islamaumaroc

خل وبقل

  محمد عبد الواحد بناني

17 العدد

غنيت المكتبة العربية في المغرب هذه الأيام بكتاب جديد لأستاذنا الجليل السيد عبد الله كنون يحمل عنوان «خل وبقل».
أما العنوان فهو - كما يقول المؤلف - إثارة مما علق بذهنه من دراساته الأولى، إذ يروى عن شعبة أنه قال «كل علم ليس فيه: حدثنا، وأخبرنا، فهو خل وبقل»، وأما الكتاب فامتداد لزميليه السابقين «التعاشيب» و«واحة الفكر»... تقرأه - أو تقرأها - فتقرأ ثقافة وعلما، أدبا ونقدا، وتخرج في النهاية بنتائج، منها هذه النتائج الإيجابية التي لها قيمتها النفسية الإيحائية في فجر انبعاثنا الجديد، هذه النتيجة التي هي أن الأدب العربي في جناح العروبة الغربي - رغم كساد بضاعته، وكثرة المفلسين في تجارته - له أنصار، وله أبرار، بل له فدائيوه الذين آمنوا بقدسية رسالته فقاموا يناضلون عنها حتى الذماء...
«...ورسالة الأدب العربي - يقول المؤلف ص 155 - رسالة مقدسة يجب ألا تقتصر على الأغراض اللفظية، ولا على المتعة الذهنية، ولا على المعاني الذاتية التي لا يشعر بها إلا الأديب المتكلم نفسه، إنها رسالة ! ومفهوم اللفظ مما ينبغي ألا يعزب عن البال، فهو مهمة الهدم والبناء، والعمل الجماعي المؤدي إلى الغاية التي أدت إليها رسالة النبيين من قبل، غايته فتح الآذان الصم، والأعين العمي، والقلوب الغلف، على (دعوة الحق) التي تنقذ البشرية من ضلالها الحديث، كما أنقذتها بالأمس من ضلالها القديم. وإنها مقدسة: وليس المراد بهذا الوصف معناه الخيالي الذي يبتذله به الحالمون، وإنما المراد به الإكبار من شأن هذه الرسالة، ذات المسؤولية العظمى، التي لا يتحملها إلا أبطال الكفاح من أجل القيم الإنسانية العليا، فهم المجاهدون الذين يزرى مداد أقلامهم بدم الشهداء».
تكلم هي رسالة الأدب كما يؤمن بها المؤلف.. رسالة هادفة تتخذ الواقع العربي بمختلف مقوماته نقطة الانطلاق، فإذا بالأدب صرخة، وإذا به دفقة نحو الحق، والخير، والجمال.. لا كما يتخيله أصحاب نظرية «الفن للفن» فرقعة فارغة، مقفلة على نفسها لا ترى النور، أو رياضة لفظية لا وظيفة لها سوى المتعة الذهنية وإزجاء الفراغ.
ومع أن الكتاب «مجموعة مقالات أدبية ونقدية» كما يقول المؤلف، فإن هدفها الأسمى وغايتها النبيلة التنويه ب- «الإسلام» كعقيدة ونظام، و«العروبة» كمبدأ وشعار.. إذ «الإسلام» بمعناه الشمولي، و(العروبة) بمفهومها الواسع هي الأنفاس العطرة التي لا تكاد تخطئها في أية صفحة من صفحات الكتاب أو ثنية من ثناياه، فهما المنبع وهما المصب، أما البحوث اللغوية في الكتابة، أو التحقيقات العلمية، أو المقالات ذات الصبغة المغربية، فليست كلها في الحقيقة إلا روافد لهما، وعناصر لا تطلب لذاتها وإنما من أجلهما...
ففي مقال «من تاريخ الفدائية في الإسلام» ص 88-96 يستعرض المؤلف نماذج فذة من أعمال الفدائية والفدائيين المسلمين، تقف أمامها فدائية نساء أنينا في حرب اسبرطة، وفرنسا في حرب السبعين - رغم تنويه المؤرخين بها - خجلى موردة الجبين.. اقرأها لتصور حقا معنى قوله تعالى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» ثم اقرأ «ديوان الشاعر القروي» (المقال بالصفحات 268 - 273)
حيث ستشارك المؤلف - دون شك- إعجابه بالشاعر اللبناني الكبير، لاسيما حين تقرأ للأستاذ المؤلف قوله: (ص270).
«والشعور الوطني عند صاحبنا القروي لا يتركز مطلقا في تلك البقعة الضيقة من بلاد العرب التي هي لبنان، ثم يفيض بعد ذلك في إحساسه على البلاد العربية كما هو الحال عند غيره من شعراء الوطنية عند العرب، وإنما هو على العكس يتركز في الوطنية العربية العامة التي تنتظم بلاد العرب جمعاء، ثم يفيض من خلجاته وذكريات أيامه السعيدة على بلده لبنان، كما رأينا فيما اقتبساه من كلماته السابقة، ويحلو لنا أن نؤكده بعباراته الآتية:
«أمتي أنا مكثرا، ووطني أنا مكبرا، إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة فكأنما أكلوا جارحة من جوارحي، وإذا هدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نغبة من دمي، وكأن كل بلد قوي من بلادي ساعدي مفتولا، وكل شعب خامل فيها زندي مشلولا، بل ما أعد ذاتي إلا خلية في جسد أمتي، أنا واحد من سبعين مليونا من العرب، كل واحد منهم أنا، فينبغي أن أحبهم سبعين مليون ضعف حبي لنفسي، من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة، ومن خانهم فكأنما...»
