islamaumaroc

إنتاجنا الأدبي بين الأمس واليوم

  دعوة الحق

129 العدد

  مما لا إشكال فيه أن كل إنتاج أدبي خرج إلى الوجود وصار بين أيدي القراء أو طرق مسامع المستمعين من إحدى الإذاعات أو غيرها من وسائل الالتقاط والاستماع، إلا وهو معرض للأحكام الموافقة أو المخالفة التي قد يصدرها، في حقه، هؤلاء القراء أو هؤلاء المستمعون. فإذا كان من حق صاحب الإنتاج أن يحافظ عليه ويمتنع من عرضه على الناس خوفا على إنتاجه من أن يتعرض إلى النقد والتأويل والتعليق والشرح فإن هذا الحق يسقط بمجرد ما يصبح هذا الإنتاج متناولا بين الناس، مشاعا بين القراء، مذاعا على المستمعين تردده ألسنتهم وتهفو له أسماعهم.  
 
ولعل من حق كل قارئ كذلك أن يعلن رأيه بصراحة في كل إنتاج تمكن من الاطلاع عليه ليبين للناس الجوانب الممتعة من هذا الإنتاج حتى أقبلوا على قراءته ومواضع النقص والضعف ليكونوا على بينة منها.
 
وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لكل إنتاج فردي فكيف لا يكون الشأن كذلك بالنسبة لمجموع إنتاجنا الوطني في ميدان العلم والأدب؟ وإن من حق هذا الإنتاج علينا أن نعكف عليه بالدراسة والتقويم ونقارن بين حالته اليوم وبين ما كان عليه خصوصا في هذه العقود الأخيرة التي أخذ المغرب فيها بأسباب النهضة الحديثة وساير فيها الحركة الجديدة التي عرفتها الثقافة العالمية.
 
وما إنتاجنا الأدبي الوطني إلا خلاصة مجهودات فردية يبذلها بعض المثقفين الواعين الذين أبوا إلا أن يشركوا بقية المواطنين في أعمالهم الأدبية ويطلعوهم على ما تفتقت عنه قرائحهم من آراء مصيبة وأفكار محترمة ونظريات خاصة حول بعض القضايا الوطنية والإنسانية التي لم يرد هؤلاء المثقفون، مهما كان مقامهم في ميدان الكتابة والتحرير والإنشاء أن يبخلوا بها على جمهور المواطنين مظهرين بذلك استعدادهم للمشاركة في بعث وعي سياسي واجتماعي وثقافي في بلادنا وللمساهمة بنصيبهم المتواضع في رفع مستواها المادي والمعنوي. 
 
وإذا كان إنتاجنا الأدبي في عهد الحماية، يتسم بنوع من الجدية والرصانة لا يخلو منهما إنتاجنا في عهد الاستقلال، فإنما مرد ذلك إلى الهدف الأسمى الذي كان يهدف إليه أدباء ذلك العهد والذي كان يتلخص في تقويض دعائم الاستعمار، وتحرير البلاد، واسترجاع سيادتها المغصوبة وكرامتها المسلوبة كما أن طابع هذه الجدية وهذه الرصانة يرجع إلى التفرغ الكامل الذي كان يعرفه أدباء الجيل السابق نظرا لانغلاق أبواب الإدارة في وجوههم وتوفرهم على الوقت الطويل لمراجعة ما ينتجون وعرضه على الإخوان والأصدقاء في حلقات وجماعات أخوية الشيء الذي يمكنهم من تصحيح ما يكتبون وإعادة النظر فيه ورجوع البصر كرتين فأكثر في الإنتاج قبل أن يأخذ قالبه النهائي ويجد طريقه إلى النشر إن وجد لذلك سبيلا.
 
ومع ذلك فقد كان هذا الإنتاج لا يخلو من ضعف وضحل يتجليان في الشكل الذي كان عليه، فمن أصحاب هذا الإنتاج من كان بعيدا عن اللغة العربية ولكن النعرة الوطنية والنخوة القومية والغيرة الدينية كانت تدفعه ليتعمد الكتابة بلغة القرآن رغم جهله بأبسط قواعدها، ومن هؤلاء من كان لا يدري طرق الكتابة الحديثة نظرا لتكوينه في المدارس العتيقة ولكنه، تمشيا مع روح العصر، كان يحاول أن يقلد الأسلوب العصري حتى يصبح من الكتاب المعاصرين أو الشعراء المحدثين، وإن نظرة سريعة على المجلات القديمة وهي قليلة العدد والكتب التي كانت تصدر في ذلك العهد والتي ما زال البعض منها يصدر حتى في أيامنا الحالية تعطينا صورة صادقة على الصراع الذي واجهه بعض العلماء والشعراء والمؤرخين للتغلب على تكوينهم الأصلي والأخذ بأسلوب العصر الذي لا يخلو من جاذبية كانوا هم من أول ضحاياها.
 
