islamaumaroc

التوحيد وتحرير الضمير الإسلامي تحت ضوء الإسلام -1-

  دعوة الحق

129 العدد

  في نطاق الموضوع العام، المخصص لندوة هذا المساء، يطيب لي أن أعرض عليكم نظرية التوحيد في العقيدة الإسلامية، وصلاتها القريبة أو البعيدة بتحرير الضمير البشري وتكامل الشخصية الإنسانية.
 
وقد يبدو، لأول وهلة، عنوان هذه المحاضرة شذوذا أو نشازا في سلسلة أحاديث هذه الندوة المسائية. إذ يحق لنا أن نتساءل: ما علاقة التوحيد- وهو مسألة دينية محضة- بالقضايا المعاصرة للإسلام، وهي في طبيعتها مشاكل زمنية؟ ومهما يكن لهذا التساؤل أو الاعتراض من وجاهة، فإنه يجدر بنا أن نتذكر، قبل كل شيء، أن التوحيد في الإسلام ليس هو مسألة دينية فحسب (بالمعنى الشائع لهذه الكلمة) بل هو، كما سيتضح فيما بعد، قضية دينية وإنسانية، في آن واحد.
 
ومن جهة أخرى، يحسن أن نتذكر في هذا المقام خاصة، أن مشاكل العالم الإسلامي وغيره، في العصر الحديث، هي في صميمها مشاكل فلسفية ومذهبية: كيف نحدد موقفنا تجاه التيارات الفكرية المتعددة المتضاربة في العصر الحاضر؟ ما هي وسائلنا في اختيار الطريقة الملائمة لنا في الحياة؟ كيف نعمل من أجل الاحتفاظ على شخصيتنا المعنوية والحفاظ على مقوماتنا الذاتية، أمام القوى الأجنبية المتغلبة المتسلحة؟ .. هذه الأسئلة الخطيرة وغيرها لا تجد جوابها الشافي، وبالتالي لا تظفر بحلها النهائي، إلا على ضوء الفكر ونور العقيدة. إن المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي، في أساسها، مشاكل العقل البشري الذي يبحث دوما، أو يجب عليه أن يبحث دوما عن الأفضل والأكمل، إنها مشاكل الروح الإنساني المتطلع أبدا إلى الأمام. وهذا البحث الدائب عن الأفضل والأكمل من جانب العقل، وذلك التطلع الأبدي إلى الأمام من قبل الروح، كل ذلك مرتبط تماما بنظرتنا في الإنسان والأشياء، وفلسفتنا بالكون ورب الكائنات. وفكرة التوحيد، أيها السادة، هي، بكل دقة، طريقة المسلم في الحياة، وفلسفته الخاصة لفهم الله والإنسان والوجود?، من أجل هذا كله، بدا لنا أنه جدير بالاعتبار أن نستهل ندوة أحاديث هذه الأمسية الجميلة، بالكلام عن عقيدة التوحيد وتحرير الضمير الإنساني تحت ضوء الإسلام.
  مما لا ريب فيه أن التوحيد أساس الأديان جميعا، والقاسم المشترك بينها كلها. وفي نظر القرآن الكريم، هذه العقيدة الكبرى هي الغرض الأصيل لوحي السماء، والهدف المباشر لبعثة الأنبياء. ومع ذلك، يستطيع الباحث أن يلاحظ من وجهة علم الأديان المقارنة أن مبدأ التوحيد قد اتخذ، في ظلاله الدعوة المحمدية، مفهوما جديدا، واختط له طريقا واضحا محددا، وظهر على مسرح التاريخ الديني بصورة متميزة مبتكرة. إن نظرية الإسلام التوحيدية، في الواقع، كانت المصدر الذاتي الخصيب لسائر عقائده اللاهوتية وشعائره الدينية، والنبع الصافي الفياض لنظمه السياسية والتشريعية. فعن وحدة الخالق الأعظم، انبثقت نظريات الإسلام الخاصة بوحدة الأديان السماوية، والعوالم الكونية، والأجناس البشرية.
 
