islamaumaroc

في ذكرى عيد المولد النبوي

  دعوة الحق

العددان 127 و128

  تمتاز حياة الرسول الاعظم ، سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، بالدعوة الى الله ، سرا و جهرا ، و مقاساة الشدائد العظام ، و المغامرات الجسام ، في سبيل اعلاء كلمة الله ، و تثبيت دعائم الاسلام، و نشر بنوده بين الخاص و العام ، حتى تعم رسالته القيمة جميع انحاء المعمور ، و حتى تنبض بمبادئه السامية ، و قواعده الرفيعة ، جميع القلوب . و في ذلك خير و صلاح للبشرية جمعاء ، لان الاسلام هو الدين المفضل عند الله ، ( ان الدين عند الله الاسلام ) فهو عليه الصلاة و السلام ، في حياته الخاصة و العامة ، مثال الانسان الكامل خلقا و خلقا ، و الرجل العاقل قولا و فعلا ، و البطل المغوار حقا و صدقا ، و النبي الصالح تلقيا و تبليغا ، و المعلم الاول تهذيبا و تقويما ، و العابد القوام، المنيب الى الله في خشية و تبتل ، و الناصح الامين ، الذي ءاتاه الله الحكمة ، و فصل الخطاب ، (( فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم  ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما )) و الناشر الوية العدل ، بين بني البشر ، بسلوكه النير ، و سيرته القويمة، (( و لكم في رسول الله اسوة حسنة )) و الفارس بذور الهدى و الفضائل ، في قلوب صحابته الاجلاء ، و اتباعه النبلاء بعثه الله رحمة للعالمين ، و نبراسا للمهتدين ، فقال عليه الصلاة و السلام : ـ انا رحمة مهداة ـ و بذلك كان امام المتقين  ، فيه تتجسد معاني الاخلاق السامية ، و منه تفيض ينابيع التقوى ، التي هي محور الايمان ، و مركز الميراث ، و لما كانت التقوى جماع اخلاق الاسلام ، حفل بها كتاب الله في اكثر من مئاتي موضع ـ من ذلك قوله تعالى :
(( و تعاونوا على البر و التقوى ، و لا تعاونوا على الاثم و العدوان )).
  و قوله تعالى : (( يا ايها الذين امنوا اصبروا و صابروا ورابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون )) فالمؤمنون متعاونون على الخير ، متضامنون في القيام به ، ساعون في بته و نشره ، و صابرون على القيام بطاعات الله ، و مغالبون في صبرهم اعداء الله ، ومرابطون في مراكز الجهاد ، بخيلهم و رجلهم استجابة لامر الله ، و اسوتهم في ذلك سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم . و من تتبع الايات القرانية الكريمة ، التي ذكرت فيها مادة التقوى ، يجدها مقرونة بالتعاون ، و البر ، و الصبر، و المصابرة ، و الرباط في سبيل الله ، كما راينا ، و يجدها في ايات اخرى مقرونة بالشجاعة و العدل ، و الوفاء ، و الرحمة ، و الامانة ، و رباطة الجاش ، و قوة الشكيمة و غير ذلك من الصفات الحميدة التي يتحلى بها سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و من تبعه من المؤمنين ، لذلك نبه الله تعالى في كتابه الكريم ، على عظمة التقوى ، و سمو مكانتها بين اخلاق الاسلام ، فقال في حق المؤمنين الذين يتحلون بها :
(( ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون )).