ويتجلى هذا الضعف وهذا الضحل كذلك في جوهر ما كان ينتجه أدباؤنا في عهد الحماية فرغم قلة وسائل النشر التي لم تكن تسعف جلهم لتقديم إنتاجهم إلى المطابع كما هو الشأن، ورغم التفرغ الكامل الذي كان يعيش في ظلاله الوارفة رجال العلم والأدب في العهد السابق، ورغم الهدف الأعلى الذي كان يجلبهم فإن بعض المقالات والأبحاث كانت غامضة، بعيدة في موضوعها عن الصراع الذي كان يجري في البلاد كما أن بعض الإنتاج الشعري كان لا يتجاوب، من قريب، مع الأهداف الوطنية العليا التي كان يحاول أن يخدمها هؤلاء الأدباء والشعراء.
 
وليس معنى هذا أن إنتاجنا الأدبي في عهد الحماية كان ضعيفا بصفة شاملة وأن رجال العلم والأدب لم يؤدوا الدور الذي كان يتعين عليهم أن يضطلعوا به في ذلك العهد. كلا.. فقد لعب غالبية الكتاب والشعراء دورهم في توعية الشعب ونفخ الشعور الوطني في نفوس المواطنين كما لعب الإنتاج الأدبي دوره، حسب المستطاع، في تبليغ الدعوة الوطنية والترغيب في إصلاحات اجتماعية كانت بلادنا في أمس الحاجة إليها، ورغم الخطوات التي خطاها إنتاجنا الأدبي آنذاك والنجاح الذي لقيه فإن هذا لا يوصله لأن يكون المثل الأعلى لكل عمل أدبي قيم يتسابق الكتاب والشعراء لإدراكه والوصول إليه.
 وإذا كنا لا ننكر الجودة والإتقان اللذين يتحلى بهما إنتاجنا الأدبي فيما سبق فإننا لا نستطيع أن ننكر كذلك قلة هذا الإنتاج وانحصاره في مواضيع معدودة ومضامين معلومة لا تختلف في شيء عن الإنتاج الأدبي الذي عرفه الأدب العربي منذ خرج إلى الوجود.    
 
حقا لقد عرف الإنتاج الأدبي في المغرب العربي ذخائر يعتز بها الأدب العربي والإنساني كما زخر بمؤلفات جليلة أجبرت الفكر العالمي على تقديرها واحترامها، وما ابن بطوطة وابن خلدون وابن طفيل والقاضي عياض إلا أدلة ناطقة على القمة الشامخة التي وصل إليها الإنتاج الفكري المغربي في بعض الأحيان، وما آل العزفي والمكودي وابن حيوس وعبد العزيز الفشتالي وعبد المهيمن الحضرمي وأبو العباس الجراوي إلا أمثلة رفيعة لما بلغه أدباؤنا وشعراؤنا السابقون في مضمار الخلق والإبداع الفني. ولكننا، رغم كل هذه المفاخر، نريد لأدبنا مستوى أرقى مما كان عليه فيما سبق لأننا نود أن يحتل إنتاجنا الأدبي المعاصر مكانة مرموقة بين الإنتاج الفكري العالمي حتى يقبل عليه المتأدبون والمثقفون في مختلف أرجاء العالم بالدراسة والتحليل والقراءة والتعديل كما نرغب في أن يصبح لكتابنا وشعرائنا دوي يردده العالم وصدى يتجاوب في مختلف أصقاع المعمور. 
 
وقد استطاع إنتاجنا الأدبي الحالي أن يحقق البعض مما نتمناه، فقد وجد بعض شعرائنا من ينقل آثارهم إلى لغات أجنبية كما حصل بعض الكتاب والقصاصين على جوائز عليا في أقطار أجنبية الشيء الذي يعتبر في حد ذاته تشجيعا لما نهدف إليه ونسعى جادين للوصول إليه.
 
