islamaumaroc

هذا بلاغ للناس: لكي لا تضل المقاييس -2-

  دعوة الحق

129 العدد

«ما تزال الدكتورة عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطئ – تخوض معركتها الباسلة دفاعا عن حرمة القرآن وكرامة العقل وشرف العلم، ورفضا لبدعة «التفسير العصري» من غير ذوي الدراية بعلوم القرآن وأسرار بيانه»

«ليس كل من أحب أن يجلس للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل والجهة فإن رأوه لذلك أهلا جلس.
«وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك.»
      
  كتبت مقالي عن «القرءان الكريم، بين الفهم والتفسير»، وأنا أتوقع سلفا ما قد أتعرض له من اتهام بالرجعية والجمود، وهي التهمة التي اتقاها من تجنبوا التصدي لأي تفسير عصري، يجور على حرمة القرءان بتأويلات مقحمة عليه، نصا وسياقا، وفهمه بإسرائيليات تضاف إلى الرصيد المشؤوم لمدسوسات اليهود في الفهم الإسلامي لكتاب دينه ..
  وإن لم يبلغ بي هذا التوقع أن يظن بي «الاحتراف والاحتكار»، لمجرد أنني ميزت الحدود الفاصلة بين الفهم المباح لكل الناس وبين حرمة للتفسير لا نبيحه لمن شاء من العصريين، دون دراية بعلوم القرءان، ومعرفة بقراءاته، وفقه لدلالات ألفاظه، وتوجيه سياقه، وأسرار بيانه.
ولكني توقعت، من ناحية أخرى، أن تمس كلماتي ضمائر من يؤمنون بكرامة العلم وحرمة القرءان، ويرفضون أن يأخذوا العلم، أي علم، ممن لا يعلم، فضلا عن أن يأخذوا تفسير القرءان ممن يخوضون في ءايات الله بغير علم، قائلين إن القرءان يفسره كل الناس، والله تعالى يقول: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) [الحج: 8].
وأشهد، لقد تلقيت من رسائل التأييد مما لا أذكر أنني تلقيت مثله على طول عهدي بالكتابة.
ولولا أنني آخذ بمبدأ «القضايا، لا الأشخاص» لسرني أن أذكر هنا أسماء الذين تفضلوا فكتبوا إلي.
ومع اعتزازي بحسن رأيهم في، وتقديري لموقفهم معي، أقول بكل اليقين والإصرار:
إنني لو بقيت وحدي في مواجهة هذا التيار الجائح، الذي يهدر ما للتخصص من قيمة وحرمة، ويستبيح الخوض في كلمات الله بغير علم ولا هدى..
أقول: لو أنني بقيت وحدي، لما تخاذلت أو تراجعت.
وقد أعلم أن العربية لغة الملايين منا، ونعرف مع ذلك علماء يتخصصون في مختلف علومها وأدق نصوصها: البيانية والفقهية والقانونية والفلسفية .. دون أن يجحد عصرنا هذا التخصص الدقيق باسم الحرية، أو يتحداهم بشعار «اللغة للجميع، فليسقط الاحتكار».
ودون أن تنبذهم حياتها، فلا ترى فيهم غير «عمامة محترف، مشغول بحماية مستقبله الشخصي، واختصاصاته الرسمية، التي يأكل منها خبزه»!
                                                       -•-
ولعل أخطر ما تتعرض له الحرية، هو أن نحجر على حق متخصص في أن يقول: لا .. حين يفرض عليه ضميره وأمانته أن يقول: لا!
كما أن أخطر ما يزيف العصرية، أن تطارد وصمة الجمود من يرفض مطلق الإباحة لأقدس الحرمات ...
ويهون علي، مع ذلك، أن أحتمل أي أذى بالقول أو بالفعل، إلا أن أخون أمانتي وأكتم الشهادة بما أؤمن أنه حق، فأبوء باللعنة الكبرى من إثم القلب.
وأنا أتلو من كلمات ربي: (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: 283]. 
                                                        -•-
وأستأنف القول في قضية التفسير وإباحته، فأتناول منها في مقال اليوم شبهة خطيرة، ضلت فيها المقاييس، واختلت الموازين.
فلقد تصدى أستاذ جامعي للفلسفة - وتعنيني القضايا لا الأشخاص - للدفاع عن إباحة الاجتهاد في تفسير القرءان لأي مفكر عصري، دون دراسة أو مؤهل، فقال ما نصه:
«فرأيي أن القرءان لم ينزل للمتخصصين، وإنما نزل للعالمين، وأن ابن عباس، وهو حجة التفسير في زمانه، لم يدرس الدين في معهد، ولم يكن يملك من المؤهلات إلا الفطرة السليمة».
وشعرت بأسى عميق:
