islamaumaroc

ذكرى المولد نبراس العود إلى الحقيقة

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  قد لا يعزب عن البال ما بلغه العالم فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام قرابة 600 سنة من تفاقم واختلال سواء في العقيدة والاجتماع أو سواهما من مقاصد الحياة حيث طغت القبلية وقامت العصبية على أشدها بين القبائل والعشائر- وعاشت الأمم في خضم من التناقض والتناحر، وأصبحت الحروب بين الفخذ والفخذ تستعر نارها على التافه من الأشياء وأدناها- فيقضي على نفوس ومهج قد لا ينجو من شواظها حتى البرءاء من المحايدين في قلة نادرة- كانت تلزم الانعزال وغالبهم من الذين بقوا متمسكين ببصيص من شرعة الأديان القديمة يهودية أو مسيحية بالأخص بطارقة الصوامع ورهبانهم. 
 
ذلك ما فسح المجال للجاهلية الجهلاء- أن تترعرع متجذرة في تمكن من النفوس لحد بلغت الوحشية فيه أقصى مداها مما لا يتصور صدوره حتى من أضرى وحوش الغاب. - شيء عانت البشرية من ويلاته مرير العيش وضنك الحياة متطلعة بنفوس جد قوية للخروج من مآزق الجاهلية وأوهام الأحلام، ورواسب الأساطير، والإخلاد إلى الخرافات التي كانت تسيطر على العقول والأفكار والتفاني في المعبودات على اختلاف ألوانها- نجوما وأحجارا وحيوانا ونيران.  
 
بيد أن الكتب السماوية كانت تحمل فيما تحمله من آيات- البشارة برسول عربي سيخرج من قريش يكشف عن البشرية ما تعيشه وتقاسيه من ظلم واستبداد طالما عانت شدائده أمم القارات (الموجودة وقتئذ) على اختلاف أجناسها وألوانها.. نعم، جاءت البشارة في التوراة وضاءة تعلن من السماء عن تلك الحقيقة المنتظرة بتلهف وفارغ صبر فقد جاء في الفصل العشرين من السفر الخامس منها "أقبل الله من سينا، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه- سينا مهبط الوحي على موسى- وساعير مهبط الوحي على عيسى- وفاران جبال مكة مهبط الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم.
 
وفيها في الفصل الحادي عشر من هذا السفر: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي في فيه، ويقول لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه.
 
وكذلك جاء في الإنجيل- ما هو بشارة به- ففي إنجيل يوحنا في الفصل الخامس عشر قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي يعلمكم كل شيء.
 
وفيه أيضا: قال المسيح: من يحفظ كلمتي يحبني، وأبي يحبه، وعندئذ يتخذ المنزلة، كلمتكم بهذا لأني لست عندكم بمقيم. والفارقليط- روح القدس- الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم- أستودعكم سلامي، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني تفرحون بمضيي إلى الأب. وفيه كذلك: إن خيرا لكم أن أنطلق لأبي لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم- فإذا جاء فهو يوبخ العالم على خطيئته. وإن لي كلاما كثيرا أريد قوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله، ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق- لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب.
و(الفارقليط- لفظ يؤذن بالحمد فسره بعضهم بالحماد، وبعضهم بالحامد، ففي مدلوله إشارة إلى اسمه عليه السلام أحمد).
 ومثل الآية السابقة- قوله تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" الآية 157 من سورة الأعراف.
 
فرسالة عيسى جاءت امتدادا لرسالة موسى وتصديقا لتوراته- وتمهيدا في نفس الوقت للرسالة الخاتمة وتبشيرا برسولها- وإذا فقد أتى عيسى عليه السلام ليسلم أمانة الدين الإلهي التي حملها بعد موسى إلى الرسول الذي يبشر به (محمد صلوات الله عليه).

مولد المبشر به:
 لقد حدث التاريخ الإسلامي وسيرته الصادقة: أن القدر شاء أن يتزوج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب- وهي من أفضل نساء قريش نسبا وموضعا فحملت منه برسول الإنسانية محمد عليه السلام غير أن أباه لم يلبث أن توفي بعد الحمل بشهرين.
 
وعندما تم حمل آمنة وضعت الولد المنتظر- فاستبشر العالم بميلاده وذلك سنة 571م في السنة الأولى من واقعة عام الفيل- الموافق للأيام الأولى من ربيع الأول.
 
