islamaumaroc

القرن العشرون يشهد يقظة إسلامية رائعة

  دعوة الحق

العددان 127 و128

 يعيش العالم الاسلامي في الثاني عشر من ربيع الاول يوما حافلا من اغر ايامه و اعزها بمناسبة احتفاله بذكرى مولد اشرف الكائنات رسول الوحدة و التوحيد و نبي الديمقراطية و المحبة و السلام سيدنا محمد بن عبد الله عليه السلام ...
 و يمتاز شهر ربيع الاول الذي شعت فيه انوار الرسالة المحمدية على ارجاء الكون بمزايا خصه الله بها دون بقية الشهور الاخرى ، اذ فيه و لد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، و فيه بعثه الله الى الناس كافة ، و فيه هاجر من مكة الى المدينة تلك الهجرة التي كانت منبع القوة و الازدهار للاسلام و المسلمين ، و نقطة تحول كبير في التاريخ ، سجل اعظم انتصار مؤزر احرزته الانسانية الحائرة المعذبة قبل مبعثه عليه السلام ...
 لقد بعث عليه السلام ليخلص الانسانية من الامها ، و يرفع عنها اصرها ، و يحطم الاغلال التي كانت علهيا ، و يدعوا الذين فرقوا دينهم ، و كانوا شيعا الى راي جميع ، و خطة واضحة ، و طريق مستقيم ، و كلمة سواء ليدفع بهم نحو الطمانينة و الاستقرار ، و التالق و الصفاء .
فلم تكن رسالته عليه السلام قاصرة على مجرد تصحيح العقيدة ... و عبادة الاه واحد ... دون اقتلاع اسباب الاضطرار و الفوضى ، و القضاء على الفساد الذي استشرى في اطراف الجزيرة و في كل مكان ... و دون اقامة نظام شامل للحياة يقوم على العدالة و الانصاف ... و دون تكريم الانسانية و النهوض بها ، و اعلان حقوق الانسان ...
 فقبل البعثة المحمدية  بلغ الذهن الانساني و العقل البشري من الشلل الفكري ، و بلادة الحس ، غاية عجز معها ان يتخطى الماديات و المحسوسات ، و ان يعتقد للانسان اختصاصا بالنبوة و الوحي...
فقد كانت العرب ، اذا ذاك ، معايير و مقاييس ورثوها عن ابائهم و اجدادهم ،فاذا راوا بدعا من البشر يدعوهم الى الخير ، و يناديهم الى الفلاح ، او مثالا جديدا للانسانية ... قاسوه بمقاييسهم .. و وزنزه بمعاييرهم ،، فلما راوا ما جاء به سيدنا محمد ... و علموا بدعوته ورسالته التي اتى بها من الله وسمعوا ما تلا عليهم من ايات بينات .  جعلوا اصابعهم في اذانهم .. و لم يصدقوا ... و ابلسوا .. فما نسوا ... ثم افرغوا جهدهم .. و لم يروا في محمد الا انه طالب رخاء و ثراء ، او رائد ملك و سيادة، فارسلوا
اليه عقبة بن ربيعة ، فكلم محمدا عليه السلام ، و كان ما قاله تمثيلا صحيحا لذهنية ذلك العصر ، و تعبيرا عن نفسيته و عواطفه ، قال :
(( يا ابن اخي ان كنت تريد بما جئت به من هذا الامر مالا ، جمعنا لك من اموالنا حتى تكون اكثر مالا ، و ان كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع امرا دونك ، و ان كنت تريد به ملكا ملكناك علينا )).
 و كانت اجابته صلى الله عليه و سلم تمثيلا صحيحا للنبوة ، و صورة حية للرسالة حيث اثبت عليه السلام انه لا يتطلع الى ترف و ثراء ، و لا يتطاول الى شرف ورخاء ... انه لا تهمه راحته الذاتية، و رقية الشخصي ، بل انه يريد ان يخرج الانسان من حكم الانسان ، و يدخله في حكم الله ، و في دين جديد عام للانسانية ، دين الفطرة الذي يتجه اليه الانسان ، محفوزا بمقتضيات فطرته الصافية التي تدعوا الى الاعتقاد بخالق الكون و مبدعه ، و بالروح و بقائها في عالم وراء هذا العالم ، و تترتب احوالها هناك على سيرتها في هذا العالم ، و على حب الحق ، و ايثار العدل ، و مكارم الاخلاق و اقامة دولة الفضيلة في الارض ...