حين يستعرض مؤرخ الحضارة الإسلامية نظرية التوحيد ومظاهرها وتطورها عند الإسلاميين، وبصورة خاصة عند أهل السنة والجماعة، يجد أنها شغلت دورا كبيرا وهاما عند ثلاث فرق منهم: عند المعتزلة والسلفية والصوفية. فكل من تلك الجماعات، كان التوحيد ميدانا فسيحا لنشاطها العقلي، وحقلا ثريا لإنتاجها العلمي. وقد ترك كبار رجال الاعتزال والسلفية والصوفية، للأجيال بعدهم، تراثا فكريا حول مبدأ التوحيد، يتصف حقا بالأصالة والعمق والشمول. ويستطيع الباحث أن يرصد بغير عناء، من خلال آراء المعتزلة والسلفية والصوفية في مباحث التوحيد ومسائله، نماذج حقيقية وصورا واقعية لتفكير إيجابي سليم، أثيرت مشاكله من قضايا ذاتية مباشرة، وألفت مواده من مواضيع إسلامية صرف، ثم صيغ منها جميعا نظرية عامة أمكن تطبيقها ببراعة ودقة، على مظاهر متعددة من الحياة الدينية والأخلاقية والاجتماعية.

التوحيد عند المعتزلة:
كان رجال الاعتزال، على ما يبدو، أول من أثار مشكلة التوحيد في أجواء العالم السني، كما كانوا في طليعة المفكرين المسلمين الذين أرسوا دعائم هذه المسألة الهامة الخطيرة، على أسس نظرية محكمة، وقد جاهدوا مستميتين في سبيل تحقيق مبدئهم التوحيدي، في ميادين الفكر وفي ميادين السياسة على حد سواء.
فنحن نعلم أن مقالة المعتزلة في التوحيد، كانت أولى مقالاتهم الخمس الشهيرة، التي لا يتم وصف "الاعتزال" إلا بها والدفاع عنها. وهذه المقالات، مع التوحيد على رأسها، هي القول: بالعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 
ومما هو جدير بالذكر في هذا الموطن، كما سيتضح جليا فيما يلي، أن مقالة التوحيد كانت الأساس الوطيد لآراء المعتزلة في الإلهيات (في مسألة نفي الصفات الإلهية، وحدوث القرآن، وإنكار رؤية الله)، - كما أن هذه المقالة نفسها، هي على صلة وثيقة بنظرياتهم "الثورية" في السببية العامة، وحرية الإنسان، والعدالة الاجتماعية. وهذا مصداق ما أشرنا إليه منذ لحظات، من أن مبدأ التوحيد- وهو قضية دينية صرفة- كان بمثابة المرشد الهادي، لدى بعض المفكرين المسلمين، لمجابهة كثير من الشؤون العلمية والأخلاقية والسياسية، ومحاولة لإيجاد حل صحيح لها. 
 
وفي الحقيقة، إن مقالات الاعتزال الخمس تنحصر كلها في مقالة التوحيد، أو تدور حوله، أو تتفرع وتنبثق عنه. فالقول بالعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، - جميع هذا، في نظر مفكري الاعتزال، هو عين القول بالتوحيد، من حيث هو مظهر من مظاهره، أو تطبيق له في جانب من جوانبه، في الميادين اللاهوتية والأخلاقية والاجتماعية.
 
وبيان ذلك، هو أن الذات الإلهية، في رأي المعتزلة، لا سبيل للعقل البشري إلى إدراكها أو معرفتها، من حيث هي في نفسها، وبالتالي لا سبيل إلى توحيدها حقا. إذ مثل هذه المعرفة الخاصة للذات الإلهية، لا يجسر الفكر بخواطره أن يشرأب إليها، أو أن يتطلع نحوها، إنها تسمو على مآخذ الفكر، بل هي فوق مستواه بالكلية. إن هذه المعرفة الخاصة هي سر الذات المقدسة، ونعت غيبها المطلق.
 