هذا النبي الامي الذي يحتفل بعيد مولده الشريف ، ادبه الله تعالى فاحسن تاديبه ، و علمه ، فغزر مناهل عرفانه ، و جعل رهن قطفه ، ثمرات احسانه ، و افاض ينابيع الحكمة من جانه ، و على لسانه، (( و علمناه من لدنا علما )) فقال عليه السلام : انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق  ـ و لذلك حض في كثير من الاحاديث ، على اقتباس هذه المكارم ، و دعا الى التحلي بها و اشاعتها بين الناس في لباقة و ذمانة . و لنشر هنا، و لو اشارة عابرة ، الى بعض الصفات النبيلة ، التي تحيط بالتقوى احاطة الاسوة بالمعصم ، او النجوم بالقمر ، فنتصور النبي صلى الله عليه و سلم و هو يتلو قول الله تعالى (( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم بان لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون و عدا عليه حقا في التوراة و الانجيل و القران ، و من اوفى بعهده من الله )) فتنمو بذلك في قلبه الطاهر، صفة الشجاعة التي لا نظير لها و تتربى فيه فضيلة المنة ، التي ذلل بها جميع الصعاب ، فاذا كان الوقت سلما ، كان شجاع الراي ، يصدع بالحق و يجهر به ، و لا تاخذه في الله لومة لائم ، قل انصاره  او كثروا ـ انما يعنيه امر بث العقيدة الاسلامية ، و غرسها في النفوس ، مهما تحمل في ذلك من اذى ، و مهما تكبد في ذلك من ءالام ، و مهما لاقى في طريقه من عناد ، صادر عن اولئك الجفاة ، غلاظ الطباع ، الذين و صفهم الله بقوله (( فاعرض اكثرهم فهم لا يسمعون ، و قالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه )).
  و ان كان الوقت حربا ابان عن شجاعة ناذرة ، في كل المواقف ، التي ديدنه منها تسفيه احلام الاعداء و تحطيم الهتهم ، التي يعبدونها من دون الله ، و هجيراه تقوية جنوده ، و تحريضهم على الثبات في معارك الدفاع الى النصر ، و في ذلك يقول لصحابته في غزوة بدر : و الذي نفسي بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل ، فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، الا ادخله الله الجنة .
و يقول في غزوة احد ، و قد بس لامته ، و رجاه اصحابه ، ان يقاتلوا دونه : ما ينبغي لنبي اذا لبس لامته ، ان يضعها ، حتى يقاتل ، و يحكم الله بينه و بين عدوه ، و خرج في الف من اصحابه (( و في هذه الموقعة ، يقول ان هشام كسرت رباعيته ، و شج وجهه ، و جرحت شفته ، و سال دمه على وجهه ، فكان يمسح الدم و هو يقول : كيف يفلح قوم ، خضبوا وجه نبيهم و هو يدعوهم الى ربهم؟.))
 و نجاه الله هو و اصحابه و حماهم من مكر اعدائهم ، فرجعوا سالمين ، دون ان يمسوا بسوء ، و في ذلك يقل الله جل جلاله : (( فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم )).
و في حنين ، لم يفر رسول الله ، بل ظل بغلته يقول .
انا النبي لا كذب
انا ابن عبد المطلب
كما قال البراء بن عازب .
و شجاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لم تكن مجرد فرض السيطرة ، و اخضاع الرقاب و انما كانت لاعلاء كلمة الله ، ( قال اعرابي : يا رسول الله ، الرجل يقاتل حمية ، و الرجل يقاتل شجاعة ، و الرجل يقاتل ليرى مكانه في سبيل الله ، فقال صلى الله عليه و سلم ، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )
و يكفي في ذلك قول الامام علي كرم الله وجهه :
( كنا اذا حمى الوطيس ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فما يكون احد منا اقرب الى العدو منه ) و من الاخلاق النابعة من منهل التقوى ، فضيلة العدل ، التي بها تستقيم احوال الافراد و الشعوب اذ لا تعايش بدون عدل ، و لا ظفر بدون عدل قال تعالى :
(( يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، و لا يجرمنكم شنان قوم على الا تعدلوا ، اعدلوا هو اقرب للتقوى )).
و في طليعة المومنين ، المخاطبين بهذه الاية الكريمة سيدنا محمد (ص) ، الذي عرفنا عنه الشريعة المطهرة ، فعن احكامه ، يجب ان نصدر في سلوكنا مع جميع الناس ، و من عدله يجب ان نقيس ، و به يجب ان نقتدي ، و الى سيرته يجب ان نحتكم ، لان المثل الاعلى للعدل التام ، بين عشيرته الاقربين ، و بين صحابته ، و بين جميع الناس كما يتجلى ذلك في اقواله و افعاله ، و شمائله كلها ، و الامثلة على ذلك كثيرة ، مثبتة في كتب السير ، نجتزيء منها بما ذكره الامام الغزالي ، في كتابه الاحياء ، حيث قال : (( وجد من خيار اصحابه قتيلا بين اليهود ـ هو عبد الله بن سهل الانصاري ، فلم يجر على اليهود تقدير الدية ، و لم يزد على الحق و العدل بل طلب ديته مائة ناقة ، كما كان العرب يفعلون )). قارن يا اخي بين هذا ، و بين ما يرتكبه الصهاينة اليوم ، من اعمال وحشية ، يندى لها جبين الحياء ، سواء على ارض فلسطين الشهيدة ، او على بساط الاراضي المحتلة لترى الفرق العظيم ، بين سمو روح هذا النبي الكريم الذي (( لم يجر على اليهود و لو في تقدير الدية )) ـ و بين نذالة شذاذ الأفاق ، الذين اصبحت نياتهم السيئة مكشوفة للخاص و العام، و لن تكون الكرة في النهاية ، الا عليهم ، اذ لا يحيط المكر السيء الا باهله .