وكيف ما كان الأمر فإن في إنتاجنا الأدبي الحالي من أنواع التجدد وألوان الابتكار والإبداع وتعدد الأبواب والميادين وتنوع المواضيع والمضامين ما يجعلنا ننظر إليه بشيء من العطف والحنو وبمزيد من التفاؤل والاستبشار وما يدفع بنا إلى التغافل عن بعض مظاهر النقص والضعف والضحل التي ستضمحل شيئا فشيئا بحول الله خصوصا إذا ما أخذ كتابنا الناشئون وشعراؤنا الصاعدون يجدون في سبيل تلافيها.
وسوف لا يتردد أدباؤنا في اتباع الطرق الكفيلة بإنتاج فكري رفيع يستحق أن يفرض وجوده على العالم ويترك ذكرا طيبا يخلد أصحابه وحديثا جميلا تتناوله الأجيال المقبلة. ومن الجلي أن هذا الأدب لن يستطيع أن يفرض وجوده ويضمن خلود أربابه إلا ?
إذا كان إنتاجا ذاتيا عميقا لا أثر فيه للسطحية والطفرة والإتباع وإلا إذا كان معبرا، في أعماقه، عن مجتمعنا وبيئتنا ومتحدثا في أسمى معانيه، عن شخصيتنا ومقوماتنا ومقدما، في أسلوب جذاب، صورا طريفة عن حياتنا الاجتماعية.
 
ولن يستطيع هذا الإنتاج أن يتوفر على الذاتية المطلوبة ويعبر عن مجتمعنا على الوجه الأكمل ويكون المرآة التي تنعكس عليها شخصيتنا ومقوماتنا وعاداتنا إلا إذا تحلى بالأصالة ونبذ التقليد الأعمى ورمى به وراءه ظهريا ونفض عنه غبار الاجترار العمل والتكرار الذي يبعث على الضجر والسأم. 
 
ولن تتحقق الأصالة في التفكير والأسلوب في إنتاجنا الأدبي إلا إذا أقبل كتابنا وشعراؤنا بصفة خاصة ورجال العلم والأدب والنقد بصفة عامة على المطالعة المفيدة والدراسة المتينة والاطلاع الواسع على إنتاج أسلافنا والتعمق فيه والتحصن بثقافة العصر التي تفرض، بدورها، الوقوف على الإنتاج الجيد الذي يضعه الأجانب والتمكن من ناصية لغة واحدة أو لغات أجنبية للانغمار في هذا الإنتاج العالمي وتربية الفكر على التدبير فيما يجري من أحداث داخل مجتمعنا وخارجه والشعور بما يهز أبناء وطننا والعالم أجمع من انفعالات نفسية وإحساسات ذاتية والتمرين على تسجيلها والتقاطها كما تلتقطها عدسة المصور البارع أو مفحصة الطبيب الماهر. وأن سعة الاطلاع وعمق التفكير وإجادة التسجيل والتصوير خير وسيلة يمكن للكاتب والشاعر أن يحقق بها لإنتاجه طابع الأصالة الفكرية والتعبيرية التي تتوقف كذلك على المزيد من الاعتكاف والتروي في التحرير وعدم التعجيل بالنشر إذ لا يمكن للكاتب أو الشاعر أن يعتكف على تحرير إنتاجه قبل أن يعتكف على القراءة الكثيرة والمطالعة الطويلة المتينة. 
  حقا إن الكتابة وقرض الشعر موهبة وعطاء قبل أن تكون صناعة ومهنة، ولكن هذه الموهبة تتوقف على التدريب والصقل اللذين لا يتأتيان إلا بالمواظبة على الاطلاع وممارسة الكتابة والنظم. فكيف يطلب من الكاتب أو الشاعر أن يتروى في الإنتاج ويعتكف على التلقيح وهو لم يتزود بالدراسة، فيما قبل، ويتروى في المطالعة والقراءة قبل الإقدام على الكتابة، ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن سبب ما نلاحظه في إنتاجنا الأدبي الحالي من ضعف وضحل يرجع، أولا وقبل كل شيء، إلى عدم ارتواء أصحاب هذا الإنتاج، سواء كانوا من كبار الكتاب والشعراء أو من الناشئين باستمرار وقوة، من معين الثقافة المتدفق، وتسرعهم إلى الكتابة والنظم قبل أن تتسع آفاق تفكيرهم وتتقوى معلوماتهم كما يرجع إلى تعجيلهم بنشر ما يكتبون وما ينظمون قبل إعادة النظر في ذلك الإنتاج والزيادة في تنقيحه وتصحيحه وتحسينه. وقد يعترض علينا بعض الأفراد بأن العصر الذي نعيش فيه عصر سرعة وأنه لا يسمح لرجال العلم والأدب أن يسيروا ضد تياره الجارف. وإننا لنرد على هؤلاء بأن هذا العصر عصر جودة وإتقان وضبط رغم ما يتميز به من سرعة واستعجال، وأن لنا في حياة الإنسان في الدول المتقدمة وما يحققه من أعمال علمية مضبوطة وتجارب فنية متقنة وإنتاجات أدبية محمودة موفقة خير دليل على أن التعجيل والسرعة لا يعنيان الانغمار في خضم قد يؤدي إلى فقدان الجودة وضياع الإتقان. إن المطابع في الدول الراقية لا تعرف التوقف وهي تصدر، في كل يوم، بل في كل لحظة، عددا كبيرا من المؤلفات الأدبية والذخائر الفكرية التي تستجلب في غالبيتها الإعجاب والتقدير نظرا لما تتسم به من رصانة في التعبير ورزانة في التفكير. فلماذا لم يؤثر في هذه الإنتاجات طابع السرعة الذي لم يضغط إلا علينا نحن الشعوب الساعية في طريق التقدم والتطور؟ إن الإنتاج الأدبي الرفيع يتطلب المبالغة في التروي والزيادة في الإتقان وسوف لا يتحقق ذلك في إنتاج أدبائنا وعلمائنا، شيوخنا وشبابنا إلا إذا تربئوا واتئدوا وابتعدوا عن طلب الشهرة بثمن بخس وإلا إذا كان الاطلاع الواسع والاعتكاف الكامل رائدهم في أعمالهم الأدبية. ويحضرني، بهذه المناسبة، ما وقع للدكتور زكي مبارك الكاتب المصري المعروف يوم فاجأته إحدى المجلات المشهورة - ولعلها مجلة الرسالة في أزهى أيامها- بنشر مقال كتبه أحد أبنائه. فقد استشاط الدكتور زكي مبارك غيظا وحمل على أصحاب المجلة المذكورة حملة نكراء متهما إياهم بقتل ابنه صاحب المقال من الناحية الأدبية وتحطيم مستقبله الأدبي لأنهم بنشرهم لكلمته- حسب رأي زكي مبارك- وضعوا حدا لطموحه الفكري وقضوا على روح التمعن والتمكن التي كان من الممكن أن يتحلى بها طيلة حياته الأدبية.      
 