وإذن، كل ما يعرفه العقل الإنساني عن الله، أو ما في استطاعته أن يعرفه: هو: أن الله "عدل" أي: هو الحق الثابت والقانون السرمدي. فالقول بالتوحيد (وهو المقالة الأولى) ليس في نهاية الأمر سوى القول بالعدل (وهو المقالة الثانية). والعدل بالقياس إلى الذات الإلهية خاصة، لا يقصد به المعتزلة معنى أخلاقيا فحسب، بل أمرا أعمق من ذلك بكثير. العدل- وهو معقد الطرافة في تفكير المعتزلة- هو، كما نوهنا به قبل أسطر، الحق الأزلي والناموس الأبدي، وهي الموضوعان الوحيدان للفكر في معرفته لله، أي في إدراكه لوجوده المطلق وكماله اللانهائي. ثم عن مقالة العدل- وهي لب التوحيد وجوهره- نجم القول بالوعد والوعيد، وهو المقالة الثالثة. والوعد والوعيد هي الثواب والعقاب في الحياة الآخرة، كنتيجة طبيعية لسلوك الإنسان وأعماله في الحياة الآجلة. إنهما، بهذا الاعتبار، مظهران دالان على العدالة الإلهية، ومعبران عنها تماما.
  وكذلك عن مقالة العدل نفسها، ظهر رأي المعتزلة الشهير: المنزلة بين المنزلتين، وهو المقالة الرابعة لهم. وهذا التعبير الفني يقصد به الوضع الخاص، أو الطبيعة الخاصة للمعصية، بالنسبة إلى الإيمان والكفر، كما يراد بهذا التعبير أيضا الوضع الخاص، أو الطبيعة الخاصة للشخص العاصي، بالنسبة إلى المؤمن والكافر. وهذه المقالة الهامة، التي اختص بها المعتزلة من بين سائر الإسلاميين، تصور لنا بوضوح موقف هؤلاء المفكرين تجاه "الخطيئة"، وكيف أنها ذات آثار سلبية في الطبيعة الإنسانية. فالشخص العاصي، حال تلبسه بالمعصية، أصبح في "منزلة بين المنزلتين": أي لم يعد مؤمنا كما كان من قبل، لأنه سقط عن رتبة الكمال التي هو عليها، بوساطة المعصية، - كما أنه، في نفس الوقت، ليس بكافر، أي لم يصل بعد إلى الدرك الأسفل من الانحطاط الروحي. 
 
وأخيرا، نشأ عن مقالة "العدل"، عند المعتزلة، القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المقالة الخامسة لهم. وهذه الفكرة الجريئة (هي السمة البارزة لرجال الاعتزال)، والطابع المميز لهم في نشاطهم الاجتماعي، ومساهمتهم الفعالة في الشؤون المدنية. إنها انتصار رائع لتفكيرهم العميق في مباحث التوحيد والعدل، وتطبيق مباشر لها في حقول الحياة الاجتماعية.     والخلاصة، نستطيع، على ضوء ما تقدم، أن نجمل رأي المعتزلة في فكرة التوحيد على النحو الآتي: مقالة العدل، بصورة خاصة، هي تحديد دقيق لمفهوم التوحيد الإسلامي، وتطبيق له في ميدان الإلهيات.– والمقالات الأخرى، التي هي الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي أيضا، وفي نفس الوقت، تحديد دقيق لمفهوم ذلك التوحيد، وتطبيق له في ميدان الأخرويات والأخلاقيات والاجتماعيات. – وعلى هذا، تكون فكرة التوحيد، عند رجال المعتزلة، بمثابة الأساس الغيبي الذي مكنهم من مجابهة المشاكل الكبرى التي تعرضت لها البشرية منذ فجر التاريخ (ولا تزال معرضة لها) وهي: الله- والإنسان- والكون. 
 
والواقع أن المعتزلة لم يبتدعوا القول بالتوحيد، ولم يتفردوا به: إذ هو شعار المسلمين جميعا.
 