تكلم هي الفكرة العربية كما يجب أن تكون.. حقيقة ملموسة في كل قلب، وفي كل قول، وفي كل روح، هكذا يجب أن تكون، أولا تكون.
*
أول ما يجب أن يسجل للأستاذ المؤلف من فضل دعوته إلى دراسة القرآن الكريم والحديث الشريف، وما يلحق بهما من كتب الفقه والكلام والتصوف والتاريخ والرحلات دراسة موضوعية، لا تقتصر على الشكل دون المضمون أو العرض دون الجوهر، وذلكم في الخطاب الذي كان ألقاه الأستاذ المؤلف بمؤتمر أدباء العرب بالقاهرة في دسمبر 1957 بعنوان «النقد والقومية العربية» (ص 148 من الكتاب).
فما أن حال الحول حتى كان موضوع البحث في الدورة الحالية «الرابعة» للمؤتمر هو «البطولة في الأدب العربي»، وكان موضوع «البطولة كما يصورها القرآن الكريم، وتصورها كتب الأدب والرحلات» من أهم التفريعات التي شملها هذا الموضوع.. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ: (ص 156)
«وكما كان تقسيمنا للأدب بحسب الأقاليم والعصور جناية على وحدته، كذلك كان اعتبارنا للأدب صناعة لفظية وزخرفة كلامية جناية على رسالته. فأعظم النصوص الأدبية في اللغة العربية، وهو القرآن، لا يعد في مادة الأدب عند كثيرين.. والطريقة التي ندرس بها هذا النص تبين الآثار التي تركها في الأدب من حيث التعبير والأسلوب معا، وأما دراسته هو دراسة موضوعية على الأقل كما ندرس ديوان الحماسة أو رسائل البديع مثلا، فهذا ما لا يهتم به أحد، وإلا فأين هو هذا الكتاب في أدب العرب الذي يعرض ولو سورة واحدة من القرآن - ولتكن سورة يوسف مثلا - ولو على أنها قصة، في نماذجه الأدبية؟ ومثل هذا يقال في الحديث الشريف... إلخ»
تكلم حسنة من حسنات الأستاذ، يسعدنا أن نسجلها له فخورين.
                                                         *
مقال محدود كهذا المقال أضيق من أن يستوعب جميع حسنات الكتاب، سيما وأنه يقع في مائتين ونيف وسبعين صفحة من القطع المتوسط، ولذا فسأكتفي بالتنويه ببعض المواضيع البارزة في الكتاب، تاركا للقارئ فرصة الاطلاع على التفاصيل بنفسه، وتكوين رأي شخصي عنها .
فمقال «عاميتنا والمعجمية» جديد كل الجدة، طريف كل الطرافة، فيه من الأصالة والابتكار وخدمة لغة الضاد الشيء الكثير.
ومقال «الشعر الأندلسي» عرض سريع لكنه جامع لأولية هذا الشعر وديباجته، ودراسة وافية لجوانب هامة منه تشمل المبنى والمعنى معا، وتمتاز على غيرها من الدراسات التي تناولت هذا الشعر - وخاصة في الشرق- بما سجلته لشعراء الأندلس من سبق إلى «الشعر الوطني» هذا الشعر الذي صدروا فيه لا عن شعور عابر أو فكرة عارضة - كما يقول الأستاذ ص 54 - بل عن عقيدة ثابتة وإحساس أصيل.
كما أن مقالي «الكتب المنسوبة لغير مؤلفيها» و«المعزى بفتح الميم» فتح جديد في دنيا التحقيق العلمي، لا يدانيها في الأهمية إلا المقالان: «المخطوطات العربية في تطوان» و«المغرب في حلى المغرب».
                                                      *
على أن الأستاذ المؤلف قد تعرض في الكتاب لبعض الجزئيات التي لا تزال حتى الآن محل نزاع فاصطفى فيها رأيا دون آخر من غير أن يذكر الرأي المخالف.. وله كامل الحق والحرية في هذا ما دام كتابه ليس مدرسيا يقصد به البحث لذاته وفي ذاته...
ولكننا - ونحن نريد عرض هذا الكتاب عرضا منتجا في هذا المقال - لا نرى في ذكر الآراء الأخرى المقابلة هنا أي غمز في اطلاع الأستاذ الواسع عليها، لأن إهمال الناقد - لا المؤلف - لها يحمله مسؤوليتها، بالقدر الذي يجعل المؤلف في مثل هذه الحال غير ملزم بذكرها ما دام يصطفي غيرها من الآراء المقابلة..