وقد كان الدكتور زكي مبارك صادقا فيما قاله لأن هذا المقال كان الأول والأخير في إنتاج ابنه الذي ساوره الغرور واستحوذ عليه الإعجاب بالنفس الأمارة بالسوء فتراخى وتكاسل وتوقف عن الاطلاع، فقد ظن أنه بلغ ما كان يأمله ووصل إلى مدارج الكمال بينما لم يزد في الحقيقة على قدره شيئا بل أزرى بنفسه ووضعها في مدارك الحضيض وقد ساء ظن أصحاب المجلة من حيث كانوا يحسبون أنهم بعملهم هذا يحسنون صنعا وراحوا يعتذرون للدكتور زكي مبارك الذي كان أقوى منهم فراسة وأكثرهم إدراكا وتقديرا لمستقبل ابنه ومستقبل سائر الكتاب الذين لم يكتمل، بعد، نبوغهم الفكري والذين ما زالوا في حاجة إلى المزيد من الدراسة والقراءة والتحصيل وممارسة الكتابة والتحرير.
 
وبعد، أفلا يتدبر رجال القلم عندنا مغزى هذه القصة التي تعبر عن واقع غالبية كتابنا وشعرائنا؟ أما آن لنا أن نعتبر بهذه الحقيقة ونرحم إنتاجنا ونحفظه من الضعف والضحل والخلط؟
 
إن إنتاجنا لا يشكو من التسرع والاستعجال وقلة الاطلاع وعدم التروي فحسب ولكنه يشكو من معضلة أخرى لا تقل عن سابقاتها خطورة وضررا.
 
