islamaumaroc

قيادة العالم

  دعوة الحق

129 العدد


"ولو أن محمدا بعث في هذا القرن، وكان له الأمر المطاع لوفق، كل التوفيق، في حل جميع المشاكل العالمية، ولاستطاع أن يقود الناس إلى السعادة والسلام"
                                                                                 "جورج برنارد شو"

"كان محمد متخلقا بتلك الأخلاق التي إذا اجتمعت برجل واحد أهلته لأن يكون ذلك الشخص الذي تتوقف عليه مقدرات العالم. لقد كان في وقت واحد نبيا وجنديا وكان بليغا على المنبر، كما كان باسلا في ميدان القتال".
                                                                                           "دراير"

1) الإنسان له بداية هي الإيجاد على أحسن تقويم من أجل المعرفة في طريق الحق للحق وله نهاية نحو نفس الحق إذ منه إليه تمتد سبيل الحياة وله غاية في الدنيا هي تكوين الاكتمال المنشود بواسطة الحق ونصرة الحق بالحق.
2) لا يفتح القلب للاكتمال إلا بعقيدة وشريعة وطريقة نحو الحقيقة ولا يهتدي العقل والضمير إلا بتوضيح الرسالة لسبل النجاح في السير بواسطة العلم والتطبيق، وأحسن وسائل التوضيح والتعليم والتطبيق هي التجسيم والتشخيص في القدوة الحسنة ولا أكمل من أن يتقمص ذلك كله في المثل الكامل وهي الشخصية المتمتعة بالعصمة من الخطأ في الفكر والعقل والعلم والسلوك في شخص النبي المرسل.
3) الإنسانية جمعاء في أشد الحاجة إلى من يقودها للنجاح والنجاة بفضل العلم والسلوك، فإذا انقلبت الأوضاع بتضارب الأقوال والأفعال يكثر الخبث عقابا ومقتا بعدا عن الحق والحقيقة إذ "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، فيكفهر جو الحياة الفردية والاجتماعية ويتعكر صفو الأحوال عند الشخص والأمة وتتدمر الضمائر ويزداد الشعور متضاعفا بأمس الحاجة إلى الإصلاح والمصلح والإنقاذ والمنقذ أي إلى الرجوع إلى الحق والعلم الحق والسلوك ويعظم الاحتراس من الوقوع في نكسة جديدة وضلال متكرر وبذلك يتعلق القلب بطلب الزعيم الكامل الذي يستحق الثقة التامة والطاعة الكاملة.  
4)
 ولا يرتاح الذهن ويطمئن الضمير إلا للقيادة النزيهة ذات الزهد والتجرد والعلم احتفاظا بالمثل العليا وصيانة لكرامة التابعين وحماية لشرف الأمة وضمانا للمصلحة العامة العادلة عن طريق نصرة الحق بالحق أي باقتران الحق عالما والحق وسيلة والحق غاية فتكون الطهارة كاملة في النيات والوسائل والغايات.
5) وكلما اتسعت رقعة التعارف الإنساني المبني على الوحدة في الاختلاف أي وحدة قيمة الإنسانية وجمع شملها بفضل اختلاف الشعوب والأمم وتكامل الآراء والحكم اتسعت أيضا أشواق القلوب إلى جامع للشمل الإنساني لأنه جامع لمكارم الأخلاق.
6
) بل كلما انكشفت العائلات الإنسانية في مناكب الأرض لبعضها بعضا تعمقت رغبة العلم الصادق والسلوك المخلص والعزة المصونة في الضمائر التواقة إلى تكوين إنسان جديد مستنير يتسامى في سلم النهضة والرقي فرارا من السراب الذي يحسبه الظمآن ماء أي معرفة وحكمة في كتاب مبين وشفاء لانهيار النفوس في مجتمع تساوى فيه البشر والحيوان إنتاجا واستهلاكا بالاقتصار على الناحية البهيمية منه.
7) ولذلك تكون في كل نقمة نعمة بانبثاق شعاع الرغبة العرفانية والنيات النورانية في العقول والقلوب كلما كثر الخبث وانتشر الظلام إذ لا يسارع الإنسان إلى النور إلا في الظلمة الحالكة التي تملأ النفس رعبا من المجهول المحيط والأخطار المحدقة والهول المتسلط.

