذات الجذور العميقة أنها قادرة على الصمود والمقاومة.
 واليوم تواجه الذاتية العربية نفس الموقف أو شبيها به في قوة وإصرار لا يغلب، وكل محاولات التبشير والنفوذ الأجنبي لإثارة هذه الشبهات سوف لا يحق شيئا لأن الفكر الإسلامي العربي أشد ما يكون قوة وحيوية ومضاء.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here