ولكنهم امتازوا عن سائر الفرق الإسلامية بهذا المفهوم الخاص للوحدة الإلهية، وبتلك الآفاق الواسعة التي اكتشفوها من معاني التوحيد ومقتضياته. وهم، من أجل ذلك، قد عرفوا في تاريخ العقائد: "بأهل التوحيد وأهل العدل"، وكان هذا كله مبعث افتخارهم الزائد، ومنار اعتزازهم الشديد. 
  
إن المحافظة على "الوحدة" في صفائها وسموها، كانت محور أبحاث رجال الاعتزال في الإلهيات، وأساس تفكيرهم العميق في الطبيعيات والكونيات، كما أن الحرص على انتصار مبدأ "التوحيد" في حياة الفرد وفي حياة المجتمع، كان مدار اهتمامهم البالغ في الأخلاقيات والاجتماعيات. وقد ترك لنا الإمام الأشعري في "مقالات الإسلاميين" نصوصا عديدة تصور آراء المعتزلة في التوحيد، ونلخصها أحسن تلخيص، نختار منها النص التالي:
"إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم (...) ولا شخص ولا جوهر ولا عرض (...) ولا يجري عليه زمان (...) ولا يجوز عليه الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم (...) وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود (...) ولا تدركه الحواس (...) ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه (...) ولا تراه العيون (...) ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام. شيء، لا كالأشياء. عالم، قادر، حي: لا كالعلماء، القادرين، الأحياء. وأنه القديم وحده، لا قديم غيره، ولا إله سواه (...) ولا معين على إنشاء ما أنشأ. ولم يخلق الخلق على مثال سبق" (مقالات الإسلاميين: فصل في "شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره").   
 
يجب أن نعترف بكل بساطة، أن نظرة الذات الإلهية، في ميدان الأنتولوجيا، كانت قاصرة جدا، كما أن نظريتهم في "الوحدة"، على صعيد الأنتولوجيا، هي جزئية غير شاملة، وهذا، مع إقرارنا العميق بمجهودهم العظيم الخصب في حقول الآداب والعلوم والمعارف. لقد عرض علينا رجال الاعتزال صورة للألوهية هي- للأسف الشديد- حبيسة (في) أغلال إطلاقها (المقيد)، وكان الأحرى بهم وهم دعاة الحرية والتحرير- تنزيه الألوهية عن كل قيد أو شرط، حتى عن قيد "الإطلاق بشرط لا"... وقد نجم عن فكرة المعتزلة في التوحيد والوحدة مشاكل لاهوتية معقدة، كان لها أصداء عميقة في أرجاء العالم الإسلامي كله، وهي مشاكل الصفات والقرآن والرؤية الإلهية.
 
فالصفات الإلهية، في نظر أهل الاعتزال، لا حقيقة لها موضوعيا، فيما وراء العقل البشري. إنها، بطبيعتها، معان مجردة ينتزعها الفكر من تلقاء نفسه، ويطلقها على الذات المقدسة، كنعوت لكمالها المطلق، وشؤون لماهيتها المتعالية. أما وصف الله بها حقيقة، أو اتصافه فيها، فهذا وذاك أمران يفضيان إلى ضرب شنيع من الكثرة، التي يجب أن تتنزه الذات العزيزة الجناب عنها. 
 
وكذلك يعتبر المعتزلة الكتب السماوية جميعا- بما فيها القرآن الكريم- من قبيل الظواهر الكونية تماما: أنها مخلوقة وحادثة مثلها. والقول بأزلية القرآن وسواه من الوحي الإلهي، يؤدي إلى تعدد القدماء، وهو يتنافى مع الوحدة السامية.
 
وينكر المعتزلة أيضا "الرؤية الإلهية"، إن في الحياة الدنيا أو في الحياة الآخرة، وذلك باسم "الوحدة المقدسة"، وباسم تنزيهها المطلق. وهم يتناولون النصوص الدينية الواردة في هذا الموضوع، أو يردونها بتاتا. لأن حصول "الرؤية" عندهم، يلزم عنه محالات عقلية لا مناص منها: وهو تحديد الذات الإلهية في نطاق الزمان والمكان والمادة!
 