8) وبامتزاج الرغبة والرهبة تتهيأ النفوس إلى قبول الرسالة على شرط تأتي على يد النبي لا المتنبي والرسول لا المتحايل لأن الاستمرار والاستقرار مضمون للحق وحده في الأرض والنفس معا.
9) فالإنسان في حاجة إذن إلى مذهب يجمع شمل الشتات الإنساني، ويلبي رغبة الحقيقة عنده إلى مطابقة العقل للواقع الظاهر منه والباطن في نظام الكون والنفس وتوضيح المذهب وتحقيقه في سلوك رجل أصبح خلقه وشخصه هي ذلك ولم يتوفر هذا المذهب إلا في الإسلام كما هو في كتاب الله تعالى الجامع لحقيقة الأكوان والعالمين وحكمة الأجيال والرسالات ومكنون الحقائق والأسرار ولا يتوفر هذا السلوك الأمثل إلا في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جمع بين شريعة الرسالات وطريقة النبوات في الحقيقة العرفانية الجامعة للأنوار الإلهية وحيا من عند الخالق العليم الحكيم في شخصية اكتملت فيها سائر الصفات الإنسانية.
10) ونظرا لطغيان المال والجاه والشهوات بقلب الحقائق والأوضاع جريا وراء السلوك الضال بدلا من سبيل الرشاد انتشر التشكك فانتشر معه الاستدراج في حلقة مفرغة جعلت الإنسان في حالة لا يموت فيها ولا يحيى وهو يتراوح بين المتعة القصيرة والراحة الزائفة والمخدرات والفسوق لإطفاء نار الضمير الملتهبة من ناحية، وبين ثورة على الأوضاع الفاسدة وهو نفسه فاسد فيها ويتمرد على الشقاوة الجارفة والانحرافات المريضة والآراء السقيمة طلبا في تعديل الأوضاع المقلوبة بتعديل الأفكار المقلوبة كأساس لفساد الحالة.  
11) وبما أن العقل يعترف بقصوره والسير عامة بنقصانه وأن كل عناد في ذلك يدخل في دائرة الاستكبار تطاولا على الحق فإن ضرورة المعرفة العليا والقدوة المثلى تظهر بحاجة ملحة ومستفعلة تفرض نفسها على الفكر العميق المتفتح بعد التحرر من أقفال القلوب.
12) وهذه المعرفة العليا يجب أن تكون على صورة الوحي تجنبا من التناقض والدور ولا يوجد وحي كما أنزل على صورته الأولى إلا في القرآن.
13) أما السلوك الذي اقترنت فيه الأقوال والأفعال وامتزجت فيه المعرفة بالتطبيق حتى صار حلقة القرآن فلا يوجد إلا في شخص الكريم بكل معنى الكرامة من علم وأمانة ونور وإخلاص وصدق وهلم جرا.
14
) وبما أن الشوق عند إنسان اليوم كسائر البشر في سائر العصور وبالأخص في عصر اختلط فيه الحابل بالنابل والسعادة والشقاوة حتى أصبح أرقى الناس أشقاهم بالانتحار والتسمم بالمخدرات والتسلط على حرية الغير وعبادة العجل أكثر من أي زمان من الأزمان، صار شوقا شديدا إلى الحصول على مذهب وقدوة حسنة تتصف بالعصمة من الخطأ مع القدرة على جمع كلمة الأسرة الإنسانية تدريجيا على أساس العلم الشامل والسلوك الفاضل فإن ذلك لا يتأتى إلا للمذهب الإسلامي ولنبي الإسلام.
15) ونظرا لوضوح هذه الحقيقة الصريحة عند كل عقل احتفظ بسلامة طبيعته وطهارة فطرته من الأغراض والتمويه والتحايل والمكر فإنه ليس من الغريب أن نلاحظ بعض المفكرين خارج دائرة المسلمين يشهدون بحتمية هذه الحقيقة كالكاتب الإيرلندي برنارد شو حيث يقول أن فساد العصر الحاضر يحتاج في إصلاحه إلى رجل مثل النبي محمد ولو كان محمد موجودا لرد الأمور إلى نصابها بحل المشاكل المعروضة.
16) القيادة العالمية إذن لها شروط كلها مبنية على الحق في المبدأ والتطور والمصادر أو الغاية القصوى وهذه الحقيقة هي الصلة بين الخالق والمخلوق وبين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس المعرفة.