ومن كثب أرسلت أمه لجده- عبد المطلب- تبشره فأقبل مسرورا وقد فاض به السرور- وذكر ابنه- عبد الله وقلبه مفعم بالغبطة لخلفه وأسرع إلى زوج ابنه- آمنة- وأخذ طفلها بين يديه- وسار حتى دخل به الكعبة وسماه- محمدا- لرؤيا رآها مع ما حدثته به أمه حين قيل لها: إذا وضعته فسميه محمدا- ورغم أن هذا الاسم لم يكن شائعا قبل عند العرب لكن أراد الله سبحانه أن يحقق ما قدره وذكره فيما أنزله على الأنبياء من كتب- كالتوراة والإنجيل الملمح إليهما آنفا.
 
فحضنته لوضعه أم أيمن- بركة الحبشية- أمة أبيه عبد الله.

رضاعة:
انتظرت أمه آمنة مجيء المراضع من بني سعد لتدفع به إلى إحداهن- كعادة أشراف العرب من أهل مكة التي لا تزال متبعة عندهم، إذ تجدهم يبعثون أبناءهم للبادية في اليوم الثامن من مولدهم، ثم لا يعودون إلى الحضر حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة- ليكون أنجب لمواليدهم- ذلك أن المربي في المدن غالبا ما يجيء كليل الذهن، فاتر العزيمة، حتى كان بعض الآباء يسعى حثيثا في اختيار المراضع لأبنائه- رغبة- أن يرضعوا لبنا خالصا من نسوة بدويات صحيحات الأجسام ربين في هواء البادية الطلق النقي الذي لا يلبث يغذي ألبانهن ويصفيها من عاديات الأخلاط، ورواسب الأهوية المتعفنة التي لا تخلو منها مساكن المدن الحضرية- والويل كل الويل لأم تدفع ابنها لمطلق مرضعة (يا عالما بلبنها) فهناك تثور ثائرة الأب الساهر على تنشيء أبنائه نشأة صحية تساعدهم على مجابهة الآتي المنتظر- وكتدليل على هذه الظاهرة ما توحي به القصة التالية:
 
أن الشيخ أبا محمد الجويني الشافعي- كان أول أمره (حسبما حكاه ابنه عبد المالك) ينسخ بالأجرة فاجتمع له من كسب يده قدر اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح ولم يزل يطعمها من كسب يده- إلى أن حملت بإمام الحرمين- وهو مستمر على تربيتها بكسب الحلال- فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدا من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يوما وهي متألمة والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منها قليلا- فلما رآه شق عليه، وأخذه إليه، ونكس رأسه ومسح على بطنه وأدخل أصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه- ويحكي الولد عبد الملك- إمام الحرمين- قائلا: كان يلحقني بعض الأحيان- فترة في مجلس المناظرة- فأقول: هذا من بقايا تلك الرضعة. والوليد محمد صلوات الله عليه أرضع في بني سعد- فكان من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية زوج أبي كبشة الرجل الذي كانت قريش تنسب له الرسول حينما يريدون الاستهزاء به- فيقولون: هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء، فالمولود محمد عليه السلام أجدر بهذه العناية، وأولى بتلك الرعاية المحوطة بحفظ الله وتكريمه كبشر من أصفياء خلقه سيحمل رسالة البشارة والنذارة للمجموعة الإنسانية في مستقبل كهولته، فقمن به أكثر أن تصان تربيته البدنية- ويحتاط لها كي تكون أصفى وأقوى- ضرورة إن مواقف الرسالة والتبليغ يقتضيان بطبيعتهما أن يتوفر حاملهما على أكمل الصفات وأجمل الخصال- قوة وفصاحة وأمانة. ذلك وما انضاف إليه من آثار حميدة ساعدت الناس على اختلاف وجاهتهم على الانصياع للإجابة عندما أوحى الله إليه- كنبي ورسول- فكانت تلك القيم والشيم التي تكونت معه ونشأ عليها منذ ولادته من تهيئات وإرهاصات لا تحصى كمقدمة لرسالته الخالدة، التي عم إشعاعها الشرق والغرب والشمال والجنوب- في ظرف يسير لم يزد على عقدين ونيف- لكن أثر عقبات كأداء وعراقل ممضة، أدت بالرسول الأعظم إلى الهجرة من مسقط رأسه- مكة المكرمة- إلى- المدينة المنورة- حتى إذا اشتد ساعده، واعتضد الإسلام وقوي جانبه، اندفع الناس لاعتناق الدين الجديد- الإسلام الصحيح- والدخول في حظيرته عن صدق أفواجا أفواجا- أثناء حروب وغزوات شارك في معامعها الرسول صلوات الله عليه وأصيب فيها بما أصيب به غيره من المجاهدين.. نعم كانت غزوات المسلمين وفي صفوف الرسول عليه السلام دفاعا عن كلمة الله وصيانة للحوزة الإسلامية، وحفظا للعقيدة من مهاوي الشرك والوثنية، وبث أنماط الإديولوجيات التي عرفها العصر الأول للإسلام- لا توسعا وإكراها لنشر الدين الجديد- إذ هو دين بطبعه مرن يغشى القلوب ويخالطها دون استيذان.
 