 لقد اعلنها محمج صلى الله عليه و سلم ثورة هادئة مطمئنة رائعة خلصت الانسان من العبودية و الظلم و الاستغلال ، و حررت البشرية من اسار العنت و الازهاق ، و خلقت مجتمعا فاضلا متماسكا متعاونا متحابا قويا يبني انبل الحضارات ، و اكثرها اسعادا للشعوب و المجتمعات .
انه الاسلام دين الخلاص ... و انه محمد بن عبد الله رائده ، و انها الشهادة في سبيل الله وحده ... و انه الفوز المبين الذي رعد الله به المتقين ...
                                                      ***
 لقد شهد العالم كله على هذا التاريخ يوم كتب فيه ، ان هذه الامة ولدت بمولد هذا الدين ، و توحدت يوم امنت كلها بنبيه ورسالته ، و خطت في طريق الخلود يوم قامت في الدنيا تنشر حضارته الزاهرة ، ورقية الصحيح ، في يمينها كتاب الله تبدد به غياهب الظلام البهيم ، و في يسراها سيف الحق تستعمله عند الاقتضاء و الضرورة التي تقدر بقدرها لمحاربة الباطل ، و منازلة البغي و العدوان حتى اصبح العرب اهل امامهم جيوش الفرس و الرومان ، و تتحطم في طريقهم امنع المعاقل و الحصون ، فاجتازوا اعلى القمم و الجبال ، و شقوا في طريقهم اخطر الانواء و البحار ...واصبحوا في بضع سنين ائمة يدعون بامره ـ سبحانه و تعالى ـ لما صبروا .
 على ان الاسلام في رسالته الخالدة ، و دعوته العامة لم يكن دين حرب وحقد و لا دين ضغط و اكراه ، و لم تتاسس حضارته على حد السيف و الحسام ، بل كانت دعوته بالحكمة و الموعظة الحسنة و الاقناع ... كما لم تكن فتوحاته عن طريق الاستعمار كما زعم بعض خصومه ... و انما كانت طريق مبادئه و تعاليمه و اصوله العامة ..  
                                                       ****
 و لعل المسلمين ، اليوم و هم يحتفلون في بقاع الارض ورقاع الدنيا بمولد خير البرية ، و صاحب اعظم النبوات و اخر الرسالات ، و اعظم الصفات ، و يستهلون من روحه وسيرته معاني الصبر و الوعي و التضحية و الاستقامة ، و العدل و الحب و الايثار ، و يتجهون في جميع الاقطار الى نهضة جديدة اساسها التعاون لاحياء مجد الاسلام ، و الدفاع عن كيانه ، ان يؤموبوا لنفوسهم ، و يفيئوا الى امر الله و يعلموا انهم سيكونون مسلمين حقا و صدقا حين يجدون في سرائرهم و قلوبهم و ضمائرهم اثر هذه النبوة و الرسالة و الخلق ، و يعرفون حقيقة دينهم وجوهره ، و يتمسكون باخلاقه ، و يتادبون بادابه ، و يحققون في ذرات نفوسهم مبادئه و مثله و غاياته ...
ان الاسلام نظام عالمي ذو رسالة موغلة في الابعاد ، رحيبة الافاق ، توجه الانسان في الحياة، و تقوده في اناة و رفق الى مدخل الانسانية الرحيب ، و تساعده على ان يحصل لنفسه و للجماعة الانسانية اسمى درجات من الكمال الانساني في الروح و العقل و الخلق و الوجدان .