17) فالشرط الأول هو الاستعداد للدعوة والقيادة على أساس وبفضل الحق الهادي إلى صراط مستقيم إذ لولا اعتدال الفطرة وسمو الروح وعلو الهمة وتجرد النفس وطهارة وعمق الفكر وغوص المعنى وطاعة الحق لما كانت الاستعدادات الضرورية وذلك منه واصطفاء.
18) والشرط الثاني هو الصلة بين الحق والخلق أي الإنسان الذي اصطفاه الحق للقيام بالأمر وتلقي القول وهو الحمل الثقيل الذي لا يستحق حمله إلا ذوو الأهلية ونظرا للتجرد المطلق لتحمل الأمانة من الحق المطلق إلى كافة الخلق يكون البشر كلهم في رضى وطمأنينة لحرص القائد العظيم بطاعة الحق أولا وبالزهد في حطام الدنيا وبهرجة الجاه على كرامة الإنسان كلها تقوى وخشية من طغيان العقلية الفرعونية والعقلية السامرية وبطاعة الرسول لربه يستحق طاعة البشرية له للوصول في التحقيق إلى أعلى درجة الكمال قبل المعراج وبعد سدرة المنتهى فتكون الرعية محوطة بالنور والعزة والكرامة لأنها أطاعت ربها في أوامر نبيها القائد الرحيم في حضرة ذي العزة والجلال والإكرام. 
19) والشرط الثالث هو قيام الدعوة والقيادة عن علم لتدبير شؤون الدنيا والدين في آن واحد طبقا لطبيعة الإنسان الجسمانية والروحانية حتى يبقى صاحب الأمر ذوي الأهلية للأمر، فأولو الأمر خلفاء الرسول تحت ضوء ورقابة الكتاب والسنة تقربا من الحق وابتعادا عن المقت بتضارب الأقوال والأفعال.
20
) والشرط الرابع هو الشمول المادي والمعنوي في التدبير الزماني والمكاني في الوجود حتى تكون الدعوة مستمرة والرسالة مستقرة في مناكب الأرض كلها وعبر عصور التاريخ بأسرها المعلوم منها والمجهول إذ وحدة الحق تعالى اقتضت وحدة الإنسانية.
ووحدة الرسالة على مر الزمان
21
) هذه بعض الشروط التي يصعب على العقل حصرها.
فإذا ابتعد الإنسان عن الحقيقة يتغلب الشر على الخير أي الضعف الشيطاني على القوة الروحانية انقلبت الأوضاع الإنسانية الفطرية إلى أوضاع بهيمية حيوانية فيها الحيل واللعب والغش واللهو الخ.. أي الأعمال الشيطانية وخيم ستار الظلام على نور العقول.
واختلط الحابل بالنابل وعمت الحيرة والضجر والقلق والظلم والفساد ومنه الانحلال والهلك والبوار.
22) فبكثر الفساد والتفسخ يثور الحق في الإنسان مرة أخرى وكأن الشر موجود لإحقاق الحق في آخر المطاف لأن ينصر الله سبيل الرشاد ويظهر على الدين كله حتى يتبين أنه الحق وإنما الحيلة في ترك الحيل.
فالتحليل النزيه لهذا العصر ينتهي لا محالة إلى إبراز حتمية الرسالة المحمدية التي جاءت رحمة للعالمين.
فهي الصالحة لتعديل المقلوب من الحقائق والأوضاع على الأسس الثابتة التي منها:
أ- معرفة السنن الفطرية والقوانين من إيمان وعقل وذوق وسلوك متدرج في سلم الرقي أحوالا ومقامات وازدهارا.
ب- إسناد الأمر إلى أهله الحقيقيين أي أصحاب المعرفة حتى ينتشر النور والعدل ويندحر الجهل والظلام والظلم وهي أشياء من عنصر واحد.
ت- الطمأنينة المتقلبة في النفس قصد توطيد الاستقرار داخل النفوس ومنها داخل المجتمعات المتركبة من هذه النفوس بفضل العلم الرباني التي قال عنه حتى مفكرو الغرب مثل جان جوريس أنه ضروري لاستتباب العدالة الاجتماعية المستحيلة التركيز والاستمرار ما لم تصاحبها في كل وقت محاسبة النفس ومراقبة الضمير وهذا هو معنى التقوى.
ج- الشمول المعنوي والمادي بالغوص على حقائق الوجود الظاهر والباطن حسا ومعنى ذوقا وعقلا وفكرا دنيويا وأخرويا للتمكين في الأرض بالاستخلاف والقرب من الحق المطلق تعالى باجتناب
القواطع والمنهيات والقيام بالأوامر والعمل بما يقرب ويعلي ويشرح الصدور.
 