القضية التي نحن بصددها، تتعلق بتفسير القرءان، فكيف ساغ الخلط بينه وبين نزول القرءان للعالمين؟
و«ابن عباس» الذي يحتج به لإباحة التفسير للعصريين، دون دراسة أو مؤهل، هو ابن عم المصطفى عليه الصلاة والسلام، وصاحبه، وأحد كتاب الوحي!
فهل صحيح أنه لم يدرس الدين في معهد ولم يكن يحمل من المؤهلات، للتفسير، إلا الفطرة السليمة.
الذي أعلمه أنه درس الدين الإسلامي في «مدرسة النبوة»، وكان نبي الإسلام نفسه، هو معلمه في هذه المدرسة!
وكان يملك مؤهل الصحبة للمصطفى المبعوث برسالة الإسلام!
ويملك معها أهلية كتابة الوحي، ونقاء عربيته وأصالة فصاحته!
فلم يكن بحيث يفوته العلم بالقرءان، أو تغيب عنه أسرار لغته وبيانه، فيخلط بين الدلالات الأصلية والمجازية، ويفهم كلمات الله مبتورة من سياقها، ويلويها ليا، لكي تطابق نصوصا محرفة من الإسرائيليات!
وكذلك كان السابقون الأولون من الصحابة رضي الله عنهم:
تلقوا القرءان مباشرة من المصطفى، الذي تلقاه وحيا، معجزة نبوته وكتاب رسالته.
ودرسوا الدين في مدرسة النبوة، والتحقوا بأول معهد إسلامي عرفه التاريخ: المسجد النبوي في دار الهجرة!
وبصحبتهم للمصطفى، كانوا المرجع الأول بعده، عيه الصلاة والسلام، في قراءة القرءان وترتيبه وسائر علومه، كما تلقوها مباشرة، عن مبلغ هذا القرءان!
وبالدروس النبوية التي تعلموها من المصطفى، وحضروها في مسجد المدينة، كانوا المراجع الأصلية للسنة النبوية من قول وعمل وتقرير.
والسنة هي المصدر الثاني لشريعة الإسلام بعد القرءان.
وبأصالتهم في الفصحى، وعراقتهم في العربية كانوا معلمي جيل التابعين، ومصدر توثيق لنصوص الفصحى من عصر صدر الإسلام وأواخر الجاهلية، حين احتاجت الأمة إلى جمع تراث العربية، لغة الدين والدولة، كي يستنبط منه علماؤها معجم
ألفاظها وقواعد نحوها وتصريفها واشتقاقها، وأساليب تعبيرها وبيانها .
                                                      -•-
ولم يكن الصحابة، مع ذلك، على مستوى متماثل من الدراية والفقه والضبط، بل تفاوتت منازلهم وطبقاتهم.
في عملية الجمع، كانت صفوة من حفاظهم وكتاب الوحي منهم، هي التي ندبت للعمل الجليل، مع التفرغ والاختصاص!
وفي جمع أحاديث المصطفى، عليه الصلاة والسلام، كان علماء الحديث يشترطون لصحته اتصال إسناده برواية العدل الضابط عن العدل الضابط، إلى أن يصل الإسناد إلى التابعين فالصحابة، عن الرسول، عليه الصلاة والسلام.
وكانوا مع ذلك يميزون أصح الأسانيد، و لم نسمع قط أنهم سووا بين رواة الحديث، بل الذي نعرفه من مبادئ علوم الحديث، أنهم أنزلوهم منازلهم من العدالة والضبط، وأعطوهم ألقابهم بأدق المقاييس لعلم الجرح والتعديل.
وبقدر ما تفاوت الصحابة في وثاقة صلتهم بنبي الإسلام، ومكانهم من مدرسة النبوة، وفقههم للعربية، لغة القرءان، تفاوتت طبقات الصحابة ومكانتهم في فقه القرءان والسنة.
فكيف تختل مقاييسنا العصرية، فنحتج لإباحة التفسير، بأن «ابن عباس» لم يدرس الدين في معهد، ولم تكن لديه مؤهلات للتفسير غير الفطرة السليمة ؟
كأن مدرسة النبوة، ليست معهدا نعترف به لدرس الدين!
وكأن مسجد نبي الإسلام، لم يعرفه التاريخ، المعهد الإسلامي الأول!
وكأن صحبة المصطفى، وأصالة العربية وكتابة الوحي، لا تدخل في مؤهلات ابن عباس لتفسير القرءان!
                                                      -•-
وماذا عن قراءة القرءان؟
القرءان نزل حقا للعالمين، ولم ينزل للمتخصصين!
لكن طريقة قراءته لم تكن مباحة للعالمين، يقرأ كل منهم على هواه!
وإنما أجمعت الأمة على قراءات سبع، لأئمة من المتخصصين يفصلنا عنهم بضعة عشر قرنا!
وعلى تتابع الأجيال، يلتزم المسلمون قراءات الأئمة السبعة، لا يحيدون عنها باسم الحرية، ولا يتحدونها بشعار رفض الجمود والاحتكار!
                                                      -•-
والأمر كذلك في الفقه الإسلامي المستمد من نصوص القرءان والسنة، وما يقاس عليها:
الإسلام ديننا جميعا، لكن باب الفقه لم يكن مفتوحا لكل العالمين، الذين نزل القرءان لهم.
ولم يترك الأمر فيه مباحا يتصدى له من شاء كيف شاء!
وإنما انعقدت الإمامة في الفقه لأئمة أربعة من المسلمين: «مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد ابن حنبل».
سائغ أن يقول فيهم أستاذ عصري، مثل الذي قاله في «ابن عباس»: «لم يدرسوا الدين في معهد، ولم يكونوا يملكون من المؤهلات إلا الفطرة السليمة!»
فاسمعوا أيها الناس مثلا:
«الإمام مالك بن أنس»، الذي أجمع المسلمون على إمامته، فما كان لأحد أن يفتي ومالك في المدينة.
لم يصل إلى هذه المنزلة العليا من التخصص الفقهي - أو الاحتكار بمفهومه العصري الغريب - بغير درس أو مؤهل.
   ولم يجلس للفتيا، بما فهم من القرءان والسنة، من تلقاء نفسه دون إجازة علمية من فقهاء زمانه!
بل تعلم في مدرسة، وسار على منهج، وتلقى عن شيوخ انقطع لبعضهم سنين دأبا، ثم لم يجلس للفتيا والتدريس حتى نال الإجازة العلمية، من سبعين عالما من فقهاء الإسلام في المدينة والحجاز!
أما مدرسته، فكانت «المسجد النبوي بالمدينة»، وفي مكان منه حدده المؤرخون: الروضة الشريفة، ما بين القبر والمنبر
وفي هذه المدرسة يقول «ابن شهاب الزهري»، أحد شيوخ مالك:
«جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة»، وعد منهم سبعة من فقهاء أهل المدينة.
على أن «مالكا» لم يدخل هذه المدرسة، إلا بعد أن تأهل لها في مكتب تحفيظ القرءان، فأتم حفظه، ثم أتقن تجويده قراءة على «نافع ابن عبد الرحمن»، إمام أهل المدينة في القراءة، وأحد القراء السبعة الأئمة!
   وأما عن منهج دراسته، فكان فيما حدده مؤرخوه، يستوعب «كل ما يستعان به على فهم القرءان: من علوم العربية، وسنن الرسول، عليه الصلاة والسلام، وأحكام القرءان، وعلومه، والسير والمغازي، مع قدر من الحساب والرياضيات».
وأما شيوخه، الذين أخذ العلم عنهم وروى الحديث، فمنهم:
«ربيعة بن أبي عبد الرحمن»، الذي اشتهر بلقب «ربيعة الرأي»، وقيل فيه: «ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة».
  ومنهم «ابن هرمز الأصم»، الذي انقطع إليه «مالك» سبع سنين أو ثماني سنين لم يخلطه بغيره.
وفيه يقول ربيعة الرأي: «ما رأيت عالما قط بعينك إلا ذاك الأصم ابن هرمز»
واشتهرت في بيئتنا العلمية الإسلامية، وصية ابن هرمز لتلميذه مالك:
«ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول: لا أدري. فإن العالم إذا أخطأ لا أدري، أصيبت مقاتله».
ومنهم: «ابن شهاب الزهري»، أعلم الحفاظ للحديث.
و«نافع، مولى عبد الله بن عمر» الملقب بالإمام المعلم، وأحد رجال الإسناد في السلسلة التي تعرف بسلسلة الذهب، وفيه قال تلميذه مالك:
«كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر، لا أبالي إلا أسمعه من أحد غيره».
والإمام «جعفر الصادق»، الذي تخصه الشيعة بأسرار التفسير، وتنسب إليه كتابا فيه كل ما يحتاجون إليه من علم القرءان.
وغيرهم كثير، لا أحصيهم هنا عدا.
ونال «ملك بن أنس» إجازته العلمية من أصحاب الاختصاص، فكانت شهادتهم له مؤهلا لأن يجلس في «مسجد المدينة» للحديث والفتيا.
قال:«ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل والجهة ... فإن رأوه لذلك أهلا، جلس.
«وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك».
هل يكفي هذا المثل، إقناعا بحرمة التخصص وكرامة العلم ؟
عفا الله عمن قالوا في أئمة الفقه والتفسير: إنهم لم يتعلموا درس الدين في معهد، ولم يكن لهم مؤهل إلا الفطرة السليمة!
وأستغفر الله لي، وللزميل الفاضل الذي كتب يرجو أن أغير رأيي إذا أنا استلهمت في هذه القضية ضمير المفكر «لا عمامة المحترف المشغول بحماية مستقبله الشخصي، واختصاصاته الرسمية، التي يأكل منها خبزه!».


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here