و ان المسلمين اليوم ، و هم على عتبة القرن الخامس عشر الهجري ، يعيشون في حاضر يتمخض عن حادث جلل ينتظره مستقبل العروبة و الاسلام ، و قد تمخضت الحركة الاسلامية في هذا القرن عن دعوة صادقة في الرجوع الى صفاء العقيدة التي تدعو الى العمل ، و طهارة الايمان الذي يبعث على الخلاص ... و قواعد الحضارة و الثقافة العربية و الاسلامية التي تدعوا الى الفوز و النجاة، و الحرية و الاستقلال ... فالعمل الصالح لا يتم الا عن طريق العقيدة و الايمان .. و الروحانية لا تسمو الا اذا كانت مقرونة بالعمل الذي هو وسيلة لاستمرارها و بقائها ...
                                                   ***
و ان الهزات النفسية التي يمر بها العالم اليوم ، و التي كان من اثارها ان زعزعت الايمان ، و استخفت بالاخلاق ، و استهانت بالقيم و المثل العليا ليست الا وعشة عارضة عابرة في كيان الانسانية ... رعشة القلب المبهور بكشوف العلم ، و فتوحات العقل الماخوذ بروعتها و المشدوه بجبالها .
  لقد تالقت كشوف العلم ،و اومض سناه امام الانسان ، و تراقصت امامه اضواء النظريات في عهد مزدحم بالتيارات الفكرية و المبادئ المتباينة ، كما زخرت دنياه بالوان معجبة زاهية استهوت الناس، و استمالت نفوسهم ، و ملكت زمام امرهم فاذهلتهم عن معاني الروح ، فغرقوا في لجنة المادية ، و غشيتهم غاشية الزيغ و الالحاد ، و الفسوق و العصيان فضلوا الطريق القويم ، و تنكبوا المنهج و المقاصد و كفروا بفاطر الارض ، و منزل الوحي ، وواهب الحياة ...
 و الاسلام يرى في انسان القرن العشرين انسانا نضجت مداركه ، و تفتحت ملكاته ، و اتسعت افاق نظرياته في ملكوت السماوات و الارض و ما خلق الله من شيء ... و كل هذا جدير بان يبلغ به يوما مبلغ الايمان الوثيق ، و يصل به الى درجات الاحسان ... و تكريم اخيه الانسان و تعميم الخير و تحقيق السعادة و تنظيم العمران ...
 فالطريق الى الله قانون الاسلام ، و شريعة محمد عليه السلام تستمد من نور العقل ... و العقل اسس الفضائل ... و ينبوع الفواضل ، و المصباح الذي يشرق على النفس بنور المعرفة ، و يكشف لها من اسرار الكون و عجائبه ما يملا القلب اجلالا و اعظاما لموجد هذا العالم و مبدعه .
و قد اناط الله سبحانه و تعالى تكليف الانسان بتمام العقل و جعل الدنيا مدبرة باحكامه ، كما امتدح الامة الاسلامية القائمة بالقسط حيث جعلها المثل الطيب للانسانية كلها بقوله :
(( و كذلك جعلناكم امة وسطا .. لتكونوا شهداء على الناس ، و يكون الرسول عليكم شهيدا ...))
و اليوم اذا وجهنا النظر الى بعض التطورات المتلاحقة في عالم الاسلام ، فاننا نلاحظ يقظة دينية و فكرية و سياسية ، كما نلمس نزعة طيبة ترمي الى العودة الى الاسلام ، و تهدف الى الرجوع الى تعاليمه ... حيث الدواء الناجع في حمى الدين و السلامة المطمئنة في ظلاله ..
و متى انتشرت هذه اليقضة ... و استعاد المسلمون ايمانهم بالله ، و ثقتهم بمبادئ رسوله ، و تمسكوا بالعروة الوثقى دحروا الاستعمار ، و دمروا اركان الصهيونية و اتوا عليها من القواعد ...!
فان من مزايا الاسلام و خصائصه انه يبث في معتنقيه العزة و المنعة و الصمود ، و الشعور بان دين الاسلام لا يصح ان يحكم بدين غيره ... و هذا ما يخشاه المستعمرون ، و ترهبه الصهيونية ، و خصوصا الغلاة منهم الذين تخيفهم نهضة العرب و الاسلام..