وتتجلى هذه الظاهرة المؤلمة في تعدد اهتمامات رجالات الفكر والثقافة وإقبالهم على أشياء مختلفة قد تتعارض في كثير من الأحيان وجمعهم بين مختلف أنواع الإنتاج الأدبي والعلمي. فمن الكتاب من يهتم بالقصة والمسرحية اهتمامه بالتاريخ والحضارة، ومن الشعراء من يقرض الشعر ويحرر المقالة ويتكفل بالنقد وينكب على الدراسات الدينية ويقوم بالأبحاث الاجتماعية، ومن مثقفينا من يقبل على السياسة إقباله على الرياضة ومجالات القضاء والتشريع وميادين التربية والأخلاق والفلسفة يكتب في كل موضوع منها ويفكر في كل ناحية منها بتفكير خاص، ومن أرباب القلم عندنا من يفتح صدره ويبدي استعداده للكتابة في كل فن فتجده باحثا في مجالي اللغة والدين كما تراه في نفس الوقت منقبا ومنغمرا في أبحاث تاريخية ومشاركا في كتابات أدبية ومساهما في شحطات صوفية وتحليلات علمية وتحقيقات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وهكذا تختلط الدروب في وجه كتابنا وشعرائنا فيعسر عليهم إيجاد المنفذ الذي يمكنهم من التعمق والتحليل البعيد المدى الأمر الذي يجعلهم يهرعون إلى أقرب الأبواب والمواضيع لطرقها ملمين بها إلماما خفيفا سريعا لا يسمن ولا يغني من جوع. 
 
ومن الغريب أن نلاحظ هذه الظاهرة المؤسفة في موسيقانا وفي غيرها من ألوان الثقافة والمعرفة فالموسيقي عندنا يريد أن يكتب كلمات القطعة التي سيتغنى بها كما يريد أن يلحنها ويعزفها ويغنيها.
 
وهذا ما يجعل موسيقانا، هي الأخرى، ضعيفة مهلهلة إذ لو أدى كل واحد من أهل الفن دوره حسب تخصصه وميوله وهواه لجاءت القطعة جيدة كاملة تنم عن ذوق سليم ومعنى عميق بعيد.
 
إننا لا نشك في قدرة الله على أن يجمع في شخص واحد ما تفرق في غيره كما لا ننكر إمكانية وجود بعض الأفراد الذين ساعدهم وسع اطلاعهم وتكوينهم الموسوعي على المشاركة في كل من فنون المعرفة والمساهمة في كل نوع من أنواع الثقافة البشرية ولكننا نريد مع ذلك أن يتخصص رجال العلم والأدب وأن يأخذ كل واحد منهم جانبا من جوانب المعرفة يهتم به ويجعله هجيراه في دراساته وأبحاثه وكتاباته لأن التخصص وتحديد الاتجاه سيؤديان بأرباب القلم عندنا إلى توجيه جهودهم وطاقتهم الفكرية إلى ناحية خاصة تستحوذ على اهتماماتهم وتستولي على أفكارهم وتوجههم وجهة صالحة تجعلهم لا يخبطون في كل ميدان ويعمهون في كل مجال. ومما لا ريب أن هذا التخصص سيحدد اتجاه كل كاتب ويجعله يقبل على ميدانه بكل هدوء واتئاد واطمئنان ساعيا إلى اكتشاف كل طريف مدفوعا إلى البحث عن كل جديد. وهكذا ستتعمق الأبحاث العلمية والاكتشافات الأدبية وتستظرف المقالة وتسمو القصيدة وتكتمل المسرحية وتنضج القصة والأقصوصة فيرتفع بذلك مجموع إنتاجنا الفكري ويبلغ مدارج الكمال فتهواه النفوس ويقبل عليه القراء. أما إذا ظل أدباؤنا وعلماؤنا يتيهون في كل واد ويصيحون في كل ناد فسيبقى إنتاج كل منهم خليطا يعسر الفصل بين غثه وسمينه وسقيمه وصحيحه ومزيجا لا يستطيع هضمه إلا أولو العزم من القراء وسيؤول في النهاية إلى هشيم تذروه الرياح لأنه لن يتوفر على أساس عميق يشده إلى الأرض ولا على أجنحة متينة تمكنه من التحليق والارتفاع.   
 
وعلى كل حال فقد أخذ إنتاجنا الأدبي يشق طريقه ويتجه إلى الغاية المرجوة رغم الصعوبات التي تعترضه والعراقيل والأشواك التي تعوقه.
 
وسوف لا يصل هذا الإنتاج إلى مستوى الإنتاج العالمي إلا إذا أقبل رجال الفكر والعلم والأدب على طبعه بطابع الأصالة الذي لن يتحقق إلا بالاطلاع الواسع والاعتكاف على ممارسة الكتابة بعد الاعتكاف على المطالعة المكينة وانتهاج نوع من التخصص يسمح بتحديد اتجاه كل مجد دعته دولة القلم إلى الانغمار في صفوفها والانضواء تحت لوائها.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here