هكذا انتشر الإسلام في الأقاليم عندما لاحت أنوار فجره الصادق ناشرا بنوده الخفاقة في غير ما جانب من جوانب الكرة الأرضية.
 
وقد لا يعكر سيره- كدين إنساني قويم، روحه السمو والعطف والعدل في المقدمة- أن ينتكس في بعض فتراته التاريخية (كطبيعة كونية) فيصاب بضعف ونوبات تأخرت- كسقوط بغداد في أيدي المغول والتتار، وسوى ذلك من العثرات التي تعرض لها في فكره وحضارته وباقي قيمه المثلى.
 
فما على المسلمين إلا أن يعودوا إلى البحث من جديد ليقفوا على نقط الضعف الواقعة في قوة الإسلام- كمبدأ وعقيدة- طالما أن محاولات جبر الكسر تعددت وتلاحقت منذ عهد بعيد- فبعد ما حددوا النفس لحظات- فحتم أن ينطلقوا اليوم من جديد وفي شيء من القوة والتكييف لمفاهيم الأشياء وفلسفتها كي يلتحقوا بركب القافلة الجديدة واضعين مقاييسهم حذو مقاييسها.
حيث لم يعد ما عرف قبل هو نوع ما يجري الساعة- خاصة قبل الحرب العالمية الأولى بقليل  ( 1914).
 
وهذا هو بالذات ما استفاق له المغرب واستيقظ من سباته العميق- فأخذ يسعى جادا في تغيير أنماطه، وتنويع أشكاله- ماديا وأدبيا- اقتصاديا واجتماعيا، ولا أدل على هذا من دعوته لانعقاد "مؤتمر القمة الإسلامي" بأرضه وعاصمته رباط الفتح- في 21 شتنبر سنة 1969- المؤتمر العام الذي لم يسبق له نظير في الدولة الإسلامية منذ تاريخها.
 
ويلذ لي أن أورد هنا بعض فقرات من خطاب الملك المعظم الحسن الثاني أيده الله يوم الافتتاح قال: "إن حقبة من الزمن ليست بالقصيرة ولا بالسليمة- مرت على بلادنا- فاستعمرنا وانتصب على أرضنا الدخيل، وعدو الديانة الإسلامية- فصار ذلك عارا ملصقا بنا- وبالتالي بمعتقداتنا- فبعدما كان الإسلام وقادته الأعلام وحكماؤه، وأطباؤه وعلماؤه وفلاسفته- بعدما كانوا روادا للبشرية، وبعدما كانوا قادة للحضارة- أصبح يقال فينا: إن الإسلام يعوق كل تقدم- إن الإسلام لا يقف حاجزا بين من يعتقده ومن يعتنقه، وبين كل تقدم ملموس في الميدان الحيوي والميدان التربوي، وفي الميدان الاقتصادي والثقافي والتقني". 
 
ومهما يكن- فعلى المسلمين أن يعودوا إلى حقيقة الإسلام ناهجين سبيله الحق- عقيدة وسلوكا- إذ لا تصلح أمته اليوم إلا بما صلحت به أممه الأولى- علما وسلوكا- وبالتالي- جريا على موجب تعاليمه النظيفة في شتى مناحيها- ماديا وروحيا- وبهذا الروح المؤمن، نكون قد وفينا بعهدنا وميثاقنا للمولود الكريم- محمد صلوات الله عليه- الذي نحتفل بذكراه من ربيع لربيع جاعلين نصب أعيننا قول الله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم" سورة آل عمران- الآية 31.
ومتباعدين في النهاية عن إقامة مهرجانات جوفاء تقام هنا وهناك لا سر لها عدا سرد بعض المواليد المزيجة أحيانا بأساطير يأباها الرسول صلى الله عليه وسلم وتشمئز منها روحه المقدسة تخلل بأمداح قد لا يستفيد منها المؤمن الحق- ما يجب أن يقتبسه من حياة الرسول وسيرته المصفاة والتكيف بمكارم أخلاق عليه السلام- "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here