لذلك تراهم متكاثفين ، يحاربون مبادئه و اصوله و تعاليمه عن طريق لغته التي هي لغة القران الذي يناهض الحركات الاستعمارية في جميع الوانها و اشكالها حيث يقول :
(( و لن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا...))
 
لقد اصبحنا اليوم هدفا يرمى ، و غرضا تسدد اليه الضربات ، و مجالا حيويا لامتصاص ثرواتنا و مقدراتنا ، و مرمى طبيعيا و مقصودا للحضارة الغربية التي فاجاتنا بالغزو الاستعماري ، بعد ان تامرت على بلداننا ، فاقسمتها ... و اجهزت عليها، و اوقفت تقدمها ، و شوهت امجادها ، و اضعفت شوكتها ، و طمست معالمها حتى اصبح الاسلام كما قال الامام الشيخ محمد عبده محجوبا بالمسلمين.!!
  و اذا كانت الدول الاستعمارية قد لجلت جنودها ، و سحبت جيوشها ، فان هنالك ما هو اخطر و ادهى ، و افتك و انكى ... انها مازالت تعبئ قواها الضارية للعمل على مسخنا ، و تحويلنا عن متجهنا بما تستخدمه من قوانين و نظم و دساتير في حكمها لنا ، و توجيه سياستنا و بما تؤسسه من مدارس التبشير و مؤسساته و اجهزته بعد ان اخرجت جيوشها العسكرية المرئية المسموعة ، و ابقت الجيوش الحضارية فكرا و اخلاقا ... فوقع العالم الاسلامي في بلبلة و تناقضات لا اول لها و لا اخر...
 و لئن كان بعض الفلاسفة المعاصرين المتصفين اليوم ، ينشدون التعاون العالمي و الوسائل التي يمكن ان تحققه ، فان الاسلام قد حقق للانسانية مجدها ، و اشبع رغباتها و اشواقها و تطلعاتها ، و اعلى مكانتها ، و حققت تعاليمه الخير كله للعالم يوم كانت الشعوب سادرة في غلوائها تهيم في ظلمات الجهل و الضلال ...
 و لقد امتاز القرن العشرون ، رغم ما اصاب المسلمين فيه من محن وضغوط ، و استبداد و استعباد بتنبه ز عي المسلمين في كل مكان الذين استيقظوا من سباتهم  و غفلاتهم ، و تحقيق استقلال البلدان الاسلامية و العربية ، و الافريقية و الاسيوية التي فكت عنها قيود عقالها ، و تحررت من اسارها ، بفضل زعماء الاصلاح الذين ايقظوا راقد العزم ، و ارصدوا الاهبة للبعث و التطوير ، فكان لهم الفضل الاكبر فيما ظهر في الدعوات المتكررة التي تدعوا المسلمين الى ان يتسلحوا بالتقنية و العلوم الحديثة ، و الاعتماد على النفس ، و ااستقلال التام الذي يتشخص في الاكتفاء الذاتي ، و تطوير العقلية لهضم مفاهيم الحياة المتطورة المتجددة ، و امتصاص ما تقتضيه متطلباتها و مستلزماتها في نطاق الاخلاق و الدين و الضمير مما يدفع بهم الى حياة حرة طليقة تتضوع باريج السعادة الراضية ، و تنتشي باستقلال تام ناجز...
  و لقد توجت تلك الجهود المباركة ، و الحركات الاسلامية الواعية المومنة و تكللت بفوز مبين و نجاح حاسم حينما دعا سيد البلاد ملك المغرب امير المؤمنين ، و حامي حمى الملة و الدين ، و سبط النبي الامين مولانا الحسن الثاني نصره الله و ايده الى عقد مؤتمر اسلامي عام حضره بالمغرب لاول مرة في تاريخ الاسلام ، قدما و حديثا ، ملوك ورؤساء الاقطار الاسلامية للعمل على تنسيق الجهود ، و توحيد الخطة ، و القضاء على اسباب النفرة الطارئة و محو اثار النكسة الاليمة التي وقعت في سعيرها الامم الاسلامية ، و السير قدما في سبيل نصرة القضية الاسلامية الكبرى تشغل باله حفظه الله منذ ان تقلد زمام امر هذه الامة .

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here