يامر النبي عليه السلام من ولى القضاء من المسلمين ، ان يعدل بينهم في لحظة ، و اشارته ، و مكان جلوسه ، حتى يحسوا جميعا و هم يتحاكمون اليه ، انهم سواسية ، لا فضل لاحدهم على الاخر، الا بما يمتاز به من مخافة الله و تقواه ،هذا هو الاسلام الصحيح ،الذي قبسنا من نوره الوهاج، جذوة من سيرة قدوتنا فيه ، سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، بمناسبة عيد مولده الشريف  لنذكر من يستحق التذكير ببعض اخلاق الاسلام ، في ينابيعه الاولى ، التي لا يصلح اخر هذه الامة الا بها ، كما صلح عليها اولها ، و من عقد مقارنة بسيطة بين الاسلام في مجاليه الاصيلة الصقيلة ، و بين سلوك المسلمين في القرن العشرين ، يجد الفرق عظيما ، و البون شاسعا ، بين ما انطوت عليه تعاليمه ، القيمة النيرة ـ و بين تصرفات المسلمين في شتى الميادين ، سواء كانت مادية او معنوية ـ و ضعية او تطبيقية . و الجدير بالذكر هنا ، ان الاسلام صالح لكل عصر و مصر ، بما اشتمل عليه من قواعد  متينة ، و اسس مرنة، و تقييم لشؤون المادة و الروح و احتفاء بالجوانب التربوية والاقتصادية ، و اسعاد عام لمتطلبات البشرية،  و قديما صوروه : تربي ماسات لماعة يستضيء بها من دنا منها ، و يكون في شبه غشية داكنة  ، من بعد عنها ، و كم يعجبني هذا التصوير ، لان الاسلام في حد ذاته ، نير خالد ، و المسلمون هم الذين يقبسون منه ، على قدر قربهم منه ، او بعدهم عنه ، و قد انطوت هذه المعاني في خطاب الجامع مولانا الحسن الثاني حفظه الله ذلك الخطاب الجامع الذي افتتح به مؤتمر القمة الاسلامي الاول ـ يوم الاثنين 22 شتنبر 1969 ـ 9 رجب 1389 ـ حيث قال :
(( ان الاسلام لا يقف حائزا بين من يعتقده و يعتنقه ، و بين كل تقدم ملموس ، في الميدان الحيوي ، و الميدان التربوي ، و في الميدان الاقتصادي ، و الثقافي و التقني ـ لذلك ارى لزاما علينا، اولا  و قبل كل شيء ان نعيد للاسلام مكانته و لحضارتنا المقام الذي يجب ان تشغله )) و ذلك يتم طبعا بالقرب منه و الصدور عنه و امتثال اوامره و اجتناب نواهيه . و السير في طريقه اللاحب ، و محجته البيضاء ، و بذلك لا نجد عائقا ، بل على العكس من ذلك ، نجذه حافزا لنا على كل ميزة و مهديا لنا كل فضيلة ، في جميع الميادين . اذن فمعتقدوا الاسلام ، و معتنقوه ، هم المسؤولون بالدرجة الاولى ، عن عظمة مكانته ، و استمرار شموخ حضارته ، في القرن العشرين ، و غيره من القرون ، الى قيام الساعة .
سدد الله الخطى ووفق المسلمين لصالح القول و العمل حتى تستمر النهضة الاسلامية ، في تكامل ـ و تلاحم ، و استنارة .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here