فخطبة طارق بن زياد المشهورة، التي ألقاها في جنده بعد أن عبر بهم المضيق إلى الأندلس: «أيها الناس: أين المفر ؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم.. ص7» يعتمدها الأستاذ على علمه بأن هناك من مؤرخي الأدب - حتى التاريخ - من يرفضها لمجرد التخمين بأن طارقا «وهو بربري الأصل» ما كان أداره بهذه اللغة العربية، فقد خاطب بها جندا برابرة.. فكيف فهموها ؟ أم أنهم - هم الآخرون - كانوا يتقنون العربية أيضا ؟
والأستاذ يعتمدها، لأن معانيها السهلة ليست مما لا تصل إليه عقلية طارق، ولأن قرنا كاملا كان مضى على العربية والإسلام بالمغرب، وهو خليق بأن يجعل طارقا - والبربر معه - يتعلمون العربية ويفهمونها، أو أن صياغتها من عمل الرواة، والكل جائز ووجيه.
                                                      *
وفي ص 51 وما بعدها يتحدث الأستاذ المؤلف عن اختراع الأندلسيين للموشح، فيعتمد رواية ابن خلدون في «مقدمته» وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني (كانت خلافته من سنة 275 إلى سنة 300 ه.)
ولكن ابن بسام في الذخيرة يورد رواية أخرى فيقول: (الذخيرة: القسم الأول المجلد 2 ص 1) «وأول من صنع  أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير».
وقد كان أستاذنا الدكتور جودة الركابي يظن أن الرجلين رجل واحد، وأن مخترع الموشح ما هو إلا محمد بن محمود القبري كما جاء في الذخيرة، أما مقدم بن معافى الذي يورده ابن خلدون فما هو إلا تحريف لذلك الاسم، حتى أزاح النقاب عن هذه القضية الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني، عندما أوضح في مقال نشره في مجلة الأندلس الإسبانية أن كلا من الشاعرين الأندلسيين المنسوبين إلى قرية (قبرة) معروفان، ولهما تراجم مدونة في بغية الملتمس للضبي، والمقتبس لابن حيان.. وأن هناك نصا جديدا يثبت كلا من رواية ابن بسام ورواية ابن خلدون المنقولة عن الحجاري، وهو مأخوذ عن كتاب «مزية المرية لابن خاتمة الأنصاري» وقد نقله عنه المقري في أزهار الرياض..
ولكن الأستاذ الركابي يعجب مع الأستاذ غارسيا غومس في تعليقه على مقال الدكتور الأهواني (مجلة الأندلس العدد الثالث عشر ص 28 - 31 عام 1948) من أن يكون مخترع الموشح شاعرين أندلسيين كلاهما من قرية واحدة هي قبرة، وكلاهما من عصر واحد هو عصر الأمير عبد الله بن محمد المرواني (في الأدب الأندلسي، للدكتور جودة الركابي 304 - 307).
وفي ص 52 يعتمد أستاذنا المؤلف رواية ابن خلدون التي تنص على أن عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية (يعني أبا عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز) هو الذي أحكم صناعة الموشح ونهج طريقته، ويضيف ابن خلدون (نقلا عن الحجاري عن ابن سعيد في كتابه المخطوط بمكتبتي القاهرة والأسكوريال «المقتطف في أزاهر الطرف» - (الركابي هامش ص 305) قوله: «.. وزعموا أنه - يعني ابن القزاز - لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف».
ولكن الدكتور الركابي يذكر أن أول من برع في هذا الفن وحدد أصوله بعد ظهوره، هو عبادة بن ماء السماء المتوفى سنة 422 ه، لا عبادة القزاز الذي جاء متأخرا عنه، والذي اشتهر هو أيضا بموشحاته في غضون القرن الخامس، وقد استند في هذا إلى ما يقوله ابن بسام عن هذا الموضوع:
«وكان أبو بكر (عبادة بن ماء السماء) في ذلك العصر شيخ الصناعة، وإمام الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكا سهلا، فقالت له غرائبه مرحبا وأهلا، وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، 
فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت  إلا عنه، واشتهر بها اشتهارا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته» (الذخيرة، القسم الأول، المجلد الثاني، ص1، وفوات الوفيات للكتبي 1 في ص 199, نقلا عن الدكتور الركابي في الأدب الأندلسي ص 308).
                                                      *
تكلم هي النقط التي هي محل نزاع وتبادل الآراء في الكتاب، راجيا أن يكون ذكرها من باب  تعميم الفائدة، منوها بما لهؤلاء الأساتذة من فضل في كشفها، وإماطة اللثام عنها، شاكرا لأستاذنا الجليل عبد الله كنون إثارتها وإعطاء الفرصة للحديث عنها، مؤكدا مرة أخرى أن أخذه ببعضها دون الآخر - ما دامت الآراء فيها محل خلاف - مما لا يمس الكتاب من قريب أو بعيد..
تحية لأستاذنا الجليل، وهنيئا لمكتبتنا العربية بكتابها الجديد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here