إذن، القول بإثبات الصفات وتعددها، هو، على رأي مفكري الاعتزال، مناقض لوحدة الذات الإلهية وتنزهها. غير أن الصفات، من حيث ثبوتها وتعددها، هي بالضبط مجلى كمالات الله ومظهر وجوده الخارجي، فإذا "عطل" عنها الإله، فكيف يتيسر للعقل إدراكه، وبالتالي كيف يمكن توحيده؟ وبتعبير آخر أشد وضوحا: إذا انتفت الصفات الثبوتية عن ذات الألوهية، فكيف في هذه الحالة، تفهم صلات المرء بخالقه، في رهبته ورغبته، في نسكه وعبادته، في نجواه وتأملاته؟ بل كيف تفسر، على نحو معقول، ظواهر الخلق في مسرح الكون والوجود؟ إن تصورنا ذاتا إلهية "معطلة"، هو بعينه كتصورنا "بئرا معطلة"، أعني بئرا لا ماء يترقرق فيها، ولا ظلال تنداح لديها، ولا أزهار ترف حولها: فكيف يجد عندها ذو الغلة الصادي إطفاء لهيب عطشه في صحراء الحياة؟
تلك هي بعض النتائج الخطيرة لمقالة المعتزلة في "الصفات"، وموقفهم السلبي تجاهها. 
وكذلك الأمر بخصوص مشكلة خلق القرآن الكريم. إذا كان الوحي الإلهي- وهو رمز الصلة الحية بين الخالق والمخلوق، ومظهر العناية السماوية بالإنسان- أقول: إذا كان هذا الوحي الإلهي في مستوى الظواهر الكونية الحادثة، فما هي ثمراته الفعالة بالقياس إلى مصيرنا النهائي وكمالنا في الأبد؟ فالمسلم الذي لا يجد في القرآن مثلا، سوى "الحكمة المخلوقة"، لن يتعد في تطوره المعنوي والروحي آفاق "العالم المخلوق"، وبالتالي سيتوقف حتما دون العروج أو التطلع إلى سماء "الحكمة اللا مخلوقة"، ثم هو في مقدوره أن يجد أمثال هذه "الحكمة المخلوقة" من خلال تجاربه الشخصية في معترك الحياة. 
 
أجل! إن عقيدة "أزلية القرآن". هي التي تتيح لنا أن نتأمل في صفحات الكتاب الإلهي إرادة الله العليا في الإنسان والكون والوجود، وهي التي تكشف لنا الحجاب عن ناموسه الأبدي فنتخذه دستورا مقدسا في الحياة، وهي التي تحدثنا بالوسائل الموصلة للعثور على "الكنز المخفي" فيحقق لنا الغنى المطلق، وللحصول على "الحكمة اللا مخلوقة"، فتقودنا صعدا إلى سماء الخلود. وكذلك تحيا الجماعة المؤمنة المسلمة، بفضل الله ونعمته، حياة الملائكة الأطهار، على هذه الأرض: أرض الدموع والآلام وعرق الجبين!
 