ولهذا يصبح جليا أن القيادة العالمية لا يتصور إمكانها عقلا إلا لمن توفرت فيه شروط الاصطفاء والشمول والعالمية والعلم كتابا وحكمة والكمال على سدرة المنتهى والعصمة من الخطأ والجمع بين العرفان الإلهي والحكمة الجامعة والتشريع المفصل وتدبير الظاهر والباطن والسلم والحرب والكليات والجزئيات تحت لواء الحق لنصرة الحق بالحق والهداية إلى صراط مستقيم. 
 
وفي زمان مثل زماننا حيث وقع البعد من المعنى بقدر القرب من المبنى والتفنن في الصناعات بقدر انطماس البصيرة والسقوط في الظلمات النفسانية المتكاثفة الحجب، بلغ الانحراف منتهاه وصل العصيان والاستكبار والشك والاحتراس والبلبلة والتهافت والحيرة والتعصب إلى درجة أشعرت القلوب بخطورة الموقف وضرورة المنقذ وصارت تنادي بخطة جديدة للغارق الذي يصيح في واد لا يسمعه فيه أحد وأن هذه الخطة الجديدة ينبغي أن تكون على شكل دين، وبما أن صحة الكتب السماوية مشكوك فيها قاطبة إلا القرآن الكريم على حد شهادة الكاتب الفرنسي أرنست ربنان وهو ليس بالعطوف على الإسلام، وبما أن الشريعة الموسوية والطريقة أو المحبة العيسوية اكتملت وتمت داخل الحقيقة أو المعرفة المحمدية، وبما أن سائر الحقائق العليا عبر التاريخ التي اندرجت في سلك دين الله بعبارة "إن الدين عند الله الإسلام"، وبما أن اجتماع الدنيا والدين المنشود تحقيقه في المستقبل قد تحقق في الشخصية المحمدية والمنهاج المحمدي بحثا عن الحق وخضوعا له بحسب المعنى العميق لكلمة الإسلام، فإن القيادة العالمية المنتظر انتشارها في الدنيا كلها ستكون الإسلام ولا يمكن أن تكون عقلا ولا نقلا إلا الإسلام.
 
ففيه وحدة الحق ووحدة العقل ووحدة الروح ووحدة النفس ووحدة المعنى ووحدة القيمة البشرية ووحدة الحرية ووحدة المسؤولية ووحدة الإنسانية ووحدة الدين ووحدة الرسالات ووحدة الغاية الإنسانية ووحدة المصير ووحدة الشريعة والطريقة والحقيقة للناس كافة ولذلك سمي دين التوحيد الذي سيوحد البشر إن شاء الله.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here