وأخيرا، إذا استحالت رؤية الله في السماء، وامتنع تجليه عبر "الصور الخالدة" في نعيم الجنان، كما يقرر المعتزلة، فلنا أن نتساءل بحسرة وأسى: ما هي حقيقة ذلك النعيم السماوي؟ وما هي قيمة تلك الجنان الخالدة؟ أليس النظر إلى وجه الله الحبيب هو وحده الجنة، وهو وحده النعيم؟ أليس الحجاب عن رؤية وجه الله الحبيب هو وحده العذاب، وهو وحده الجحيم؟ - وصدقت شهيدة العشق الإلهي، رابعة العدوية، حيث قالت كلمتها الخالدة: "اللهم! الجار ثم الدار".
  ومهما يكن من الأمر في شيء، فإن النظريات الاعتزالية إذا أخفقت نسبيا أو جزئيا في دائرة الإلهيات، فقد كتب لها النجاح التام في ميادين الكونيات والأخلاقيات والاجتماعيات، ومن ثم يمكن القول، دون أي شطط، بأن المعتزلة كانوا في طليعة الممهدين للفلسفة الطبيعية والأخلاقية والاجتماعية 
 في الإسلام. فأبحاثهم الواسعة في "العدل"، وهو المظهر الوحيد للذات الإلهية الذي ينكشف أمام الفكر البشري، كانت مصدر آرائهم الجريئة في المعرفة العقلية، والحرية الإنسانية، والعدالة الاجتماعية.
  فعن مفهوم "العدل الإلهي"، الذي هو الحق الثابت والناموس الأزلي، انبثقت فلسفتهم الكونية، التي تعتبر ظواهر الوجود بمثابة تمثيل خارجي للقانون الأبدي (= نظرية السببية العامة)، وآثار واقعية للطبيعة السرمدية الفاعلة. وفي نظر المعتزلة- وهم مصيبون بذلك كل الإصابة- أن من أنكر القانون الإلهي، أو القول بالطبيعة الفاعلة، فقد أبطل عمل العقل، وبالتالي يكون قد أبطل الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى معرفة الله وتوحيده، لأن عمل العقل- وهو حقيقة المعرفة- ليس شيئا آخر سوى إدراكه لظواهر الوجود بأسبابها الواقعية المباشرة. 
 
وباسم العدل الإلهي أيضا، أثبت المعتزلة حرية الإنسان ومسؤوليته التامة عن أعماله وتصرفاته. فإنه إذا كان المرء بالضرورة ذا تبعات مختلفة متعددة، من الوجهة الدينية والإنسانية معا، فهذا يقتضي حتما مونه مختارا في شؤونه، حرا في أعماله. ومن نفى الحرية والاختيار في الإنسان، نفى العدالة عن الله!.
 
ثم إن وجود الفرد مرتبط إلى حد بعيد بوجود الجماعة التي يعيش معها. فالإنسان كما يقول المعلم الأول: "جوان مدني"، أي ذو حاجات متشعبة، مختلفة، معقدة. فلابد للمرء في هذه الحالة، من توفر قسط كاف من العدالة الاجتماعية يحيا بانتظام خلالها، وينمو بسلام في ظلالها، ليحقق رسالته وأهدافه في الحياة. وكل هذا لا يتم، عند أهل الاعتزال، إلا عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.  
 
على ضوء ما تقدم، يستطيع الباحث أن يقرر أن الوجود الإلهي، في نظر مفكري المعتزلة، ممتد حقيقة في الكون، وإدراك هذا اللون من الوجود الإلهي لا يكون إلا بواسطة المعرفة العقلية. ثم إن الوجود الإلهي ممتد أيضا في الإنسان، وهذا يلزم القول بحرية الفرد الشخصية ومسؤوليته التامة عن أعماله. وأخيرا، إن الوجود الإلهي ممتد حقيقة في قلب الجماعات البشرية. وذلك يوجب حتما مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالعدالة الاجتماعية، والحرية الإنسانية، والمعرفة العقلية: تلك هي مظاهر العدل الإلهي، وبالتالي هي عناصر التوحيد الحقيقي ومقوماته الأساسية، لدى التفكير الاعتزالي.
 
ويحسن بنا أن نشير، في خاتمة هذا البحث، إلى أن المعتزلة بقدر ما كانوا "مهائيين" (إن صح مثل هذا التعبير، أي من أنصار نظرية الماهية المجردة Essentialistes) في ميادين الإلهيات، كانوا، في الوقت نفسه، وجوديين (بأدق معاني الكلمة وأتمها) أمام مشاكل المعرفة والحرية. بيد أن نظرية المعرفة التي شيدوا أسسها، وفكرة الحرية التي دافعوا عنها، ونظام العدالة الاجتماعية الذي فرضوه وطالبوا بتحقيقه، - جميع هذا كان منبعثا عن تصورهم العميق لمبدأ العدالة ذاته. إن عدل الله في السماء- مظهر وجوده المطلق ووحدته السامية- هو، في نفس الوقت، عند رجال الاعتزال، مصدر معرفة الإنسان على الأرض، وسناد حريته في الحياة، ومحور نشاطه الاجتماعي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here